جهنم الشمس!

حجم الخط
0

الياس خوري

في احد ايام نيويورك، وكانت الحرارة حوالى عشر درجات تحت الصفر، مشيت تحت شمس نحيلة، في طريقي الى التدريس في الجامعة. غصتُ في ثلج عميق، تجلّد سطحه، وانزلقتُ عدة مرات، وانا ارتجف برداً. لم اصدّق كيف وصلت الى الصف. كنت ارتجف خوفاً. الشعور بأن الجسد على عتبة التجلد، يأخذك الى الهلع. هذا هو كعب الخوف. هلع وعجز وشعور بالسقوط الى لا مكان. كنت انتفض وانا على وشك الاستسلام للبرد، كأن الجسد الانساني يصل في نهاية المطاف الى الانتفاض استسلاماً.

قلت هذا ما يسميه العامة خروج الروح من الجسد. انها الارتجافة الأخيرة قبل الدخول في تلافيف النعاس الأبدي، الذي نطلق عليه اسم الموت.

وحين وصلت الى المبنى الجامعي، وسَرت حرارة التدفئة في انحائي، شعرت انني كنت في مكان وهمي. فالبياض البارد الذي يصفع الوجه ويجلّد الأطراف، يحيل الى الموت. يومها تيقنت من حدسي بأن العدم أبيض، وبعدها قرأت رواية ساراماغو ‘العماء’، الذي رسم فيها الكاتب البرتغالي العماء باللون الأبيض. وفهمت صرخة المتنبي وهو يصف جبال لبنان البيضاء التي تراءت له ‘ببياضها سوداءُ.’الطباق هنا ليس مجرد لعبة بيانية، بل هو يعبّر عن التواصل بين الألوان والمشاعر. لماذا اذا تخلى الشعراء المحدثون ونقادهم عن كلمة ‘طباق’، واستبدلوها بعبارة التضاد. فالطباق ليس تضاداً، بل هو وصول الأشياء الى نهاياتها، حيث يصير الشيء عكسه، من دون ان يفقد معناه، فالبياض الأسود في شِعر المتنبي لا يعني تضادا بين لونين، بل هـــــو انزياح في المعــنى ودخول في الالتباس، فيمتد البياض في السواد مثلما تمتد خيوط الفجر في جسد الليل.

ربما جاء خطأ المحدثين من عبارة وردت في ‘الدرة اليتيمة’، التي قام الناقد كمال ابو ديب بتحقيقها ودراستها في شكل رائع، اذ ينسب الى الشاعر قوله، في معرض مقارنة بياض الوجه بسواد الشعر:’والضدُّ يُظهر حسنه الضدُّ’. هذا الطباق البسيط الذي أطلق عليه الشاعر اسم الضد لا ينسحب على طباقات ابي تمام، على سبيل المثال، حيث تصل النهايات الى البدايات في لعبة تصنع جماليات الطباق، بحيث يصير الموت امتدادا للحياة وليس نقيضا لها.

الطباق في الأدب، تأمل وجودي، تأتي متعته من قدرته على اكتناه المعرفة. لكن حين نعيش الطباق ونرتجف امام سواد البياض، فإننا نصاب بالرعب. احدى سمات الأدب هي القدرة على تأمل الرعب وكتابته. وهنا يأتي الطباق بين الأدب والحياة. فالأدب ليس نقيضا للحياة، كما انه ليس انعكاسا لصورتها، انه امتدادها ووجوهها الأخرى، اي طباقها الذي يرسم مسار رحلتها الى النهايات التي تصير بدايات.

لا ادري كيف قادني الثلج الى التأمل في الطباق ومعانيه، ربما لأنني كنت ادرّس طلابي ‘شعرية المتنبي’، وكنت مسحوراً بموسيقى المعاني التي صنعها كبير شعراء العربية، وعاجزاً في الآن نفسه عن نقل هذا السحر الى لغة مفهومة يفترضها التدريس الجامعي.

لكنني بدلاً من ان ابدأ درسي بالطباق ارتكبت خطأ فادحاً، لم اندم عليه الا مع هذا الصيف الوحشي الذي ضرب لبنان والمشرق العربي.

قلت لطلابي انني بدأت اليوم أشك في الوصف التي قدمته الأديان السماوية للجحيم الذي تستعر فيه النيران. وقلت ايضاً انه لو نشأت الأديان في مكان مثل هذا المكان، او في شمال اوروبا، فإن وصف الجحيم سوف يكون مختلفا. فالجحيم القائظ، كما وصفته ادبياتنا، مرتبط بالصحراء: صحراء سيناء وصحراء جزيرة العرب، لذا اخذ شكل المناطق الحارة، لكن لو بعثت الديانات في أمم الشمال، لاتخذ الجحيم شكل البرد وصحارى الثلوج.

وكنت على خطأ.

اليوم، في بيروت، حيث تختلط الحرارة بالرطوبة، ويتحوّل الجسد عبئا على الروح، وينهار الطباق بينهما، متحولا الى تضاد عبثي مجنون. اليوم، وبعد شهر كامل لم تتوقف فيه الشمس عن اعلان وحشيتها وكراهيتها للأرض. اليوم، وسط حرارة كريهة تجعل من رائحة الأرض اشبه برائحة الزفت. اليوم اشعر بالحنين الى الثلج والبرد. البرد يتسلل الى المفاصل ويستوطنها، لكنه لا يلغيها، اما هذا الحر الكريه الأحمق الهمجي، فهو كالغزوة المغولية، يحطّم المفاصل ويبيد الجسد، ويجعل من الدماغ بخارا، ويشلّ كل شيء، لأنه يضربك بالأرهاق قبل ان تفتح عينيك ويميتك.

ويسألونك عن المكيفات؟

فتجيب ولكن اين الكهرباء، في بلد يحكمه اللصوص والقتلة.

لا كهرباء كي نواجه حرارة الشمس بحرارة الكهرباء، لا شيء سوى الاختناق والتلاشي والهبل.

والهبل مرض خبيث، لأنه يأتي بلا ألم، فالمُصاب لا يعرف انه اصيب بهذا الداء. كيف نفسّر الاحتجاج على حرارة الطقس وانقطاع التيار الكهربائي في لبنان باشعال دواليب المطّاط؟ انا مع الاحتجاج، لكن ان نحتج ضد شيء عبر ترسيخه، فهذا لا اسم له سوى الهبل. اذ يمكن قطع الطرقات بألف وسيلة ووسيلة، لكن هذا ما آل اليه الخيال اللبناني وسط فوضى المعاني وانهيار القيم.

وهذا لا علاقة له بالاشتباك الأرعن الذي حصل في حي برج ابي حيدر في بيروت بين الأحباش وحزب الله، لأن هذا هبل خاص يختفي وراءه ذكاء شديد، وتلك حكاية اخرى.

ندمت على افتراضي الأمريكي حول الجحيم، وخصوصا بعدما علمت ان فقراء السودانيين في ام درمان والخرطوم، ينامون في برادات الخضار والفاكهة الضخمة، هربا من جحيم الحرارة.

اتوق الآن الى شمس نحيلة وثلج يغمر الشوارع، وبرد يتسلل الى العظام. اتخيل نفسي في صنين في عزّ الشتاء، اغمس الثلج الأبيض بالدبس العنبي والتهم برودة العالم، واردد مع المتنبي طباق ثلج لبنان الذي صار طللا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية