خالد النبوي يناضل على أرض صلاح الدين القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: لا شك أن السينما كانت أكثر جرأة من السياسة، حين كشفت عن الوجه القبيح للحرب الأمريكية على العراق في العديد من الأفلام التي ناقشت القضية من زاوية محايدة، بعيدا عن شروط التمويل الأجنبي التي فرضت في بعض التجارب، وجعلت من محاربة الإسلام فرض عين على كل أمريكي، هذه التجارب أو المحاولات لم تأبه بها الحركة النقدية، وتركتها تموت تلقائيا بفعل التجاهل والإهمال، أما ما يستحق الالتفات والتدقيق فتلك الأعمال الكبرى حاملة وجهة النظر التاريخية والمشاركة في عملية التنظير السياسي، وسجال الآراء الذي خلق حراكا ثقافيا وسينمائيا راقيا، لتتبين الحقيقة من الخيال ويقف جموع الناس على أصل المؤامرة الكبرى، سواء في ما يخص العراق أو غيره من دول المنطقة، وبالطبع كان الإرهاب هو محور الأحداث في كل الأفلام فقد أوعزت الإدارة الأمريكية في فترة حكم بوش الصغير بعد أحداث 11 ايلول/سبتمبر لشركات الانتاج العالمية بأن الشرق الأوسط هو الموطن الأصلي للإرهاب، وبالتالي جاءت معظم الأفلام عاكسة لهذا التصور، وهي اللعبة التي أراد بها دبليو بوش حشد الرأي العام في اتجاه الحرب، ولكن رغم ذلك فطنت بعض الشخصيات من كبار المثقفين إلى خطة الرئيس وأعملت عقولها في الاتجاه المضاد، فكان من نتاج ذلك فيلم المخرج الكبير مايكل مور ’11 سبتمبر’ الذي أعاد قراءة الحدث في ضوء معطيات جديدة وخفف من حدة العداء الغربي للعرب، وأعطى للعقل فرصة أن يلعب دورا في تحديد المسؤولية، وقد لاقت صيحة مور صدى واسعا في الشارع الأمريكي وبدأت حركة مناهضة جديدة تلوح في الأفق ضد الإدارة المستبدة، ربما جاء التعبير عنها واضحا في انضمام مخرجين آخرين لمايكل مور أبرزهم ميل جيبسون، المخرج والنجم الكبير الذي جاهر برأيه المعادي لسياسة بوش الابن، ورفضه الحرب على العراق في ما بعد، واعتبارها نوعا من البلطجة وانتقاصا من حقوق دولة ذات سيادة، وقد دفع جيبسون ثمناً لهذا الموقف، رغم دعاوى حرية الرأي والتعبير داخل امريكا، فأبسط الأضرار التي لحقت به تواري الأضواء عنه لفترة غير قصيرة وتحجيم توزيع أفلامه في عدد كبير من دول العالم، لاسيما فيلمه الأِشهر ‘آلام المسيح’، بيد أن هذا التضييق لم يزعج ميل جيبسون واستمر في معارضته للبيت الأبيض، قبل أن تنتقل السلطة للرئيس الجديد باراك أوباما، ونستطيع القول انه بفضل مور وجيبسون تصاعد تيار السينمائيين المعارضين بالولايات المتحدة، وأصبحت هناك كتلة قوية من المبدعين باتت تعيد النظر في إشكالية الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط وتفرض صيغة مختلفة للتعامل والحوار مع الدول ذات الحضارات، بل هناك من تجاوز المفهوم الى تعرية السياسة الأمريكية بالكامل وفضح ممارساتها في الفترة الماضية بالصوت والصورة، عبر أفلام تدين بشكل صريح العدوان على العراق، وتعتبره عملية انتحار جماعية للجيش الأمريكي، تسبب فيها رجل أرعن وكذاب، وهو المعنى المقصود به بوش من دون مواربة في فيلم ‘لعبة عادلة’ للمخرج دوج لمان، الذي عرض مؤخرا ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي السينمائي وشارك في بطولته النجم المصري خالد النبوي، مؤديا دور رجل عراقي عانى من ويلات الحرب وذاق مرارتها جراء كذبة كبرى اقترفها رئيس أكبر دولة في العالم وروج لها حتى صارت من فرط تكرارها في حكم الحقيقة، قبل أن تظهر الوثائق وتصير الفضيحة على الملأ، إذ لم تكن هناك أسلحة دمار شامل في حوزة العراق مثل التي تمتلكها إسرائيل وتغض أمريكا الطرف عنها تعاميا أو استثناء، الأمر الذي يثبت منطقية السينما في شهادتها المبكرة، حين أوضحت من خلال أفلام روائية وتسجيلية ان الهدف ليس أسلحة الدمار او تنقية المنطقة من السلاح النووي، وإنما الأطماع الأمريكية والسيطرة على حقول النفط العراقي ومحاولة إعادة الهيكلة السياسية وترسيم الحدود الجغرافية، هي مفردات الأجندة وملاح الهندسة البيانية في خطة بوش وتوني بلير وكوندوليزا رايس، ثلاثي الشر وأقطاب التآمر في معركة التدليس والخيانة ضد بغداد، لقد أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي مليارات الدولارات على انتاج أفلام لإقناع العالم بشرعية الحرب على العراق واستخدمت أرخص أساليب الدعاية لتشويه صورة صدام حسين ووصفه بالديكتاتورية والدموية، ولعل فيلم ‘عبور التراب’ كان نموذجاً لفجاجة السينما الممولة في تناولها لمثالب الرئيس العراقي السابق وفرضيتها بضرورة غزو العراق واحتلاله، وليس هذا هو الفيلم الوحيد، فما أطلق عليه اسم ‘الفجر’ أو ‘الفجر الجديد’ أو ما شابه كان أيضا فيلماًَ ممولا يهدف لذات الأبعاد ويلف ويدور حول القضية نفسها!
احتل الواقع الفلسطيني كذلك موقعه على خارطة السينما العميلة وظهرت أفلام أمريكية وأوروبية تعطي لإسرائيل الحق في الاحتلال، وليس هذا فحسب، وإنما تدين المقاومة الفلسطينية وتصفها بالإرهاب حتى باتت المقاومة والإرهاب في الذهنية الغربية مرادفين لمعنى واحد، لأن السينما الضالة والإعلام المزيف سبقا الحقيقة إلى عقل المشاهد، وثمة مغالطات أخرى كثيرة تسللت عبر الشريط الفضي فنالت من صحيح الدين والعقيدة وسخرت منهما وصورت الإسلام بشكل خاطئ على انه دين الشعوذة والخرافة، ورأت في المسلم شخصا أحمق ومتخبطا مستخدمة للدلالة عليه صورا نمطية للحية الكثة والجلباب القصير والعمامة في كثير من الأحيان، ولعلنا نذكر فيلم ‘الرحلة الكبرى’ الذي يناقش في سياق اجتماعي فريضة الحج وطبيعتها وما ترمز إليه، نفس الشيء بالنسبة لفيلم ‘ليلى تقول’، ذلك الذي يعرض نموذجا لفتاة تتحرر من القيود الاجتماعية والدينية وتعمل على إشباع رغباتها الأساسية بعيدا عن الكبت وأعراضه الجانبية، ويضع الفيلم الفتاة في مواجهة مع عناصر أخرى تربت في مناخ مختلف ليحسم الصراع في النهاية لصالح الحرية المطلقة!
تلك هي نوعيات السينما الغربية التي تمثل من وجهة نظر صناعها كاسحات ألغام تفجر قنابل الجهل المزروعة في حقول الشرق وتعيد حرث التربة من جديد، لزراعة ثقافة بديلة لجيل آخر يسهل التواصل معه، ومن هنا يتأكد لنا ان دائرة الإبداع أو الصناعة السينمائية وإن اتسع محيطها تصبح نتائجها في النهاية داخل خانة واحدة تختلط فيها السياسة بالثقافة بالدين أحيانا.