لندن ‘القدس العربي’: تحت جنح الظلام وفي الساعات الاولى من فجر الخميس انتهت العملية الامريكية في العراق، بدون صخب ولا احتفالات في شوارع بغداد، تلك العملية التي بدأت قبل سبعة اعوام بما عرف بالصدمة والترويع وعملية تحرير العراق التي انتهت في ساحة الفردوس في وسط العاصمة بغداد وتحطيم تمثال صدام حسين. هذه المرة اختار العراقيون عدم الخروج للشوارع بل اخذوا يفكرون في مصيرهم القادم، ويتكهنون بالمستقبل الغامض حتى الان، وليس غريبا ان يتركز هم العراقيين على الحالة الامنية والجمود السياسي واستمرار الجدل حول تشكيل الحكومة التي املت الادارة الامريكية بان يؤدي تشكيلها عقب انتخابات آذار (مارس) الماضي لتوفير الغطاء للخروج الذي تم قبل موعده باسبوعين، وفي تقييم للشارع العراقي لاحداث سنوات من العنف والقتل والحرب الطائفية يرى بعضهم ان الانجاز الوحيد للقوات الامريكية انها اطاحت بصدام حسين ولكن لم يتم تحقيق اي انجاز منذ ذلك الوقت. فيما قال اخرون انه كان على الامريكيين التريث قليلا قبل انهاء عملياتهم العسكرية لان الجيش منقسم طائفيا وعرقيا على نفسه والنخبة السياسية عاجزة والقاعدة عادت بقوة اكثر من اي وقت مضى. وبالنسبة للنخبة السياسية فخروج القوات الامريكية لا يقدم ولا يؤخر، فكعادتها قالت ان هذه القوات ومنذ اسابيع لم تكن تشارك في اتخاذ القرارات العسكرية وعليه فان وصول الفرقة الرابعة ‘سترايكر’ الى مرفأ الوصول في الصحراء الكويتية لن يغير من الامر شيئا. وقرأ الكثيرون في قرار ادارة باراك اوباما، التبكير في الخروج وانهاء عملية الحرية للعراق والتي اسمتها بفجر العراق ان الرابح الوحيد من كل المغامرة الامريكية في العراق هي ايران التي تتمتع بتأثير قوي على حكومة بغداد وتستخدم قوى مقاومة اخرى لتعزيز تسيدها الاقليمي. وفي تعليق ساخر قال روبرت فيسك ان الاحتلال الذي انطبع بالتعذيب والحرب الاهلية والفساد يبدأ عادة بجندي وينتهي بآخر. فاول جندي وصل لساحة الفردوس في بغداد عام كان ديفيد بريز من اللواء الرابع للمارينز، وكما نقل عنه سابقا انه لم يكن جنديا بل كان من مشاة البحرية الامريكية فالمارينز ليسوا جنودا. واللافت في قصة فيسك مع بريز انه عندما تحدث مع والدته من هاتف الصحافي البريطاني النقال اكد لها انه بخير وان الحرب ستنتهي في ايام يعود بعدها الى امريكا. هذا هو الانطباع لدى الجنود والامريكيين لكن القيادة الامريكية لم تستشر العراقيين ولم تفق على خطئها الا بعد ان بدأت العمليات الانتحارية وكانت اولاها تلك التي نفذتها امرأتان من الجيش العراقي على الطريق السريع لبغداد. ويعلق فيسك ان الجنود الذين قطعوا الحدود الى الكويت وبعضهم كان عمره 12 عاما عندما ارسل جورج بوش جيشه للعراق وان لوحوا بعلامة النصر الا ان هذه العلامات تخفي وراءها حقيقة اخرى وهي ان خلفوا وراءهم 50 الفا، ثلث الجيش المحتل الذي سيتعرض للهجمات وبالتأكيد سيضطر لمقاتلة المسلحين ومع الجنود والجنديات ترك الخارجون تحت جنح الظلام كل المغامرة الامريكية. وقرأ فيسك في بقاء الخمسين الف جندي في العراق ديمومة للاحتلال حيث يقول ‘صحيح انهم سيتواجدون هنا من اجل تدريب حاملي البنادق والمليشيات من الفئات العراقية الفقيرة الذين انضموا للجيش والذين لا يؤمن قادتهم ان الجيش اضعف من ان يواجه المخاطر الخارجية وحده قبل حلول 2020’. ومن مهام الخمسين الف جندي هو ان يدافعوا عن وجودهم والالاف من المسلحين المرتزقة غير المنضبطين، شرقيين وغربيين ممن يشقون طريقهم في شوارع العراق وهم يطلقون النار في الهواء من اجل ‘حماية الدبلوماسيين ورجال الاعمال المهمين’. ويعتقد فيسك ان اهم انجاز لملايين الامريكيين الذين مروا في العراق خلال الاعوام السبعة الماضية انهم جلبوا معهم للعراق ‘وباء’، الذي جاء من افغانستان التي بدأت الادارة الامريكية تهتم بها في هذا العام وستبدأ بسحب قواتها نهاية العام القادم ويسميه الكاتب ‘عدوى القاعدة’. واضافة الى هذا الداء جلب الامريكيون معهم داء الحرب الاهلية، وحقنوا العراق بجرعات من الفساد الذي تم على قاعدة واسعة، كما وضعوا ختم التعذيب على ابو غريب بعد ان وضعوه على قاعدة باغرام الافغانية والسجون السرية ‘السوداء’ و’طوفوا’ بحسب تعبيره الذي يعني اكدوا الانقسام الطائفي، مع ان الصداميين وبالرغم من قسوتهم حافظوا على الوحدة الطائفية بين السنة والشيعة. ويضيف ان الجنود الامريكيين اعطوا ايران الجائزة التي تنتظرها منذ حربها مع العراق في الفترة ما بين 1980 ـ 1988 خاصة ان الاطاحة بصدام حسين كانت تعني حكم الشيعة لهذه ‘الديمقراطية’ الجديدة.
واشار الكاتب لغرابة الواقع الجديد ان من ساعدوا في الهجوم على السفارة الامريكية في الكويت في الايام الغابرة ومن كانوا حلفاء لمفجري المارينز في بيروت عام 1983 يساعدون على ‘ادارة العراق اليوم’ في اشارة للاحزاب الشيعية التي جلبها الاحتلال معه. فحزب الدعوة الذي ينتمي اليه نوري المالكي كان جماعة ارهابية لكن اعضاءه اليوم باتوا ‘ديمقراطيون’. ويشير الى ان عدوى الاحتلال التي جلبها الامريكيون معهم اصابت الاردن (تفجير الفنادق) ولبنان (ولادة جماعة انصار الاسلام). ومع ان عدوى القاعدة في افغانستان اصابت العراق الا ان الاخير حمل عدواه الجديد لافغانستان من خلال العمليات الانتحارية والقنابل المفخخة المصنعة محليا التي اتقنت طالبان صنعها الان هناك. ويختم الكاتب مقالته قائلا ‘جاؤوا، شاهدوا، خسروا والان يقولون انهم ربحوا’ مضيفا كيف للعربي الذي يحصل على ست ساعات من الطاقة الكهربائية في اليوم في بلده كان يأمل في انتصار كهذا، ولم ينس الاشارة الى ان اكثر من مليون عراقي وهم لن يكونوا جزءا من ‘خير’ بلير الذي تبرع بريع مذكراته الجديدة للجنود الجرحى البريطانيين. نتيجة الغزو: دولة ضعيفةالخروج الهادئ والسري انعكس على معظم عناوين الصحف البريطانية ففي ‘الغارديان’ جاء العنوان ‘من الصدمة والترويع الى الخروج الهادئ ـ امريكا تنسحب من العراق’. وفي ‘اندبندنت’ ‘في الليل وسرا، ترحل اخر الوحدات القتالية’. ومع ان القادة الامريكيين حاولوا اعطاء حس للجنود بخروج بطولي من نفس الطريق الذي اخذته القوات المحتلة نفسها الان العديد من الجنود شعروا بالراحة بالخروج من بلد قتل فيه 4415 من زملائهم. وتنقل ‘اندبندنت’ عن احد الجنود الامريكيين قوله ان الحرب لم تنته لان السنة يعيدون تشكيل مجموعاتهم للهجوم على القوات الامريكية الباقية. ولاحظت ‘ديلي تلغراف’ ان خروج الوحدات القتالية يمثل لحظة عميقة من غياب اليقين الامريكي. واكدت على العامل الايراني وان طهران ستجد نفسها في وضع قوي خاصة ان امريكا لم تعد تمارس تأثيرا كبيرا على الوضع السياسي. وترى ان لايران حليفا ايديولوجيا قويا ان استطاعت ان تلعب اوراقها ـ اي ايران ـ بطريقة جيدة. وتعلل الصحيفة ان بقاء امريكا ليس حلا لان ايران ستحاول استخدام وكلائها من الجماعات والاحزاب الشيعية من اجل خلق الاضطرابات. وترى ان النتيجة الوحيدة للاحتلال هي ‘عراق ضعيف’ يمنعه جيرانه من ان يتحول الى دولة فاشلة ولكن ليس هذا هو العراق الذي مات من اجله الامريكيون والبريطانيون والكثير من العراقيين. بالنسبة للجنود لم يعد العراق مهماولوحظ ان عددا من الصحف الامريكية لم تركز الكثير على موضوع الانسحاب فقد قالت نيويورك تايمز ان المهمة في العراق لم تعد كما اعلنت عنها ادارة بوش قضية نبيلة بل مغامرة وبالنسبة للجنود وظيفة، كما لم يعد العراق موضوعا يقسم الامة. وقالت ان الغزو ترك وراءه ديموقراطية تعاني من مشاكل. وبالنسبة للجنود الامريكيين لم يعد الغزو عن الشعارات والحياة الجيدة للعراقيين فبحسب احد الضباط عندما سألته ان كان الاطفال العراقيون يستحقون مستقبلا جيدا اجاب انه لا يهتم وحول ما اذا كان القرار للغزو صحيحا ام لا اجاب انه ما يهمه هو الجندي الذي فقده من جنود وحدته. وعلى خلاف الجنود الذين قاتلوا في فيتنام ومناطق اخرى كانوا يقاتلون وهم يعرفون انهم سيعودون كابطال لكن الحرب في العراق تحولت للجنود الامريكيين الى اكثر من اربع حروب من الغزو الاول، المقاومة المسلحة، الحرب الطائفية وزيادة عدد الجنود عام 2007. ومع ان الكثير من الجنود اكدوا ان الحرب كانت تستحق التضحيات لكنهم قالوا انها مع مضي الزمن فقدت هدفها. في الوقت الذي يحاول فيه الجنود الامريكيون وضع التجربة وراءهم ويركزون على المهمة القادمة يشعر العراقيون بالخوف من المستقبل ويرى الكثيرون ان الساسة يحاولون اشعال حرب جديدة ستترك اثارها على الشارع. وتنقل ‘لوس انجليس تايمز’ المزاج العام لدى العراقيين وتشير نقلا عن سياسي كردي قوله ان الخروج متعلق بالسياسة الامريكية وليس بمصير العراقيين.