رواية ‘من فرط الغرام’ لناصر عراق د.
عبدالجبار العلمي الحدث الروائي: قرأت الرواية الثانية للكاتب الإعلامي التشكيلي المصري ناصر عراق ‘من فرط الغرام’، وهي رواية تتحدث عن ظاهرة هجرة المثقفين العرب إلى مدن الخليج البترولية بحثاً عن تحسين الأوضاع المادية والاجتماعية، أو هروبا من ظروف القمع والاستبداد في بلدانهم، بحثاً عن الحرية والكرامة كما هو الشأن بخصوص الشخصيتين المحوريتين رضوان لؤلؤة السوري، وعلي الموسوي العراقي. أما سامح عبد الرحمن المصري الشاعر الصحافي اليساري خريج كلية الآداب في القاهرة، فهو بطل الرواية الذي يحظى بأوفر نصيب من عناية السارد العارف بكل شيء. هاجر إلى مدينة ‘نور مكان’، وهي رمز لإحدى المدن الخليجية التي عرفت ازدهاراً في العمران و النظام، وعمتها مظاهر الحضارة الغربية بعد ظهور البترول في المنطقة. لقد كانت هجرته إليها للعمل في مجلة ‘الصباح’ رئيساً للقسم الثقافي، بعد تجربة حب دامت أربع سنوات من دراسته الجامعية عاشها مع زميلته أميرة يوسف، ولكنها انتهت بالفشل بعد أن هجرته حبيبته لتتزوج من مطرب يساري مغمور يدعى حمدان مسعود ( انظر ص: 11 وما بعدها / و ص: 37 وما بعدها ) وبعد زواجه من امرأة عن غير حب، كان همها الوحيد التجارة والجري وراء المال، قرر السفر إلى الخليج، بيد أن زوجته أبت مرافقته مع ولدهما، مبررة ذلك بوجوب بقائها إلى جانب أبويها، خاصة وأنهما مريضان يحتاجان إلى الرعاية. وبعد خمس وعشرين سنة من فراق الحبيبين سامح عبد الرحمن وأميرة يوسف، تزوجت خلالها هذه الأخيرة من رجلين طلقت من الأول وما تزال تعيش مع الثاني، يفاجأ سامح بمكالمة هاتفية تكون بداية لعلاقة غرامية عارمة مشبوبة، تبدأ على الهاتف، وتنتهي بلقاءات تروي ظمأ الروح والجسد في القاهرة والإسكندرية. ويبدو أن واقع الناس في هذه الرواية لا يسمح بإقامة أية علاقة سليمة في إطارها الشرعي المتعارف عليه، لأنه واقع مأزوم يعرف كثيراً من الاختلال والتناقض والإحباط. فالعلاقة البريئة التي كانت بين سامح وأميرة خلال دراستهما في الكلية لم تكلل بالنجاح، في حين توجت علاقتهما خارج التقاليد المجتمعية بالتوافق والانسجام والانغمار في مباهج الغرام روحاً وجسداً. وعلاقة رضوان لؤلؤة الغرامية بزميلته في الجامعة حنان الإدلبي التي دامت ثلاث سنوات باءت بالفشل، إذ عمدت حنان إلى صد حبيبها وعدم قبول الزواج منه باعتباره مجرد معلم بسيط للغة العربية، غير قادر على فتح بيت يليق بطموحاتها البعيدة. تزوجت من رجل أعمال يكبرها بخمس عشرة سنة ( ص:7)، وعلاقة علي الموسوي بزوجته التي تزوجها أثناء تجنيده لخوض غمار الحرب العراقية ضد إيران دون حب حقيقي إلا أن يجد حضن امرأة تهون عليه أهوال ومآسي ما كابده في تلك الحرب الضروس، تلك العلاقة هي الأخرى لم يحالفها التوفيق، فانتهت بالطلاق بسبب الخيانة. لقد وجد امرأته في أحضان رجل في سريره الزوجي ( ص: 15 و ما بعدها). أما علاقة سهام تميمي الفلسطينية بزوجها الفلسطيني ابن بلدتها رام الله، فلم تكن أقل مأساوية من غيرها، فقد تزوجت منه دون حب، ولم تره إلا قبل الزفاف بيومين، فسافرت معه إثر ذلك إلى مدينة ‘نور مكان’ لتعيش حياة زوجية شقية لم تعرف خلالها سوى القهر والحرمان والعنف الجسدي والجنسي. ( ص: 19 وما بعدها) إنه عالم مأساوي حقيقة. يمتلئ بالجريمة والتناقض والعبثية. وهذا ما تؤكده كثير من الأحداث والوقائع التي تقع في العالم المسرود. فعلي الموسوي يضطر إلى الهجرة من وطنه العراق لأن السلطة العراقية قطعت أذن أخيه عقاباً له على عدم تبليغه الجهاز الأمني عن قائل نكتة ضد الرئيس صدام حسين. والأدهى والأمر هو أن الطبيب الذي أمره رجال الأمن بالقيام بعملية القطع، لم يسلم من ساديتهم، فقد بترت أذنه هو الآخر بيد ممرضه، لا لشيء سوى أنه أبدى احتجاجه على هذا العقاب الهمجي الجائر، ورفض تنفيذ الأمر؛ ورضوان لؤلؤة يغادر مدينته العريقة ‘حلب’، مهاجراً إلى ‘نور مكان’ بسبب تعرضه للإهانة والإذلال من لدن شرطي المرور الذي صفعه في الطريق العام، ولم يستطع أن يقوم بأي رد فعل تجاهه خوفاً من السجن المؤبد أو الإعدام. ( ص: 6). الشكل الدائري:
إن البناء الروائي نفسه ليوحي إلينا بمأساوية هذا العالم وعبثيته، وحادث الجريمة الذي يفاجئنا به السارد في مستهل الرواية، يشير إلى أنه عالم قائم على الشر والقتل والجريمة. فالرواية تعتمد الشكل الدائري الذي ‘يتمثل في تكرار المشهد الأول من الرواية وإعادته بصورة حرفية في المشهد الأخير’. ( د. شكري عزيز العاصي، أنماط الرواية العربية الجديدة، عالم المعرفة، عدد: 355، رمضان 1429 ـ ايلول / سبتمبر 2008 ـ ص: 288). تبتدئ رواية ‘من فرط الغرام’ بحادث قتل رضوان لؤلؤة رئيسه في العمل مشعل خداش الذي كان لا يني يهينه ويحط من قيمة ما يكتبه من مقالات لمجلة ‘الصباح’ التي يعمل فيها تحت إمرته، وذلك في أول صفحة من الرواية ( ص: 5)، وتنتهي بفصل عنونه المؤلف بـ ‘الجريمة’، وهو آخر فصولها. ( ص: 155) وبين هذين المشهدين تقع أحداث جسام سواء على مستوى حياة الشخصيات، أم على مستوى الواقع الخارجي الذي تحيل عليه الرواية مثل أحداث الحادي عشر من ايلول ( سبتمبر)2001، وتحالف الدول العظمى لغزو العراق وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا، و ظروف الحصار الذي عانى منه الشعب العراقي طويلا، فضلا عن المعاناة المستمرة للشعب الفلسطيني من جراء الاحتلال الصهيوني، والنضال البطولي لهذا الشعب رغم المعوقات وتخاذل الإخوة في الخارج والداخل. لقد وظف المؤلف الشكل الدائري ليقول لنا إن شخصياته تدور في حلقة جهنمية مفرغة، يعيشون العبث، ويذوقون مرارة الهزائم المتكررة إن على الصعيد الشخصي أو الصعيد الجماعي العام في عالم لا تحكمه إلا القوة والجبروت وقانون الغاب تحت شعارات جوفاء كاذبة كالحرية والديمقراطية والرخاء.
والحقيقة أن الكاتب وفق في استخدامه الشكل الدائري، ليس بهدف الإثارة والتشويق كصنيع الرواية البوليسية أو بعض الأفلام الهيتشكوكية، بل إن الأمر يتعلق بهدف أبعد، ودلالة أعمق هو إشعارنا أننا بإزاء عالم مغلق محاط بأسوار من القيود التي تقيد حرية الإنسان بعضها يضعه مجتمعنا العربي بتقاليده القاهرة وتخلفه الفكري، وبعضها الآخر يكبلنا به الغرب بما يمتلكه من قوة وتكنولوجيا ومظاهر الحداثة المبهرة. فنحن سجناء التقاليد والتخلف، وعبيد للآخر القوي. ولم يجد أبطال الرواية خلاصاً من هذه الدائرة الجهنمية الخانقة إلا بالهروب إلى أوطان أخرى بحثاً عن حياة أفضل من الناحيتين المادية والمعنوية، ومحاولة نسيان الهموم الذاتية والموضوعية باللجوء إلى الخمر وجلسات اللهو والأنس، أو الانغمار في حمى الغرام الجسدي باعتباره متنفساً يداوي جراح الاغتراب والإحباط والحرمان الجنسي والعاطفي. وذلك حال أغلب شخصيات الرواية الرئيسية والثانوية. يقول السارد: ‘أما ريم السورية، فكانت كاتبة قصة من الطراز الجيد، لكنها تعاني حرماناً عاطفياً منذ رحل زوجها فجأة، فتركت دمشق، وجاءت إلى ( نور مكان).( ص: 30). ويبدو أن فرط الغرام الذي يمارسه في الرواية بعض الشخصيات: سامح عبد الرحمن وأميرة يوسف على وجه التحديد ما هو إلا نوع من التمرد على عالم يتسم بسيادة فرط الكراهية والحقد وحضور المجتمع الصارم بكل قيوده وتقاليده ومثالبه، كما هو أيضاً مواجهة صارخة لما يحدث في العالم من حروب، وما يسوده من أحقاد وخصومات سواء بين الإخوة فيما بينهم، أو بينهم و بين الآخر الغربي المدجج بقوته وتكنولوجيته المتطورة. وإذا كان أولئك الشخصيات الذين ينتمون إلى أقطار عربية مختلفة، قدموا إلى هذه المدينة الخليجية بحثاً عن خلاصهم الفردي مثل نظرائهم في الرواية الأولى للكاتب ‘أزمنة من غبار’، إلا أن بعضهم ما زال مهموماً بقضايا أمته ووطنه وأهمها القضية الفلسطينية ‘لقد كان لكل واحد من الأصدقاء الثلاثة ( رضوان لؤلؤة وعلي الموسوي وسامح عبد الرحمن) غرام مع فلسطين وأهلها’ ( انظر ص: 26 وما بعدها). إن المؤلف يضع يده على كثير من مظاهر الاختلال والاعتلال في جسم الأمة العربية من خلال الأحداث والشخصيات والزمن الروائي والفضاء الروائي. ينتقد سامح عبد الرحمن ـ مثلاً ـ ما وصل إليه حال القاهرة من بؤس في نظام المرور، وصخب مخيف، وفوضى مستفزة، مقارنا مقارنات موجعة للقلب بين ‘نور مكان’ والقاهرة. ( انظر ص: 26 )، والملاحظ أن السارد العليم يبدو منبهراً بمدينة ‘نور مكان’ الخليجية لما تتوفر عليه من نظام، ومظاهر الحضارة الغربية على مستوى العمران وغيره من مظاهر الحداثة البراقة.
عنصر التشويق وخرق أفق انتظار القارىء:
تحدث بعض الباحثين والنقاد عن عنصر التشويق الذي تتميز به الرواية وهذا أمر تؤكده العديد من الشواهد في كثير من الفصول والمقاطع السردية. تتم الإشارة إلى أحداث وفجائع ستقع فيما يلي من فصول بشكل موجز، ويظل القارئ يتطلع بشوق ولهفة إلى وقوعها، والتعرف على طبيعتها في الصفحات التالية. ولا يكتفي المؤلف بهذه التقنية التي تخلق جواً من المتعة الفنية، بل يضيف إليها تقنية أخرى هي خرق أفق انتظار القارىء. فالعنوان ‘من فرط الغرام’ يوحي للقارئ بأنه مقبل على أجواء العشق والغرام الرومانسية التي نصادفها في معظم روايات إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي ومحمد عبدالحليم عبدالله، بيد أننا حين نقتحم عالم الرواية نفاجأ بما يناقض ذلك، فالرواية مليئة بالمآسي والفجائع والحوادث المهولة وآلام الغربة عن الأوطان لأسباب قاهرة، فالحب الرومانسي لم يعد له وجود في زمن الانفتاح والعولمة وانتشار رسائل الموبايل وممارسة الحب من خلال الأحاديث الدائرة عبره، قبل أن يتم ذلك بشكل فعلي مباشر. وإذا كان بعض أبطال الرواية قد عاشوا تجارب حب رومانسي أثناء الدراسة في الجامعة ( سامح عبد الرحمن وأميرة يوسف / رضوان لؤلؤة وحنان الإدلبي)، فإن ذلك الحب لم يكلل بالنجاح كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقاً. فليس ثمة إلا واقع صارم، يتسم بالقسوة والعنف والانتهازية. وحين يتم الإعداد لجلسة الصلح بين الصحافي رضوان لؤلؤة وغريمه مشعل خداش، لا ينتظر المتلقي حدوث جريمة قتل في ذلك اللقاء بالضبط، بل يتوهم أن الأمر سينتهي بالصلح بين الطرفين، لا سيما وأن رضوان لؤلؤة يبدي لأصدقائه وزملائه استعداده لذلك، ولكن المؤلف يخرق أفق انتظارنا، فتكون الجريمة. نقد الرواية:
الذين تناولوا الرواية بالدراسة والتحليل والنقد، قالوا حولها آراء كثيرة متنوعة منها: أنها رواية شخصيات، ومنها أنها تتميز بسيادة عنصر التشويق. ومن النقاد من ركز في دراسته على مشهد القتل باعتباره أفضل مشهد في الرواية، كما أشاد باللغة الروائية التي تتسربل بالمجازات الكثيرة، بالإضافة إلى استخدام فن الرسالة بشكل جيد في عملية سرد الأحداث، ومنهم من اعتبرها ‘رواية آسرة تتكئ على تجربة فريدة مثيرة، نادراً ما خاض غمارها الروائيون العرب، وقد صاغها كاتب يعرف أسرار اللغة العربية ويدرك حلاوتها..’، ومنهم من أشار إلى أنها تعد الرواية الأولى عربياً التي تستخدم تقنية الرسائل عبر الموبايل وممارسة ما أسماه بـ ‘الجنس الشفهي’، ومنهم من قال ‘إن الرواية تقدم لنا صورة شعرية شفيفة ومرهفة لمواجد جيل من الصحافيين المحترفين للعمل الثقافي وشبكة علاقاتهم بمجتمعاتهم المحبطة وسقف ممارستهم لحرية الإبداع المهني وطموحاتهم وأحزانهم الصغيرة’. لقد استوقفني أثناء قراءتي بعضَ ما قيل وكتب حول الرواية من آراء رأيت أنها تحتاج إلى تعقيب وتفنيد. بعضها عام يتصل بموضوعها، وبعضها الآخر له طابع جزئي يتعلق بملاحظات حول بعض أحداث الرواية وشخوصها، وهي كما يلي: 1 ـ أنها أول رواية تتحدث عن هجرة المثقفين العرب وخاصة المصريين منهم إلى دول الخليج بحثاً عن فضاء يوفر لهم حياة أفضل مادياً واجتماعياً. 2 ـ أنه كان الأولى أن يقدم على قتل مشعل خداش، الصحافي العراقي، وليس الصحافي السوري نظراً لأن بلده العراق كان على وشك الاحتلال والغزو من لدن أمريكا وبريطانيا.3 ـ إغفال السارد الحديث عن شخصية روائية كان الأولى أن يعرف القارئ بها، ويتعلق الأمر بالزوج الثاني لبطلة الرواية أميرة يوسف.
بخصوص الرأي الأول الذي قال به عكاشة فهيم غازي، ليس صائباً إذا كان يعني صاحبه الهجرة إلى هذه البلاد بالمفهوم العام، ذلك أن ثمة أعمالاً روائية عديدة شهيرة تناولت هذا الموضوع بكثير من الدقة والصدق. يقول د. جابر عصفور في هذا الصدد: وما أكثر روايات الهجرة إلى الخليج والجزيرة، حيث تحولت وفرة الثروة التي جلبها النفط إلى غواية تغوي المضطرين بالهجرة. وما أكثر الأدباء والأديبات الذين كتبوا هذا النوع من الروايات: عبدالرحمن منيف، حنان الشيخ، جمال الغيطاني، إبراهيم عبدالمجيد، محمد عبدالسلام العمري، طالب الرفاعي، محمد المنسي قنديل، ومحمد التونجي، وغيرهم عشرات من الأسماء التي أضيف إليها هذه المرة اسم رواية ناصر عراق ‘من فرط الغرام’. أما إذا كان يقصد أنها أول رواية ترصد ما يحدث من أحقاد وحزازات وصراعات بين بعض رجال الإعلام والصحافة ( الثقافية هنا)، أو الكشف عن ‘كواليس صاحبة الجلالة’ على حد تعبيره، فهذا أمر لا نختلف عليه. وقد كان المؤلف موضوعياً وواقعياً في رصده لهذه الظاهرة السلبية، خاصة حينما وصف بعض العاملين العرب بمجلة ‘نور مكان ‘بروح التسلط والانتهازية، وأنهم هم من يشعلون فتيل الفتنة والتصادم. وكأنني به يعني هنا أن هؤلاء المثقفين العرب الذين جمعهم العمل في هذه المجلة، أخطأوا الطريق الصحيح إلى العدو الحقيقي، وسقطوا في براثن صراعات شخصية على شؤون يومية تافهة. أو كما يقول د.
جابر عصفور بحق: ‘إن ما نسميه العروبة شعور رقيق هش، ينكسر، دائماً، نتيجة أي عاصفة تهب عليه كالتحدي أو اللعبة القدرية، وأنه بقدر ما يجتمع المقموعون جنباً إلى جنب، حماية للذات، فإن هذه الحماية قد تسرف في الذاتية، فندخل المدار المغلق للمقموعين القامعين، أو المقتولين القتلة الذين يعكسون القمع الواقع عليهم على غيرهم من ضحايا القمع نفسه، فندخل في دائرة الأخوة الأعداء’. ( نادي القصة اليمنية، عنوان موقعه على الإنترنيت: www.elmqh.net ) وفيما يتصل بالرأي الثاني الذي أورده الفنان عز الدين نجيب، فهو رأي أغفل صاحبه سياق الأحداث وملابساتها المتصلة بشخصية الصحافي السوري رضوان لؤلؤة. فالواقع أن منطق الأحداث كان يؤدي حتماً إلى أن يقوم هو بفعل القتل وليس العراقي علي الموسوي، ذلك أن الذي كان يعاني من مضايقات وإهانات وتقريع وتعنيف من لدن رئيسه المباشر مشعل خداش هو السوري رضوان لؤلؤة. ( انظر ص: 56 وما بعدها، وانظر كذلك ص: 72 مثالاً لا حصراً). ثم إن السارد العليم يقدم لنا شخصية هذا الأخير على أنه إنسان حالم مرهف الإحساس، متشبع بقيم النبل والعزة والكرامة التي تسربت إلى نفسه من خلال قراءاته في التراث الثقافي العربي باعتباره أستاذاً للغة العربية، كما أنه وهو الإنسان الحاد الإحساس المعتز بكرامته يتعرض في بلده للصفع من قبل شرطي مرور يصغره سناً في الشارع العام من دون أي موجب قانوني، هذا فضلا عن الصدود والجفاء اللذين قابلته به حبيبته حنان بعد سنوات من العشق العنيف، وزواجها مباشرة من شخص ثري يكبرها سناً. كل هذا وغيره كان قميناً بجعله هو المؤهل أكثر من غيره ليقوم برد الفعل العنيف الذي جاء طبيعياً حسب مجرى الأحداث وطبيعة الشخصية. أما بالنسبة للرأي الثالث الذي ساقه عمر شهريار في مداخلته بمناسبة حفل التوقيع المشار إليه أسفله، فأرى أن السارد قصد إلى ذلك قصداً ليوحي إلينا أن أميرة يوسف لم يملأ حياتها أي رجل سوى سامح عبد الرحمن وذكريات زمن الأحلام الوردية. ‘إنه رجل حياتها بامتياز'( ص: 96) رغم فراقهما لمدة ربع قرن. إنه تركه على هامش الأحداث إشارة إلى أنه على هامش حياة أميرة. فهي ‘لا تتحدث عن زوجها إلا نادراً، ولا تطلق عليه إلا اسمه مجردا ًمن دون ( زوجي)!’ ( ص: 96). ويمكن القول هنا، إن نقد الشاعر حلمي سالم ما ورد في مداخلة إحدى المشاِركات ( هويدا صالح) في الورشة التي نظمت لدراسة الرواية بتلك الطريقة التي تفتقر إلى الموضوعية واللياقة، لتدخل في إطار تلك الصراعات الجانبية بين فئة المثقفين التي رصدتها الرواية، مبتعدين عن النقاش الجاد، والنقد البناء الموضوعي، وتبادل الآراء لإثراء معرفتنا بما يجد من أعمال من مختلف الأجناس الأدبية. وقد كان الروائي حاضراً في الورشة المذكورة، وفي ختامها تحدث في كلمة مركزة، رد فيها على ما قيل في العروض المقدمة حول روايته بلباقة، قائلاً ‘لقد أقمت في الخليج عشرة أعوام، رأيت وتأملت وانفعلت، فكتبت. فإذا وجد القارئ متعة عند قراءته للرواية، فأنا أشكره، وإذا لم يستمتع فأنا أعتذر’. والحقيقة أن رواية ‘من فرط الغرام’ إدانة مرة للواقع البائس المعقد الذي ( يعيش) فيه الإنسان المعاصر عربياً وعالمياً.
كاتب من المغرب