النقد المعماري في غياب الرصيد العملي

حجم الخط
0

هل هو تأسيس لعلم ‘الكلامولوجيا’؟ د. مصطفى بن حموشنسمع الكثير في عالم العمارة عن ضرورة النقد المعماري باعتباره إحدى بوابات الثورة الفكرية في الغرب وبالتالي الحضارة المعاصرة، التي تقوم على تأليه الفكر والنقد ونقد النقد. لكننا نحن العرب المعاصرين نعـتـقد في قرارة أنفسنا بما أوتينا من علم الكلام والاشتقاق اللغوي كثيرا ما تخفى علينا حقائق النقد في الغرب أنه كان مصاحبا لثورة تطبيقية، بحيث كان النقد نقدا تطبيقيا ( والمصطلح للزميل خالد سلطان). فنقد الموجود في الغرب يقتضي إحلال البديل والعمل على تحقيق ذلك بصمت ثم إقناع الناس بأفضلية البديل، ومن ثم التغيير نحو الأفضل دائما.

إن النقد الفكري من دون سند عملي كثيرا ما يكون فلسفة عقيمة. ومع ذلك فقد تكون هذه الفلسفة قوية بقوة عقل من وضعها، حيث تستطيع أن تقنع من هو أقل شأوا في التفكير. فمن ذلك فلسفة ماركس المتكاملة التي سادت دهرا في أوساط الغرب، ليس فقط في عالم الاقتصاد والسياسة وإنما حتى في الفكر والثقافة، حيث كان اليسار يقدم طروحات سياسية وفكرية ويهدد أمريكا البعيدة وأوروبا في رحمها. أما في عالم العمارة فإن المعماريين على الأقل الذين عاشوا وهج العمارة الحديثة أو العصرية، بمن فيهم صاحب هذا المقال، يدركون مدى قوة أفكار مجموعة ‘CIM’ وعلى رأسهم المعماري السويسري الفرنسي الكوربيزي الذي طغت كتاباته على العالم من برازيليا في جنوب أمريكا إلى شانديغار في الهند. لقد كانت طروحاته الواضحة والقوية والبسيطة المتمثلة في مبادئه التصميمية الخمسة تجذب جيلا من المعماريين. لقد لاقت تصميماته في الإسكان في قرية ببيساك لعمّال سيتروان والوحدة السكنية الشاملة في مرسيليا رد فعل عنيفاً لدى السكان الذين حوّلوا كل المبادئ التي وضعها رأسا على عقب وإلى ما كان عليه الإسكان قبل مجيء الحداثة. فالنوافذ الزجاجية الواسعة في هذه القرية تحوّلت إلى فتحات صغيرة تغلق بالخشب، والسطوح العلوية التي كان الكوربيزي يأمل أن تمنح حديقة في السماء لكل بيت تحولت إلى سقوف قرميدية تزيح الثلج عند تساقطه، والجدران الخفيفة بالفراغ الداخلي المرن تحولت إلى جدران حجرية سميكة تستدعي صورة البيت الريفي بالمدفئة، والأعمدة الرشيقة التي كانت ترفع البيت وتترك المستوى الأرضي مفتوحا، تحولت إلى مستودعات مغلقة للسيارات. وهكذا انقلبت كل أفكاره رغم قوتها الفلسفية وإقناعها الكثير من العقول إلى ضدها بفعل التطبيق وعامل الزمن. ولم تبق من آثاره إلا فيلا سافوا التي احتفظت بطبيعتها بفعل الحفظ التراثي القانوني والشاهدة على النجاح الفكري والفشل الميداني. لقد كان ذلك إيذانا بانهيار العمارة العصرية، كما انهارت الأفكار الماركسية الشيوعية. لم يحدث الانهيار بكلام المناوئين ولم يدفع بقوة حجة الكوربيزي وإنما بفعل التجربة الميدانية.

يقوم النقد المعماري التطبيقي على أسس ويتجلى في مجالات. فمن النقد التطبيقي ما يتخذ بدائل تصميمية كما جاءت عمارة ما بعد الحداثة بفكرة العودة إلى الماضي وإلى المجتمع كمصدر للإلهام التصميمي بعد أن كان مقتصرا على العقل التجريدي. وقد مارست هذا الفعل النقدي المدرسة الأمريكية بقيادة روبير فانتوري ومدرسة لاس فيغاس وغيرهم. فلم يكن كتابه الصغير ‘التعقيد في العمارة’ ليخرج إلى الوجود وليلقى صداه لو لم يرتكز على نموذج تصميمي لبعض السكنات التي طبق فيها أفكاره الجديدة، من إعادة الدرج المنكسر والمدخنة والموقد والسقف القرميدي إلى التصميم السكني وغيرها من مفردات ما بعد الحداثة.

كما تقوم البدائل الأخرى بالدراسة الميدانية لما هو موجود لتبيان مساوئه. وقد كان هذا ما فعله الأستاذ الكبير هابراكن في دراسة الإسكان الاجتماعي العمودي الذي طغى على السياسة السكنية في خمسينيات أوروبا كحل لأزمة السكن التي خلفتها الحرب العالمية الثانية. فقد وضع حلا جديدا يتمثل في تقسيم مجال الإسكان إلى دائرتين إحداهما ثابتة هي الأعمدة ونقاط الماء وحدود الملكيات، والثانية هي المجال المتحرك المرن والذي يسمح للساكن بتغييره وتوليفه وفق رغباته وحاجاته الخاصة المختلفة عن غيره. ولم يكن كتابه الصغير ‘سيبورت – إنفيل’ الذي خرج من ذلك البلد الصغير هولندا ليلقى الآذان الصاغية في عالم الصناعة السكنية لو لم يقم بإنشاء ذلك المختبر المشهور عالميا باسم ‘صار’ في أيندوفن.

وقد وقع نفس الشيء للمعماري المتمرد جون تارنر عندما غامر بحياته ليعيش دهرا في السكن العشوائي بأمريكا الجنوبية ثم يخرج بمدرسة فكرية جديدة تنقد السياسة السكنية الرسمية المعتمدة على مركزية الدولة والميزانية العامة ويعيد الاعتبار للفعل السكاني القاعدي. فقد وجد أن السكن الارتقائي والأمان القانوني يدفع بالسكان إلى الارتقاء ببيئتهم والاستقرار. وعلى كل حال فإن كتابه الصغير ‘السكن بأيدي السكان’ قد أصبح بفعل تجربته الميدانية مرجعا مقدسا لكل من يدرس مسألة الإسكان في العالم ا لثالث. وعلى مثله سار مؤخرا الخبير الاقتصادي المشهور هيرناندو ديسوتو في أمريكا الجنوبية في كتابه ‘سرّ الرأسمال’. أما أموس رابوبور فقد اتخذ من دراسته المقارنة للبيئة المبنية والثقافة البيئية عبر القارات، أي الأنثروبولوجيا، مجالا لطرح البديل المعماري المؤسس على دراسة الواقع المصغر للتراث والذي أعطى ثمرته في نشأة العمارة الإقليمية ‘ريجيوناليزم’ والتي سانده فيها كينث فرامتون. فقد كان كتابه الصغير ‘هاوس، فورم أند كالتشر’ الذي حمل في طياته نقد الحداثة كذلك، نقطة تأسيس لاتجاه أثر في معماريي ما بعد الحداثة وفي الأكاديميين المهتمين بشأن التراث المعماري.

قد يقول قائل إن شارل جانكس وكينث فارمتون وميشال راغون أهم أقطاب الفكر النقدي المعماري المعاصر ليس لهم تجارب ميدانية تذكر ومع ذلك فقد ساهموا كثيرا في توجيه الحركة المعمارية بكتاباتهم. نعم سنقول أنه بالإضافة إلى كونهم مؤرخين، كان كذلك عملهم ميدانيا حيث تتبعوا كل المشاريع القائمة بالنقد والتحليل ثم وضعوا نظريات إجمالية لتصنيفها، بل ونحتوا لها توجهات ومصطلحات، لم تخطر ببال المعماريين الذين مارسوها أنفسهم. ولعل وجود منظّرين من هذا النوع نادر جدا لا يقاس عليه.

ليس من الضروري أن يكون النقد هدما للموجود وفضحا للعيوب بأسلوب التخطئة، وإنما يكون كذلك بناء وتكملة للموجود إذا كان ثمة طريق لذلك. قد تكون النظرية أو العمل المعماري القائم وليكن مثلا كتاباً ناقصاً من عدة أوجه، فإن ذلك لا يقتضي الدعوة إلى نبذه والدفع للبحث عن شيء آخر غيره. إن من مسلّمات الفكر البشري أن الحضارة وبالتالي العلم فعل تراكمي يكمل اللاحقُ الإنتاج السابق. وقد كان ذلك في الهدي النبوي حين وصف رسالته بأن مثله كمثل بيت مكتمل جعل الناس يطوفون حوله ويقولون ما أجمله إلا موضع لبنة لم توضع. فذكر النبي (ص) أنه هو تلك اللبنة التي يكتمل بها ذلك البناء الجميل.

لعل أدق مسألة في النقد ذات الأهمية القصوى رغم ما يلفها من صمت هو كذلك دوافع النقد والناقد، التي تتستّر في الغالب وراء الموضوعية، والتي لا يمكن الوصول إليها إلا بقرائن الأحوال ومعرفة حال الرجال كما يعرف في علم ‘الجرح والتعديل’ الذي أسّسه علماء الحديث النبوي للوصول إلى نسبة معقولة من النزاهة العلمية في أخذ الرواية. فبالإضافة إلى الضبط والتأكد من التخصص ينظر في شخصية الراوي من حيث السلوك والسابقة العلمية وغيرها من أوجه معرفة الحال، وهو ما نفتقده كثيرا في عصرنا.

إن تأسيس نقد معماري في بلداننا العربية، قد يكون فعلا جميلا خاصة إذا اعتبر مطلب التكميل والبناء. كما يكون أكمل إذا كان من ينقد يستشهد بما حقّقه في الميدان سواء بالتنفيذ أو الكتابة المعمارية المعتمدة أو بعمل المسح الميداني أو غيره من السند التطبيقي. أما أن يترك الكاتب قلمه يجري ليكتب دون توقف من وحي الأفكار المجردة أو العمل البلاغي أو الصحافي فإن ذلك يكون تأسيساً لمدرسة علم الكلام الجديدة عند النقاد المعماريين العرب التي يصح عليها اسم ‘الكلامولوجيا’. أستاذ مشارك في جامعة البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية