النفوذ من بوابة الطائفة الى السلطة الخاطفة في العراق

حجم الخط
0

د. عمر الكبيسي أفصح قادة جميع الكتل السياسية الفائزة بالانتخابات والمرشحة لتشكيل حكومة الشراكة المزعومة أن تشكيلها أصبح مأزقاً سياسياً، ولم تستطع المفاوضات المكثفة واللقاءات المتكررة بين قياداتها من إيجاد منفذ يمهد للوصول الى حل.

ما السر في ان الجميع لم يعد مكترثا بعامل الزمن الذي كانوا يراهنون على اختصارة ويحسبون إطالته إسفافاً وإجراما بحق العراقيين ونذير شؤم لمزيد من العنف والاقتتال، في حين أن أحدهم تكلم مؤخراً عن احتمالية ان يستغرق الاتفاق على توزيع المناصب سنة كاملة، بلا مؤشر لخجل أو استنكار، وما السر في أن معظم قادة الكتل، يشدون الرحال الى المرجع الأعلى السيد السيستاني في النجف الأشرف وإلى قيادات الكرد في أربيل والسليمانية؟ ما سرًّ الاحزاب الدينية التي يفترض أن تلتزم بتوجيهات، وإرشادات المرجعية، وفقاً لمصلحة الطائفة كونها أحزاب مرجعية، ؛ لكن ما يطفو على الساحة بعد هذه الزيارات هو مزيد من تصريحات رسم الخطوط الحمراء بين قيادات هذه الأحزاب وتجذير الخلافات والصراعات على المناصب، باستثناء في ما يبدو كأنه اجماع على تحديد خلفية رئيس الوزراء وضرورة ان يكون من مكون الطائفة، وكأن هذا الإجماع أصبح بمثابة بديهية وعرف له قوة الدستور وان هذا الموقف الذي عدَّ عرفا لم يعد يستوجب نصاً دستورياً وثابتا على خلفية الغالبية العددية التي ليس لها حتى ثابت إحصائي او تعداد سكاني يستند اليه، هذا لو سلمنا بفرضية الغالبية السكانية وليس الغالبية السياسية؟ تزداد هذه الأحزاب الطائفية على التمسك والتشبث به كلما تعمقت وتجذرت الخلافات بينها على خلفية تسمية مرشح الطائفة، لمنصب رئيس الوزراء، التي كما يبدو جليا انها تختلف في تحديد وتشخيص أين تكمن مصلحة وموقف الطائفة، مما يثير الانتباه الى وجود تقاطع بين المصلحة الشخصية والحزبية وبين مصلحة الطائفة التي لا يمكن ان تمر عليها المرجعية مرور الكرام من دون تحديد؛ ربما لأن رأي المرجعية لم يعد ملزماً لهذه الأحزاب التي تمر بدور التمرد لصالح شخوصها. من الواضح ان التشرذم السياسي الطائفي الذي يؤسس لأزمة تشكيل الحكومة من دون توافق لا يمثل موقفا مرجعيا ولا يمكن تفسيره إلا انه نمط من انماط تفرد شخصي تحت غطاء حزب السلطة (الدعوة) على الرغم من فشل الحزب الذريع في الحفاظ على وحدته وقياداته كحزب وثوابته كفكر والتزامه بمرجعيته، ناهيك عن فشله في إدارة الدولة والسلطة واسهامه بانحطاط البنية التحتية وتدميرها واستغلال الثروة والجيش والقوات الأمنية بأسوأ أسلوب بعيدا عن النزاهة والكفاءة والمهنية. الأحزاب الدينية الطائفية جميعها أسهمت بالتأكيد في اسقاط نظرية جهاد الدفع ومقاومة المحتل وخرق ابسط ثوابت السياسة الشرعية في ضرورة مقاومة الاحتلال وإخراجه وكشفت عن حقيقة أن حزبا دعويا يدير السلطة والحكومة بعدئذ في ظل احتلال ووجود قوات اجنبية الحقت بالعراقيين الضرر والعنف والاقتتال والبطالة والتهجير، وتعقد هذه الأحزاب الدينية اتفاقية امنية تكافئ المحتل ولا تتطرق الى طبيعة هذا الاحتلال وزيف مبرراته واثارته للأزمات المتلاحقة، او تحديد مسؤولية المحتل او إلزامه بتعويضات عما الحقه من خسائر ودمار. ساهم هذا التنسيق في تهميش التيار الاسلامي السياسي وشقه واختراقه ومهد في ما بعد لولاء مزدوج لأحزاب اسلامية لقاء ان تدعم الادارة الامريكية هذه الأحزاب وتتبنى لها مستقبلا سياسيا على حساب مواقف تحجيم قوى وشخصيات سياسية اخرى كالصدريين والعراقية والحوار، الموقف من اقرار الدستور والاتفاقية الامنية والفيدرالية من المؤكد كانت مجسات امريكية وتأطيرا سياسيا لتحديد طبيعة وهوية حلفائها وعرابيها في الفترة اللاحقة.

