حرب عالمية بالتقسيط المريح!

حجم الخط
0

عبد اللطيف البوزيدي لا يلبث المدقّق في الظروف الدولية في العقدين الأخيرين أن يلاحظ أنها أشبهُ ما تكون بالظروف التي سبقت الحرب العالمية الثانية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، فقد سبق تلك الفترة اختلال التوازن الاستراتيجي والعسكري لصالح القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وتبوأ معيار القوة صدارة المعايير التي تحكم العلاقات الدولية مع ما يولّده استعمال القوى المُهيمنة المفرط لقدراتها العسكرية من تنامي تيارات ونزعات محلية عنيفة بالدول المستضعفة، فكانت بريطانيا وروسيا وفرنسا على الخصوص حريصة على جعل تأسيس عصبة الأمم على رأس بنود معاهدة فرساي 1919 التي فرضت من خلالها ما فرضت على القوى المنهزمة في الحرب العالمية الأولى، من بتر وتحجيم وتقسيم وشروط قاسية مذلة، كانت ضحيته دول وإمبراطوريات ذنب شعوبها أنها كانت تتلمس طريقها نحو العصرنة وتلتمس لها مكانا بين الكبار، منها ألمانيا والنمسا والمجر وتركيا العثمانية وبلغاريا، مما أفقد عصبة الأمم مصداقيتها منذ التأسيس، وجعلها تتعرض لرفض دولي رسمي وشعبي ما لبث أن أثمر حراكا سياسيا واجتماعيا في شتى أنحاء العالم، تمخض عنه بروز وذيوع تيارات صنّفها البعض ‘شمولية’ والبعض الآخر ‘ثورية’ لكنها كانت على كل حال غاية في ‘التطرف المضاد’ كالنازية والفاشية. ونتيجة لتعاظم حيف عصبة الأمم والقانون الدولي المفصّل على مقاس المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، والموجه أساسا لإعطاء نفس جديد لحقبة استعمارية كانت قد انطلقت عقودا من قبل وكانت تستهدف الكيانات الهشة كالدول العربية والإفريقية والآسيوية (مثلا تم احتلال الجزائر في 1830 وتونس في 1881 والمغرب في 1907 وأتت على البقية الباقية من العالم العربي اتفاقيةُ سايكس- بيكو التي كانت جاهزة في 1916 حتى قبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها)، سادت العالمَ في فترة ما بين الحربين موجةٌ من الغليان الشعبي الاجتماعي والسياسي واللامبالاة بقرارات عصبة الأمم، أدت إلى بروز تيارات وإيديولوجيات ازدهرت كردّ فعل طبيعي تجاه غطرسة الغرب وإمعانه في إذلال الشعوب الحرة، والنتيجة معروفة: حرب عالمية ثانية زلزلت العالم من جديد وراح ضحيتها عشرات الملايين بين قتيل وجريح، وأضعاف مضاعفة من المنكوبين والمشردين. تشابه كبير حاصل بالفعل بين فترة ما بين الحربين والفترة الحالية التي يعيشها العالم وخصوصا منه المنطقة الممتدة من باكستان، على حدود الهند أكبر ‘الديمقراطيات’ العالمية، إلى المغرب، على حدود إسبانيا أحدث ‘الديمقراطيات الأوروبية’، أي منطقة الشرق الأوسط ‘الكبير’ على حد تعبير القاموس السياسي للمحافظين ‘الجدد’، أو بعبارة أخرى ‘الرَّبْعَ الخاليَ…من الديمقراطية’ وهو فعلا رَبْعٌ خالٍ من الديمقراطية وخال من فضائل أخرى لا حصر لها، لكن ذلك موضوع آخر يطول حتما. أما أبرز سمات التشابه بين المرحلة الراهنة وفترة ما بين الحربين العالميتين فتتراوح بين تفاقم اختلال التوازن الاستراتيجي وتنامي حملات شيطنة الدول ‘المارقة’ والتحرش بها، ويمكن تفصيل هذه السمات كالآتي: 1. اختلال المنتظم الدولي في فترة ما بين الحربين اختلالا تَجسَّد في ضعف عصبة الأمم، سواء من حيث التركيبة والتمثيلية أو من حيث القدرة على إحقاق العدالة الدولية وبلورة وتفعيل القرارات وحل الأزمات، وهو ما يحصل حاليا ومنذ عقود مع خليفتها ‘الأمم المتحدة’ التي لا تقل عنها اختلالا في كل الجوانب المذكورة، إذ لم تنجح إلا نسبيا في ‘إدارة’ بعض الصراعات هنا وهناك، ولم تحلّ أيّا منها بشكل قاطع، وبقيت معظم أزمات العالم عالقة تراوح مكانها كالأزمة بين الكوريتين وأزمة كشمير بين الهند وباكستان وغيرها وعلى رأسها أمّ الأزمات، القضية الفلسطينية، التي وُلدت وترعرعت في عهد الأمم المتحدة، وفي عُهْدَتها شاخت وصارت على وشك التشييع إلى مثواها الأخير. 2. تهافُتُ القوى الغربية ضد دول بعينها كألمانيا وإيطاليا واليابان (أي ما عرف فيما بعد بدول المحور) وشيطنتُها وشيطنة كلِّ مَن وَالاها أو مَتّ إليها بصلة، واستغلالُ خلافاتِ تلك الدول ونزاعاتِها الحدودية مع جاراتها الدولِ التي استقوت بالغرب وطَمْأنَها ودفعها إلى التحرش بالنازيين والفاشيين لتُشكّل طُعوما تغري بالضم لضعفها ولوجود ما هو متنازع عليه، تماما كمن يفتعل عراكا مع فتُوّة الحي لِيُؤلِّبَ عليه الجمع ويُعرِّضَه للضرب وما أسهل أن تجر الفتوة إلى عراك، وفعلا ضمت ألمانيا ما ضمت وفي نِيتها الاحتفاظ بما اعتبرتهما دائما إقليميْها الألزاس واللورين وببعض المناطق المتنازع عليها مع بولندا، كما ضمت إيطاليا ألبانيا ‘لاسترجاع’ جزء من حلم الإمبراطورية الرومانية، وواصلت اليابان حربها الطاحنة على الصين الناشئة في مهدها، فحق على دول المحور القولُ فدمّرها الغرب المتسلط تدميرا، لكن ليس دون أن يدفع الثمن غاليا. وهو ما يحصل تماما الآن مع إيران وكوريا، وبشكل من الأشكال سورية والتنظيمات المقاومة. فمن حيث الشيطنة، يمكن اعتبار تسمية ‘محور الشر’ ذات الإيحاء التاريخي والإحالة إلى دول المحور نوعا من الشيطنة، وكذلك التركيز على تشبيه أحمدي نجاد بهتلر، وتسمية النظام الكوري الشمالي بالنظام المغلق مع أن الغرب هو من أغلق عليه المنافذ بعقوباته الاقتصادية وقواعده العسكرية المجاورة. أما من حيث التحرش بكوريا وإيران وسورية وحتى باكستان وقِوىً أخرى فحدّث ولا حرج، بالأخص منذ أن وجد الغرب لنفسه موقع قدم بالعراق وأفغانستان أي في قلب ‘الشرق الأوسط الكبير’، فمنذ ذلك الحين بدأنا فجأة نسمع عن ‘تسارع المدّ الشِّيعي’ و ‘تباطُؤ الجَزْر الشُّيوعي’، وعن جُزر احْتُلّت وسفنٍ أُغْرِقت، وعتادٍ شُحِن (اتهام سورية وإيران بتزويد المقاومة بالأسلحة) وتنظيم احْتُضِن (اتهام باكستان باحتضان قادة القاعدة).غير أن التشابه الكبير الحاصل بين الفترة الحالية وفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية لا يعني بالضرورة أن حربا عالمية ثالثة على وشك الاندلاع، على الأقل ليس بالمعنى الشامل للحرب العالمية، فقد تعلّم الغرب و’الحلفاء’ على الخصوص كيف يتجنبون الحرب الشاملة وكيف يقسطونها تقسيطا مريحا إلى حروب ‘صغيرة’ يخوضون بعضها على نطاق ضيق وفي رقعة جغرافية محدودة (حربا المالفيناس والبلقان وحربا العراق وأفغانستان) ويتم بعضها بالوكالة عنهم (حرب العراق على إيران الثورة الإسلامية وحرب إثيوبيا على الصومال وحربا إسرائيل على لبنان وغزة دون نسيان الحرب على الإرهاب التي تخاض بالوكالة في شتى أنحاء العالم). والملاحظ أن الحروب التي صار الغرب يخوضها ‘بنفسه’ هي فقط الحروب ‘الضرورية’ ذات الأهداف ‘الردعية’، كالحرب على صربيا لردعها عن احتلال جاراتها الدول التي كانت تشكل يوغوسلافيا سابقا، والحرب الأولى على العراق لردعه عن احتلال الكويت، والحرب على الأرجنتين لردعها عن ‘احتلال’ جزر المالفيناس، والحرب على أفغانستان لردع القاعدة عن ‘احتلالها’ وتكرار الهجمات على الغرب انطلاقا منها، مع استثناء وحيد هو الحرب الأخيرة على العراق والتي وإن لم تكن ‘ضرورية’ وذات أهداف ردعية فقد اجتهد وبرع قادة الغرب ‘الكذابون’ في تصويرها على أنها كذلك، بينما هي كانت حربا وقائية خاضها الغرب بنفسه استثناء ودون اللجوء إلى توكيل أطراف أخرى. أما الحروب ذات الأهداف ‘الوقائية’ فتخوضها نيابة عن الغرب وبالوكالةِ أنظمةٌ ‘حليفة’، فإضافة إلى الحرب على الإرهاب التي انخرطت فيها معظم دول العالم ضد عدو ‘وهمي’ لأسباب مختلفة، كانت حرب الوكالة ضد إيران في ثمانينيات القرن الماضي ‘وقائية’ من ذيوع فكر الثورة الإسلامية خارج حدود بلاد فارس، وكانت حرب إثيوبيا ضد الصومال وقائية من تنامي نفوذ الحركات الإسلامية المسلحة، وحروب إسرائيل على المقاومات لا تخرج هي الأخرى عن إطار حروب الوكالة ‘الوقائية’ من تنامي الفكر المقاوم. في ظل هذه المعطيات التي تكاد تشكّل قاعدة عامة من قواعد التعامل الجديدة للقوى الغربية المهيمنة، وفي غياب إمكانية تحريك حرب بالوكالة ضد بعض الدول المارقة، يجدر بنا أن نتساءل: هل سينجح الغرب عبر ‘الشيطنة’ و’التحرّش’ بإيران وكوريا الشمالية وحتى باكستان، في دفعها تباعا إلى ‘ارتكاب’ ما يستوجب الرّدع، كأن تتدخل إيران أو باكستان عسكريا بأفغانستان، أو أن تهاجم إيرانُ إسرائيلَ أو’تغزُوَ’ ما تعتبره مقاطعات لها بالخليج، أو أن تهاجم كوريا الشمالية نظيرتها الجنوبية؟ وفي حال ما إذا لم تُقْدِم الدولُ ‘المارقة’ على شيء من هذا القبيل، هل سيلجأ الغرب مرة أخرى إلى أسلوب ‘التلفيق’ الذي اعتمد لتبرير غزو العراق بدعوى امتلاكه أسلحة لم يعثر عليها أبدا، كأن تُتَّهَم إيرانُ أو كوريا بالشروع الفعلي في إنتاج السلاح النووي، أو أن تُتَّهَم باكستانُ بإيواء وتوظيف قادة القاعدة، ونحن نعلم أنه في كلتا الحالتين لن تعدم الإدارة الأمريكية صورا وأدلة على غرار أدلة كولن باول الشهيرة؟ وفي المحصلة، ألا يخوض الغرب منذ عقود حربا عالمية ثالثة بالتقسيط المريح، أعني المريحِ لاقتصادياته والمحرِّك لها في نفس الآن؟’ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية