الوضع العربي والصراع الأمريكي ـ الإيراني أي معنى وأي أفق؟

حجم الخط
0

عبد الله المساوي لا يتناطح عنزان على أن المنطقة العربية كما كنا نعرفها قبل الحادي عشر من ايلول/سبتمبر لم تعد كما كانت. وهي لن تكون شرقا أوسطا ‘جديدا’ أو ‘كبيرا’ كما خطط له دهاقنة البيت الأبيض آنذاك وعلى رأسهم بوش، رايس، ورامسفيلد… وبالموازاة مع ذلك لن يكون هذا الشرق الأوسط ‘إسلاميا كبيرا’ كما كان يردد بعض كبار رجالات الثورة الإسلامية في إيران، ولا نشك إن الخطر العظيم الذي يتربص بأمة العرب هو التفاهمات التي ستأتي على الأخضر واليابس، بعد فشل تحقيق مقولة صمويل هنتنغتون ‘تصادم الحضارات’. تفاهمات كما يتراءى لنا على مشروع بألوان جديدة هذه المرة من أجل تحقيق ‘الصدام داخل الحضارات’ نفسها، بطريقة أخرى وبجلاء إن مشروع تفتيت الدول العربية على ما يبدو سيبدأ من الآن فصاعدا! سيعتبر بعض القراء أن هذا ضرب من الغيب، لكن أغلب المؤشرات تدل على أن شيئا ما يطبخ لأمة العرب… يعرف القاصي والداني أن طرفي الصراع الرئيسيين الآن بالشرق الأوسط هما إيران والأمريكان، ومن يدور في فلكيهما ليسوا سوى بيادق يتم تنويعها عندما تقتضي المناورات ذلك، فطالما أن ‘الاقتراب غير المباشر’ هو قاعدة أساسية بين الطرفين، فان حربا مباشرة لن تكون وبالتالي سيبقى الوضع على ما هو عليه بين مد وجزر من أجل تحقيق الأهداف غير المعلنة.

يعلم الجميع أن لكل حرب فلسفتها التي تنظر للأهداف سواء منها البعيدة أو القريبة المدى. والحرب في حد ذاتها، كما يقول الفيلسوف نيتشه الألماني، أداة لـ ‘إرادة القوة’، والأمريكيون بدون شك خبروا هذه المقولة فقد سخروا ماكينة إعلامهم الضخمة ومعاهدهم الإستراتيجية الكبرى للتبرير والترويج على أنهم يخوضون حربا ‘عادلة’ تجمع بين ما هو سياسي وأخلاقي ولنا في أفغانستان والعراق عبرة، وبالمقابل فالإيرانيون مافتئوا منذ استدراج الأمريكيين إلى الوحل العراقي يعلنون عن انجازاتهم العلمية في جميع المجالات وبحكمة بالغة استغلوا جموح ساسة البيت الأبيض حينذاك وأخرجوا ‘الجني والقمقم’ أي ملفي الطاقتين ‘الاندماجية والنووية’ من عقاليهما، ومن ثمة التأسيس لمشروعهم الاستراتيجي، والتوقيت هنا، فقط للتذكير، يعد مهما، فعلى مدار عدة سنوات عملت الدبلوماسية الإيرانية على الهاء العالم ودفع الشبهات عنها فما دامت ينابيع /البترول آمنة و’نار فارس النووية’ بعيدة عنها فذلك لن يفسد للود قضية، خصوصا أن المنطقة ترقد على صفيح ساخن فأية شرارة قد تأتي على كل شيء، فالبترول يمثل عصب الاقتصاد العالمي. وتبقى الحرب ‘غير المباشرة’ أو ما يصطلح عليها بـ ‘الحرب بالوكالة’ هي التي يسري مفعولها حاليا، فبإلقائنا نظرة فاحصة للعديد من الأحداث يتبين لنا أن سياسة وحرب ‘الاقتراب غير المباشر’ قد بدأتا منذ مدة طويلة، أليس لإيران أتباع في العراق؟ بأفغانستان؟ فلسطين؟ لبنان؟ اليمن؟ باكستان؟ دول الخليج؟ دول المغرب العربي؟ ‘الحديقة الخلفية للبيت الأبيض الأمريكي؟

إيران ترتب أوراقها حسب مصالحها وحسب ما يقتضيه مشروعها الاستراتيجي معتمدة أساليب: فن المناورة والتضليل وفن الخداع والمفاجأة والغموض… وهي نفس الأساليب التي تستعملها أمريكا. حرب إيران الدبلوماسية تدار ببراعة منقطعة النظير. فلا يكاد يمر يوم حتى تسمع إعلانات عن اختراعات وانتاجات لأسلحة جديدة لترعب بها أعداءها… نعم لقد انتهت تقريبا حرب ايران مع أمريكا! وفرض الايرانيون أجندتهم كقوة إقليمية وبذلك جابهوا على طريقتهم مشروع ‘صدام الحضارات’ غير أن السؤال الجامع المانع الذي يؤرق الكثير من المتتبعين هو: هل لإيران دور في المشروع الجديد ‘الصراع داخل الحضارات’؟ الحقيقة، إن معاهد الغرب ومراكزهم الإستراتيجية بدأت في الآونة الأخيرة توجه بوصلتها نحو الاستثمار في بلداننا، خصوصا في بناه التحتية الاجتماعية وذلك عبر إثارة الفتن والاحتراب الطائفي والعرقي والحزبي والديني، سياسة التفتيت الممنهج وتجزيء المجزأ، أو سياسة ‘فرق تسد’ التي تتجلى لنا بوضوح في اليمن، لبنان، الصومال، باكستان، أفغانستان، العراق، والحبل على الجرار.. في اعتقادنا، إن من يجيد لعبة الشطرنج يعرف جيدا أن قواعدها مرتبطة بعوامل مهمة: الوقت، الهدوء، وبعد النظر، قواسم مشتركة تساهم في إبقاء الوضع على ما هو عليه وإلى إشعار آخر، وستبقى الدبلوماسية السرية بين الأمريكيين والإيرانيين صمام الأمان بحيث يبقى ‘الاقتراب غير المباشر’ يتحكم في علاقة الجانبين وبالتالي يذهب كل واحد منهما إلى حشد تأثيره، وعقد تحالفاته، وتنويع بيادقه.

أما نحن أمة العرب! وفي انتظار حدث طارئ… علينا تنظيم فترات تكوينية في الشطرنج السياسي لفائدة أطر الجامعة العربية، وبعض دبلوماسيينا حتى يتمكنوا من مقارعة ما هو آت، ويتوقف بالتالي، ولو مؤقتا، الغباء عن البكاء من غبائنا.’ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية