د. عادل البياتي تابع العالم باعجاب وتأثر شديدين عملية الانقاذ الملحمية التي انتهت بنجاح مع خروج اخر العمال الـ33، الذين كانوا محتجزين في منجم تحت الارض لاكثر من شهرين. الافراح والاحتفالات عمت جميع انحاء تشيلي، والناجون تحولوا الى نجوم. الامين العام للامم المتحدة بان كي مون اشاد بعملية الانقاذ واصفا اياها بأنها ‘انتصار خارق للنبوغ الانساني’. لمدة شهرين متتالين استطاعت دولة تشيلي ان تشد انظار العالم اليها، وتابع اكثر من مليار انسان حول العالم عملية انقاذهم التي كلفت نحو عشرين مليون دولار، ولعل العملية في هالتها وتأثيرها تنافس هالة نهائيات كأس العالم او انتخاب ملكة جمال العالم.
كان الانسان هو سيد الموقف، واحترام آدمية وقيمة الانسان هو المعنى الاكبر، وكانت الشهادة للاعلام، فثمة ما يدعو الى التأكد اكثر فاكثر من اهمية هذه الصورة المتحولة راهنا في الاعلام نحو تغطية قضايا حقوق الانسان الفردية، وتغطية كل ما يعتقده ويحسه الانسان المعاصر اليوم من اوجه التشابه او التماثل بالحالات العامة. التكنولوجيا المتقدمة التي جلبتها الحكومة التشيلية الى مكان الانقاذ، والاداء الهارموني الرائع للدولة والرئيس والحكومة والشعب، جعل تشيلي تترك مكانها بين الدول المتخلفة لتنضوي في ركاب الدول الصناعية المتقدمة. يوم 5/8/2010 كان يوما كارثيا لمجموعة من عمال المناجم عندما انهارت مسالك المنجم المستخدمة في الدخول والخروج، 33 عائلة سمعت بالخبر وعلمت بأن ذويها علقوا تحت الارض على عمق 700م، انهاروا وتحطمت آمالهم. اطفال يبكون اباءهم ونساء يصرخن ازواجهن، وامهات رفعن ايديهن طلبا للعون من رب السماء لانقاذ هؤلاء العمال والذين بعمل سواعدهم تبنى اممهم.33 روحا جمعت شعب تشيلي بكل طوائفه وقومياته وألوانه، ومن ورائهم العالم كله، وكانت اكبر عملية دراماتيكية في التاريخ الحاضر، هذه الحادثة جعلت من الشعب التشيلي بكل مكوناته متكاتفا مع حكومته وكان الرئيس حاضرا موجودا في الموقع، ليس ببدلة الرئيس بل ببدلة العمال، وعاش مع الحضور عملية الانقاذ لحظة بلحظة ومعه زوجته، تناسى الشعب خصوماته ومواقفه تجاه الحكومة والدولة، في تلاحم مصيري صنعته المحنة، ولم تصنعه السياسة ولا حبائل السياسيين، تصرف الرئيس التشيلي بحكمة وعقل، وأمر بان لا تدخر الدولة جهدا الا ويبذل من اجل انقاذ (33) عاملا بسيطا من عمال المناجم، بغض النظر عن مهنتهم او عملهم او بساطتهم، فالعظمة هي لقيمة (الانسان)، وخاطب الشعب ودول العالم كلها بأن يسعوا لمساعدة تشيلي لانقاذ هذه الارواح التي تعمل من اجل تقدم الانسانية. وعلى الرغم من ان عملية الانقاذ استمرت يومين طويلين الا انها لم تكن هي مدة الانقاذ، وانما سبقتها فترة من التحضير والعمل الشاق من اجل الاعداد لاصعب عملية انقاذ في العالم واشهرها، وسجلت فيها حكومة تشيلي اوسع جولة من الاتصالات في العالم امتدت شرقا وغربا، واتسعت حتى وصلت الى خبراء البحر والجو ووكالة الفضاء ناسا، من اجل الوصول الآمن الى المواطن التشيلي المحتجز في قعر الارض، ودرست فيها عمليات الانتشال بدقة، ولم تغفل دولة تشيلي حتى عن تزويد الكبسولة بكل وسائل الرفاه والامان حفاظا على ارواح مواطنيها، وصرفت من اجل ذلك الاموال الطائلة، فقد كانت حياة هؤلاء العمال بالنسبة للرئيس التشيلي وكأنها مسألة حياة او موت بالنسبة له ولحكومته، وكان له ما اراد، وتم الانقاذ، وفرح الشعب التشيلي بانقاذ مواطنيه، ومعهم فرح العالم اجمع بذلك الفرح. الاعلام.. البطل الاخر!
كلنا او معظمنا تسمرنا امام سحر الاعلام، وهو ينقل عملية انقاذ العمال الـ33 وكيف تم سحبهم واحدا تلو الاخر من عمق 700م، من دون ان يتقاتلوا في ما بينهم من سيكون الاول، وكان اخر المغادرين رئيس المجموعة في العمل وعملية الانقاذ استغرقت 33 ساعة لكون مسافة السبعمائة متر احتاجت الى ساعة واحدة كاملة للمضي من خلالها بواسطة الكبسولة المنقذة لشخص واحد في كل مرة. انتهت عملية الانقاذ والثلاثة والثلاثون عاملا الذين عاشوا 70 يوما تحت الارض خرجوا احياء.. هذا هو الانسان.. يبقى ذلك الضمير المؤسسي. وهذه هي رسالة الاعلام. فعالم من دون اعلام لا يساوي شيئا، وعالم من دون انسان لا يساوي شيئا. هذا ما هو العالم عليه اليوم، اما نحن فآخر ما نعترف به (قيمة الانسان)، في اجواء محمومة مليئة بدخان الحروب والصراعات التافهة، والتناحر على السلطة، والعبث السياسي، والمجون الحزبي. البطل الحقيقي الاخر في عملية تشيلي هو ‘الاعلام’، الذي جعل مليارا من البشر يتسمرون امام شاشات الاعلام يتابعون المعجزة الانسانية الجديدة بكل ابعادها وتفاصيلها ومعانيها، واثبت ان العالم تحول فعلا الى قرية صغيرة، رغم ان هناك من لازال لا يفهم جوهر رسالة الاعلام، وامتداد رسالته لتطال قضايا تمس حقوق الانسان بالحياة والحرية اكثر فاكثر وخارج اطار الوحدات الجغرافية والسياسية في العالم كله. كان التميز الواضح لفن الاخراج الاعلامي الرائع والجميل، واثبات حقيقة ان لا معنى لشيء في الاعلام خارج اطار تلك الملحمة الوجودية والكرامة الانسانية. من ينقذ المقهورين من منجم القهر؟
من حق المواطن، سواء في العراق ام في بلاد العروبة ان يتساءل: لماذا تكون للانسان هذه القيمة كلها في كل مكان الا في الدول العربية؟ تشيلي ليست الولايات المتحدة ولا بريطانيا ولا فرنسا ولا المانيا ولا اليابان، انها دولة من دول العالم الثالث، اي انها مثلنا، لكنها تتقدم علينا بعشرات السنين باتباعها طريق الديمقراطية الحقيقية القائمة على احترام قيمة الانسان، فنحن مازلنا في نفق عميق محجوزين بلا انقاذ، ولا احد يعمل لاخراجنا من هذا النفق الهالك، وحقوقنا تضيع وسرداب الذل والقهر يتسع، وبتنا بحاجة الى (معجزة إلهية) ليست من صنع البشر! هذا ما نحن عليه في العراق خاصة، والمنطقة عامة، فيا ترى من ينقذنا نحن العراقيين ونحن العرب من جحيم منجم السياسة الرعناء، التي لا تعترف بحق للانسان قدر اعترافها بمصالح الكبار النافذين، واساطين السلطة، وقادة ميليشيات الموت، وليذهب الوطن والشعب الى الجحيم!
عيني وعقلي وقلبي صوب منجم تشيلي وشعب تشيلي وحكومة تشيلي واسأل الله ان يأتينا ـ نحن العراقيين ـ في صباح يوم قادم بثلاثة وثلاثين ملاكا تساعدنا لنستنسخ روعة تشيلي واهلها ويرفع الشعب العراقي اجمعه اياديه نحو السماء سائلين الله وموحدين السؤال ان يرفع الغمة عن هذا البلد، وعن هذه الامة. فما يجري اليوم على ارض الرافدين من جانب القوى السياسية المتصارعة على الكرسي الاول، والتي سمحت وتسمح لنفسها بممارسة كافة الاساليب، الاخلاقية واللااخلاقية، لتحقيق غاياتها الذاتية. فرفاق الامس القريب في ما تسمى بالمعارضة، الذين كانوا متجمعين في المنافى لمقارعة النظام الدكتاتوري كما يدعون، باتوا اليوم اكثر دكتاتورية ودموية وعنفا، يخوضون اليوم حربا سياسية واعلامية لا هوادة فيها والضحية الدائم هو الشعب.
اعتقد ان المواطن العربي فقط، والعراقي بالذات، من دون شعوب الارض، بقي حزينا امام تلك الصور الانسانية الخالدة لصور الانقاذ، لان صورة النفق المظلم الذي دخل فيه اهل العراق، ونساء العراق، واطفال العراق، وأيتام العراق وارامله، وشهداؤه، ومظلوموه، وصورة اطنان المتفجرات التي تسهم كل يوم في قتل من بقي من اهل العراق، صورة لاعلاقة لها ابدا بمن حوصر بانفاق المنجم المنهار في تشيلي، ولكنها كانت صورا لم تغب ابدا عن ناظر المواطن العراقي، الذي تذكر من خلال صور تشيلي صورة الحاكم التشيلي الذي لم ينم من اجل انقاذ المحتجزين تحت عمق مئات الامتار، وقارنها بصورة من يحكمه اليوم ومن يتحكم بأمره اليوم، من قادة احزاب وميليشيات وكتل لا يهمهم من امر الشعب شيئا، تسري بينهم قوانين الغاب رغم ادعائهم حكم القانون ودولة القانون، ويتخذون لاحزابهم اسماء ديمقراطية وتحررية، ويتمشدقون بحقوق الانسان! لكنه يفترس شعبه المحكوم بقوانين الاستعباد المتعددة الاسماء. ‘ كاتب عراقي