تبلور الصراع على السلطة في العراق خلال السنوات السبع المنصرمة من محاصصة الطائفة وشعار المظلومية وسلطة الحوزة والمرجعية، الى صراع الاحزاب واحتواء الطائفة حتى اصبحت المرجعية تحت تأثير وقبضة الاحزاب والكتل يوم كان قادة الاحزاب يقزمون انفسهم ويضعون صورهم المتواضعة كدعاية انتخابية تكون تحت ظل صورة السيد السيستاني او المرحوم الصدر، اصبحوا اليوم يتبعون سياسة احتواء المواقف وتجيير المراجع لصالح مواقفهم السياسية واجندات احزابهم وتنظيماتهم، من خلال السلطة التي يتمسكون بامتيازاتها ومواردها.

ازمة السلطة الحالية ليست ازمة طائفة او مكون، بل هي ازمة شخوص وقيادات مصطنعة استغلت المال والثروة وجندت بهما واجهات ومنابر وعمائم وميليشيات ورتبا وقبائل وجمعيات وجماعات واحزابا لا يجمعها الا حب المال والجاه للتمسك بالسلطة.

في حسابات الساسة الجدد اليوم لم تعد مصلحة او منفعة العراق او الطائفة او الدين او المرجعية او حتى الحزب تتحكم بالسلوك السياسي، يتضح ذلك من خلال إئتلافات الساسة خلال عملية الانتخابات الأخيرة، وإلا كيف يتآلف النصراوي وحاجم الحسني وابو ريشة وعلي بابان مع المالكي، وكيف يتآلف نصير الجادرجي ومالك دوهان وخالد الملا ومبدر الويس مع الإئتلاف الوطني ويتآلف حسن العلوي وآمال الشيخلي مع علاوي فيما يرشح ابن العلوي وزوج الشيخلي مع الإئتلاف العراقي! بل كيف لا يكف الحزب الاسلامي والتوافق عن عروضهما بين حين وآخر للمالكي لتسلم مناصب رئاسية من حصة السنة العرب كما يحسبونها؟ ولا تتوقف المهزلة عند هذا الحد بل تتكرر دعوات من ساسة سنة مثل محمود المشهداني واخرين لتحويل القائمة العراقية الى قائمة سنية بلا حياء! في حين لا تجد لجواد البولاني تصريحاً واحداً يحدد فيه موقفاً وطنياً لنوابه الفائزين بمجرد انه لم يحقق فوزاً بمقعد لنفسه! بسبب بقائه على رأس قائمة منفردة كان المفترض بها أن تغادر المستنقع الطائفي وفقا لبرنامجها، في حين انه قبل ترشيح المشهداني واحمد عبد الغفور واحمد ابو ريشة معه مع انهم ساسة يحملون صبغة طائفية! أي وطنية نستقرئ من كتل كاملة تشرَّح وتقدح بالمالكي وافعال وسلوكية حكومته، سواء بالمال العام او بتدهور الخدمات او بتسييس ومحاصصة الجيش والقوى الأمنية وتحسبه خطاً أحمر في تصريحاتها؛ لكنها مازالت على طول فترة تفاوضها معه تقدم له إغراءات بمناصب سيادية او تقاسم السلطة. هل من المعقول ان يعرض للمالكي منصب رئاسة الجمهورية وهو أرفع منصب في الدولة العراقية جزاء ما عاثت به حكومته وشخصه من فساد ودمار وتعصب حزبي وطائفي؟ لا نبالغ في القول عندما تبدو حقيقة غياب المشروع الوطني أو انعدام إمكانية حدوث تغيير في حكومة قادمة اصبحت ظروف وأجواء تشكيلها مسرحية تساوم في المناصب والمشاركة من منصة المزايدات العلنية وكأننا نعيش أجواء مزادات التحف في بغداد أيام زمان، ان القوى الوطنية والمناهضة للاحتلال لم يعد يهمها أن تتشكل حكومة كهذه، أصبح المتحكمون بمصيرها أشخاصا وعرابين وساسة مصنعين بدل ان تتحكم بتشكيلها مصالح شعب منكوب ومسلوب الإرادة والثروة والخدمات والأمن، شعب فتكت به البطالة والجهل والأمية والعنف والقتل والجوع والتهجير والفساد واخترقت بنيته الاجتماعية وانهارت بنيته التحتية بما لم يعد فيه للحياة الكريمة شأن؛ شعب أصبحت مسؤولية دماره وتفتيته على أيدي هؤلاء العملاء بما لا يقبل الجدل تتحمل مسؤولية ما جرى له الإدارة الأمريكية قلباً وقالباً، فإذا كانت هذه الإدارة ما زالت مقتنعة بعد كل هذه الفضائح التي اقترفوها بصلاحيتهم للحكم ثانية (كما يبدو) فإن هذا يعد استمراراً، لمخططها اللامسؤول بتدمير العراق وشعبه؛ أما اذا أرادت إدارة اوباما والأدارة الأمريكية، ان تستهجن ما حدث وتتبرأ مما سيحيق بدولتها من مسؤولية وتبعيات لاحقة فليس لها إلا ان تعزف عن عملائها الفاسدين وتبحث عن طلاب سلطة جدد بالتعاون مع الأمم المتحدة والهيئات الدولية من أجل الخروج من مأزقها، والحفاظ على بياض وجهها وترميم فشلها في العراق تحت أي مسمى شاءت أو وسيلة ارتأت.’ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية