د. عبد الوهاب الافندي(1) أكثر ما يثير التساؤل لدى المراقب في السجال الدائر حول المطالب الإسرائيلية بالاعتراف بالهوية اليهودية الحصرية للدولة الإسرائيلية هو أن هذه المطالب تم التوجه بها إلى الفلسطينيين، أصحاب الأرض، والطرف الأكثر تضرراً من مثل هذ الاعتراف. فلماذا يسعى الساسة الإسرائيليون إلى طلب مباركة الضحية ويلحون أشد الإلحاح على ذلك؟(2)كما كان الحال في دولة الفصل العنصري المندثرة في جنوب افريقيا، فإن إسرائيل ظلت منذ نشأتها تتصرف على أنها دولة لليهود فقط. فاليهودي هو الوحيد الذي يتمتع فيها بحق المواطنة الكاملة، حتى وإن كان مهاجراً طارئاً مثل أفيغدور ليبرمان القادم من روسيا ليصبح وزير خارجية الدولة، بينما الفلسطيني صاحب الأرض محروم من مجرد بناء سقف يستظل به على أرضه الموروثة أباً عن جد. فما الذي جد لتطلب إسرائيل ثانية الاعتراف بها؟ أليس الاعتراف الذي تبرعت به منظمة التحرير الفلسطينية وقبل ذلك مصر ومن تبعها من دول العرب، بشرعية الوجود الإسرائيلي هو في حقيقته اعتراف بيهودية الدولة العبرية، كما ألمح لذلك الرئيس الفلسطيني أبو مازن؟(3)السؤال في هذه الحالة ليس هو: لماذا تتبرع القيادات العربية والفلسطينية بالاعترافات، إما مبادرة او تحت الضغط والإكراه؟ فهذه حالة تستدعي التأمل، ولكن وجود المتسابقين على تقبيل أحذية الغزاة هو ظاهرة معروفة في عالمنا وغيره منذ أيام المغول والعهد الاستعماري. ولكن السؤال هو: لماذا يصر الصهاينة على المطالبة بهذا ‘الاعتراف’ من الطرف المهزوم؟(4)من جهة، هناك اعتراف متضمن في هذه المطالبة بأن الفلسطينيين هم أصحاب الحق، وأنهم وحدهم القادرون على منح الشرعية لدعاوى الكيان الصهيوني بإقصائهم من وطنهم إلى الأبد. فقد كان هناك وعد بلفور، وقرارات عصبة الأمم وسلطة الانتداب، ثم قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمؤتمرات الدولية، واعترافات بعض الدول العربية، وحتى اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية، سقى الغمام قبرها. وقبل ذلك وبعده، كان الصهاينة يزعمون أن الله جل وعلا قد أقطعهم فلسطين بنفسه. ولكن قادتهم مع ذلك مما يشي بعدم ثقة كبيرة في هذا الزعم – يرون أن فلسطين لن تخلص لهم ما لم ‘يعترف’ الفلسطينيون بحيازتهم لها.(5)بنفس القدر فإن هذا يعني أن الفلسطينيين هم أيضاً القادرون على نزع الشرعية من الدولة العبرية ودعاواها. فمن الناحية النظرية على الأقل، فإن السلطان الأخلاقي في هذا المقام هو للضحايا وأصحاب الأرض، ولا تستطيع أي جهة أن تنتزعه منهم ما لم يتبرعوا به طائعين. ولكن هذا بدوره يتطلب أن يكون هذا ‘التبرع’ من قبل جهة تمثل الفلسطينيين حقاً، أي سلطة مشروعة يختارونها ويرتضونها، وليس جهة مهتمة بكسب الرأي العام الإسرائيلي والأمريكي منها باكتساب شرعية فلسطينية.(6)هذه المطالبة بمنح الشرعية تحت الابتزاز والتهديد تذكر بإصرار كثير من خلفاء المسلمين على مبايعة كل أهل الشأن من الأمة لهم على أنهم الحكام الشرعيون، مع تهديد من يرفض أو يتردد بالقمع أو القتل. ففي هذا اعتراف بأن الخلافة المزعومة لا تصح إلا برضا الأمة، مع تحايل على المبدأ وتلاعب بالإجراءات. ولا تقف المخادعة عند هذا الحد، بل تتجاوزها إلى مدىً آخر مخيف، حين يصر هؤلاء ‘الخلفاء’ (كما يفعل كثير من حكام اليوم) أن يدعى لهم على المنابر رغماً عن الداعين، كأن ما يمكن أن ينطلي على العباد من مخادعات شكلية يمكن أن ينطلي كذلك على رب العباد وعالم السر والجهر!(7)ليس العتب هنا على مرتكب هذه الخديعة التي لا تجوز على الخلق ولا على الخالق، وإنما الحق على من يشارك في هذا الإثم بشهادة الزور على نفسه، فيخسر الدنيا والآخرة. فلو لم يطمع المخادع في انصياع المخدوع خوفاً أو طمعاً لما تجرأ على مثل هذا المطلب المستغرب. وفي الغالب يبرر المشاركون في الإثم مسلكهم بتبريرات متنوعة، مثل: هذا أهون الشرين، وما إلى ذلك. ولكن الشر كله هو في هذه الخطوة الأولى: الاستعداد للتطوع بشهادة الزور بثمنها.(8)حين يشهد شاهد الزور على نفسه ويمنح الشرعية لمغتصب حقه، فإنه يكون قد حكم على نفسه بالموت المعنوي، وارتكب عمليته الانتحارية الأخيرة. وهذا ما يريده نتنياهو: أن ينتحر الفلسطينيون ويعلنوا بالفعل أنهم غير موجودين، تماماً كما كان الإسرائيليون يزعمون حتى عهد قريب بأنه لا وجود لشيء اسمه الشعب الفلسطيني.(9)في كل المواثيق الأممية الحديثة، وحتى في نص وعد بلفور، هناك حقوق للإنسان الفلسطيني وغير الفلسطيني، تنبع من مجرد إنسانيته. هذه المواثيق تضمن ألا تنزع منه حقوقه بالقوة وألا يطرد من وطنه، وألا يحقر ولا يهان في أرضه (أو في غيرها). ولا يجوز لأي سلطة كانت أن تنتزع منه هذه الحقوق. فإذا قال من يمثل فئة من البشر بملء فيه إنه يتنازل عن حقوقهم، فإنه يعلن أنه ومن خلفه لم يعودوا من البشر.(10)في ما يخص القضية الفلسطينية، فإن هذا هو جوهر المسألة. الإسرائيليون قد يزعمون أنهم أحق بفلسطين لأن الله تعالى أقطعهم إياها (رغم أن غالبيتهم لا تؤمن بالله ولا برسله)، أو لأنهم المعذبون في الأرض، إلخ. ولكنهم أقطعوا أنفسهم فلسطين تحت راية الغزو الاستعماري الذي كان منطقه أن الأوروبيين هم وحدهم البشر الذين يستحقون الحياة على هذا الكوكب. وهو نفس المنطق الذي جرت به الإبادة الجماعية للهنود الحمر، واستعباد الأفارقة وغيرهم.(11)لا أستطيع هنا مقاومة تكرار ما قلته من قبل أكثر من مرة: القضية الفلسطينية هي أعدل القضايا، ولكنها في يد أفشل المحامين. ولو أنصف أصحاب القضية أنفسهم فعليهم طرد هؤلاء المحامين الفاشلين وتعيين بدائل عنهم يكونون أكثر أهلاً للثقة وأقدر على أداء المهمة.