أوردت وكالة ‘معا’ خبرا مفاده أن أحد المسلمين لا زال في ثلاجة الموتى لم يُدفن بعد، رغم محاولات بعض المتطوعين لدفنه، إلا أن الإجراءات المعقدة حالت دون دفنه. فمن المسؤول عن بقاء هذا الجثة في الثلاجة وعدم دفنها؟ من المسؤول عن تنفيذ هذا الحكم الشرعي؟
بداية الأصل في كل دولة تريد مصلحة رعاياها أن تكون لها سياسة ثابتة في إدارة مصالح الناس ورعاية شؤونهم وحل مشاكلهم، وتنظيم علاقاتهم، وتأمين حاجاتهم، وتيسير عيشهم من دون مشاكل أو تعقيد: في التعليم، والتطبيب، وشؤون العمل، وشؤون الطرق، والزراعة وسائر المعاملات. فيكون هناك جهاز لمصالح الناس يتولاه من يستطيع القيام به بكفاءة وبأساليب ووسائل تيسر على الرعية عيشها، ويوفر لها الخدمات اللازمة دونما تعقيد بل بسهولة ويسر. سياسة إدارة المصالح هذه تقوم على البساطة في النظام، والإسراع في إنجاز الأعمال، والكفاية فيمن يتولون الإدارة. وهذا مأخوذ من واقع إنجاز المصلحة، فصاحب المصلحة إنما يبغي سرعة إنجازها، وإنجازها على الوجه الأكمل، والرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: ‘إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح…’ رواه مسلم من طريق شداد بن أوس. فالإحسان في قضاء الأعمال مأمور به من الشرع، وللوصول إلى هذا الإحسان في قضاء المصالح لا بد أن تتوفر في الإدارة ثلاث صفات: إحداها: البساطة في النظام؛ لأنها تؤدي إلى السهولة واليسر، والتعقيد يوجد الصعوبة. وثانيتها: الإسراع في إنجاز المعاملات؛ لأنه يؤدي إلى التسهيل على صاحب المصلحة. وثالثتها: القدرة والكفاية فيمن يُسنَد إليه العمل، وهذا يوجبه إحسان العمل، كما يقتضيه القيام بالعمل نفسه. وبخصوص دفن الميت ورد في تفسير القرطبي (ليرى ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله تعالى: ‘ثم أماته فأقبره’ [ عبس: 21 ]، فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق، فرضا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثم الجيرة، ثم سائر المسلمين، وأما الكفار فقد روى أبو داود عن علي قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات قال: (اذهب فوار أباك التراب ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني) فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي) روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه، وإن يكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم. وقال صلى الله عليه وسلم: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أخرجه الطبراني بإسناد حسن.
أما الفرض من حيث القيام به فقسمان: فرض عين، وفرض كفاية، ولا فرق بينهما في الوجوب؛ لأن الإيجاب واحد فيهما، وكل منهما طلب الفعل طلباً جازماً. إلا أن الفرق بينهما، هو أن فرض العين قد طلب من كل فرد بعينه، وفرض الكفاية قد طلب من جميع المسلمين، فإن حصلت الكفاية بإقامته فقد وجد الفرض، سواء أقام به كل واحد منهم، أم قام به بعضهم. وإن لم تحصل الكفاية بإقامته ظل واجباً على كل واحد منهم حتى يوجد الفرض؛ ففرض الكفاية يبقى فرض كفاية وواقعه أنه فرض على مجموع المسلمين وليس على كل واحد منهم، فإذا لم تحصل الكفاية بالمتلبسين بالقيام به ظل الواجب في عنق بقية المسلمين، فلو انضم واحد آخر فحصلت الكفاية بإقامة الفرض، سقط الوجوب عن الباقين.
أما فرض العين: فكل مسلم مخاطب بعينه به ولو قامت كل الخلائق به.
في حالة أن الكفاية لا تحصل إلا بكل الأمة الإسلامية يعم الواجب الجميع وهذا من مقتضيات فرض الكفاية، لأن أصل الخطاب هو لمجموع المسلمين بإقامة الفرض وليس لأعيانهم.
المسؤول بل المسؤولون هم المسلمون، وذلك لتقاعسهم ـ إلا من رحم ربي – عن الواجب الملقى على عاتقهم بإقامة سلطانهم ودولتهم التي تقوم بواجب الرعوية، وهو واجب من أهم واجبات الراعي؛ فدين الإسلام يهتم بالإنسان ورعاية شؤونه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالامام رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ} فهذا واجب الرعوية الذي يميز الأمة الإسلامية بعظمة القيم التي تؤمن بها وتعمل بها، فكان منه قول الرسول صلى الله عليه وسلم (… وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى) وقال عليه الصلاة والسلام: (ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به)، وقد أوجب الإسلام علينا حفظ هذه الأحكام وقيمها، وجعل وجود السلطان واجباً لرعاية شؤون الأمة ليحفظ لها حقوقها الشرعية، ويسد حاجاتها الأساسية كلها، عَن سَلَمَة ابْن عُبَيْد الله بْن محصن عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِه، مُعَافى فِي بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذَافِيْرِهَا). ومن أهم أسس الإسلام توفير الحاجات الأساسية من المأكل والملبس والمسكن لكل فرد من أفراد الرعية مسلمين وغير مسلمين مع توفير الأمن والتطبيب والتعليم مجانا للجميع. وبناء على هذا يحرم على أهل فلسطين وكل حسب مسؤوليته إبقاء هذه الجثة من دون مواراتها الثرى وإكرام الميت دفنه فهلا أكرمنا ميتنا هذا وسارعنا لدفنه.
عاهد ناصرالدين