بعد نهاية الحرب الباردة تبنى المفكرون الغربيون قناعة مفادها، أن الايديولوجية السياسية قد انتهت. وأن معيار الحكم على أي دولة يتوقف على مدى تبنيها لمبادئ الليبرالية. واذا أردنا أن نسقط هذه القناعة الفكرية على الشروط اللازمة لانضمام تركيا للاتحاد الاوروبي، لادركنا عدم صدقيتها. فهي منذ تأسيسها تستند الى العلمانية منهجا ودستورا، وتعتمد في تشريعاتها الداخلية على القوانين الاوروبية، كالقانون المدني السويسري، والجنائي الايطالي، والتجاري الالماني، وتتبنى التعددية السياسية منذ عام 1946، وتطبق سياسات الاقتصاد الحر منذ مجيء رئيسها الأسبق ‘ تورجوت اوزال’ في عام 1983، وتربطها بالاتحاد حاليا اتفاقية الاتحاد الجمركي، كما انها تعتبر سابع شريك تجاري له. أما على المستوى الخارجي فهي عضو في حلف الناتو حيث ساهمت في التصدي للمد الشيوعي خلال الحرب الباردة، وهي من الناحية الاستراتيجية تعد دولة المفتاح في منطقة الشرق الاوسط، ومع ذلك لم تحظ بعضوية الاتحاد الى يومنا هذا. في حين العديد من دول اوروبا الشرقية التي كانت حليفة للاتحاد السوفييتي في أثناء الحرب الباردة انضمت إليه بعد ما توفرت فيها شروط العضوية – المتوفرة في تركيا- كالديمقراطية، وسيادة القانون، وحقوق الانسان، واحترام حقوق الأقليات وحمايتها، فدول الاتحاد كانت ترى أن التزاما بهذه الشروط تعد ضرورة لضمان الاستقرار والأمن في اوروبا، وهي ترى أيضا بأنها تتقاسم مع تلك الدول نتاج الحضارتين اليونانية والرومانية ومن ثم المسيحية، وبذلك يعمل على صياغة ايديولوجية دينية، تقصر الانضمام له الى دول اوروبا المسيحية فقط.
وعليه ينظر الى كل ما هو اوروبي غير مسيحي على أنه ‘ آخر’، لا يعترف به ولا يتعامل معه الا كموضوع له، يمارس عليه هيمنته الاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد ساهمت نهاية الحرب الباردة بصياغة تلك الايديولوجية، وذلك حينما تبنى الغرب بشكل عام، والاوربي بشكل خاص، خطابا ثقافيا استعدائيا، وبما أن اوروبا جزء من الغرب المسيحي فقد تبنى اتحادها ذلك الخطاب. فالاتحاد ينظر الى انتشار الاسلام في دوله، حيث وصل عدد مسلمي دول الاتحاد لأكثر من خمسة عشر مليونا، وهذا العدد مرشح للتزايد في السنوات القادمة، وذلك مرده لارتفاع معدلات المواليد المسلمين في اوروبا مقارنة بالمواطنين الاوروبيين، فضلا عن استمرار الهجرة في صفوف المسلمين الى اوروبا، وفي حال انضمام تركيا اليه سنضيف للعدد السالف والمرشح للتزايد سبعين مليون تركي، وسيشجع اكتسابها- على فرض- عضوية الاتحاد، الدول الاوروبية الاسلامية في البلقان (البانيا، كوسوفو، البوسنة والهرسك)، لاكتسابها أيضا، الخطر القادم الذي سيهدد مستقبل الحضارة الغربية. فالاتحاد لا يرى في ثقافة مواطنيه المسلمين، والدول الاوروبية المسلمة المرشحة لانضمامه، ثقافة من الممكن التعايش معها وان اختلف معها، بل يرى فيها تهديدا لوجوده، فهي في مدركه ثقافة مهددة للامن والاستقرار في اوروبا، وهذا ما عبر عنه الاعلام الغربي حينما تبنى مقاربة غير منطقية بين المسجد والبندقية الرشاشة، ويرى في مسلمي اوروبا قنبلة موقوتة. أما على المستوى السياسي فقد كانت المانيا في طليعة الدول الاوروبية التي صرحت على الملأ بتبنيها ذلك الخطاب الثقافي، حينما وصف مستشارها الأسبق هلمت كول الاتحاد بأنه ناد مسيحي، وتشاطرها فرنسا نفس الموقف وان كان بنسب مختلفة، لذلك تسعيان، لجعل الاتحاد بالفعل ناديا مسيحيا بكل تنويعاته المذهبية الكاثوليكية والبروتستاتية والسلافية واللاتينية والارثذوكسية، فهو اتحاد مفتوح العضوية على الهوية المسيحية الاوروبية، ومغلق على ما عداها من الهويات.
خلاصة القول ان اتحادا تحكم عضويته ايديولوجية دينية، وقبول عضو من عدمه يتوقف على مدى تماهيه معها، لا تدع مجالا للشك ان انضمام أية هوية أخرى غير المسيحية وأن كانت اوروبية الجغرافيا ستكون صعبة إن لم تكن مستحيلة. فالايديولوجية مازالت تفعل فعلها في عالم السياسة، وليس صحيحا انها انتهت بنهاية الحرب الباردة، فهي تجدد نفسها من اقتصادية الى اجتماعية الى دينية. معمر فيصل خولي