الهدايا لا تكفي

حجم الخط
0

تسفي برئيل ‘ليستحوا. حان الوقت أن ندعهم وشأنهم، ليعملوا بحسب ترتيب أفضلياتهم ويعايشوا آثار ذلك’- هكذا أوصى توماس فريدمان، محلل صحيفة ‘نيويورك تايمز’ العظيم التأثير، في مقالة نشرها في الاسبوع الماضي. وفي مقالة يتوجها فريدمان بالعنوان التشخيصي ‘وقف تزويدهم بالكراك’، يقترح فريدمان وقف منح اسرائيل والفلسطينيين مساعدة وهدايا لاقناعهم في أن يُحادث بعضهم بعضا. يستطيع فريدمان ان يطمئن في هذه الاثناء، فلا هدايا ولا محادثات. فقد عادت مسيرة السلام الى وضعها الطبيعي، السكتة القلبية.

ومع ذلك كله، وقع خطأ كبير في الوصفة الطبية التي يقترحها فريدمان. فالوقف في الحال لتزويد المدمن بالمخدرات يُسبب ‘كريزا’، اذا لم يكن مصحوبا بعلاج فطام منظم. وبخاصة اذا كان الحديث عن زبون دلله من يزوده عشرات السنين، ولم يُبين له أخطار الاحتلال، وعامله مثل طفل يجوز له فعل كل شيء، وابتسم في حرج فقط عندما ركل زبونه كل اقتراح أو وثيقة أو مبادرة. بيد أن ‘الكريزا’ التي ستحدث ستعرض الولايات المتحدة خاصة للخطر. إن السلام بين اسرائيل والفلسطينيين هو في الحق مصلحة اسرائيلية وفلسطينية، لكن استمرار الصراع الاسرائيلي العربي، الذي قلبه في فلسطين، هو تهديد للمصالح الامريكية لا يقل عن الحرب في افغانستان، ومكافحة حصول ايران على القدرة الذرية أو مستقبل العراق ولبنان. إن حل الواحد لا يضمن حل الاخرى لكن لها قاسما مشتركا واحدا هو ان الولايات المتحدة مشاركة فيها حتى العنق، وكلها يُعرِّف مكانتها في العالم وقدرتها بكونها قوة عظمى على دفع دول في الاتجاه الذي تريده. الولايات المتحدة تُجري منافسة خفية لروسيا والصين في التأثير، والصراعات هي حلبة ممتازة لهذه المنافسة.

تعلمت واشنطن منذ زمن ان المساعدة الخارجية، مثل العقوبات ايضا، ليست ضمانا للطاعة السياسية. فايران فُرضت عليها عقوبات نحوا من ثلاثين سنة، وكان العراق تحت عقوبات اثنتي عشرة سنة، لم توفر الحاجة الى الحرب، والمساعدة العسكرية السخية لباكستان لم تجعلها مُحبة للولايات المتحدة، والمليارات المُنفقة على افغانستان لم تجعلها ديمقراطية غربية. كذلك مساعدة لبنان لم تجعله أكثر أمنا واستقرارا.

إن التخلي عن الصراعات، كما يقترح فريدمان، هو جزء من التجربة المأساوية التي جمعتها الولايات المتحدة. بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي من افغانستان نسيت الولايات المتحدة وجودها وتركت طالبان تحتلها. وبعد المحاولة القصيرة الفتاكة في الصومال انسحبت قواتها وتسيطر على هذه الدولة اليوم عصابات مسلحة متطرفة تنشر الارهاب. إن مقاطعة سورية ومعاملة الولايات المتحدة الرِخوة للبنان ساعدتا ايران على التمسك بهاتين الدولتين. اعتمد السلام بين اسرائيل ومصر في الحقيقة على رزمة مساعدة ضخمة لهاتين الدولتين، لكنه من غير الجدوى الاستراتيجية لهما يُشك كان في توقيعه. حظيت الولايات المتحدة ايضا مقابل هذا الاتفاق الذي اصبح حجر الزاوية في التصور الأمني لمصر واسرائيل، بمنزلة لا نظير لها في الشرق الاوسط هي منزلة وسيطة لا ينجح أمر من غيرها.

يقترح فريدمان التخلي عن هذه المنزلة. يجب عليه أن يعلم انه عندما يختفي تاجر ‘كراك’ يأتي آخر كان ينتظر الفرصة. عندما يحتضر الجهد الامريكي، تعترف دول في امريكا اللاتينية بالدولة الفلسطينية، وتعرض دول اوروبا على الفلسطينيين اعترافا كهذا، ويحث زعماء سابقون في اوروبا الاتحاد الاوروبي على فرض قطيعة على اسرائيل. إن قرار مجلس النواب على أمر الادارة بفرض الفيتو في الامم المتحدة على اعتراف بالدولة الفلسطينية قد يسر القلب الاسرائيلي لكنه قد يضع الولايات المتحدة في مسار مجابهة مع اوروبا وربما مع روسيا والصين ايضا.

إن المشاركة الامريكية الكثيفة الثخينة، والضغط الذي لا ينقطع لا العقوبات ولا الهدايا بل سلوك القوة العظمى الذي يعرف ان مصالحها في خطر، هو الامر الامريكي الضروري الآن. لا تجميد للاستيطان مدة ثلاثة اشهر بل خطة سياسية شاملة. ولا مسرح دُمى تستضيف فيه على حساب ايهود باراك أو نتنياهو كي يفهما الرمز بل تقديم الاعتراف الامريكي بدولة فلسطينية قُدما. إن الشعار الذي يقول ان الولايات المتحدة لا تستطيع أن تريد السلام أكثر من الطرفين كاذب ببساطة. فالولايات المتحدة مُحتاجة الى السلام أكثر من الطرفين.

هآرتس 19/12/2010

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية