حضور الماضي بوجه واحد هل يساهم في بناء المستقبل؟

حجم الخط
0

مؤتمر العرب والأتراك… مسيرة تاريخ وحضارةأنور بدر شهدت قاعة المحاضرات في مكتبة الأسد وعلى مدار يومين متتاليين: الأول والثاني من شهر آب /أغسطس 2010، انعقاد جلسات ‘مؤتمر العرب والأتراك… مسيرة تاريخ وحضارة’ الذي أقامته وزارة الثقافة السورية بالتعاون مع مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في تركيا ‘أرسيكا’. وقد أشار الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة السوري في افتتاح المؤتمر إلى أن العلاقات العربية التركية ترجع إلى ما قبل الخلافة العثمانية بكثير، بل هي ترجع إلى سنة 21 للهجرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، حين التقى عبد الرحمن بن ربيعة قائد جيش المسلمين في بلاد الباب بملك الترك ‘شهر براز’ وعرض عليه أن ينضم إلى جيش المسلمين وأن يساهم في فتح منطقة أرمينيا، فوافق الملك التركي، ورحب الخليفة عمر بذلك، وانضم الأتراك إلى جيوش المسلمين وتتالت الفتوحات الإسلامية في آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا في العهود الأموية والعباسية، والأتراك شركاء في الفتح، وقد دخلوا في دين الإسلام تباعاً، حتى أصبحوا عماد الجيش في عهد المتوكل، وحين ضعفت الخلافة العباسية أقام الأتراك الدولة السلجوقية، ويسجل للقائد التركي ‘أرطغرل’ حروبه ضد البيزنطينيين وبناؤه أول مسجد في القسطنطينية. كما حقق الزنكيون بقيادة صلاح الدين النصر في حطين على الصليبيين. وحين تمزقت دولة الأمويين ظهرت دولة المماليك في مصر وبلاد الشام، وتابع الظاهر بيبرس تحرير بلاد المسلمين من الصليبيين. يؤكد الدكتور آغا القلعة أن: هذا التاريخ المشترك بين العرب والأتراك هو الذي جعل العرب يقبلون الخلافة العثمانية، بعد أن انتصر سليم الأول على قائد المماليك ‘قانصوه البرجي’ في معركة ‘مرج دابق’ وبدأت الخلافة العثمانية سنة 1516 واستمرت إلى بعيد الحرب العالمية الأولى. لكن هزيمة العثمانيين بدأت قبيل هذه الحرب، وبتأثير يهود الدوغمة الذين تغلغلوا في مفاصل الدولة كما تغلغلوا في الإسلام والمسيحية ليزرعوا الشقاق بين العرب والأتراك، فظهرت النزعة الطورانية القومية التركية، كما ظهرت مقابلها النزعة القومية العربية. وبدأ استقلال الدول العربية مع تقدم الاستعمار الغربي لتقاسم تركة الرجل المريض. كما أطلقوا على الدولة العثمانية. يضيف الدكتور آغا القلعة: منذ ذاك التاريخ ولعقود ثمانية سار كل من الشعبين العرب والأتراك في اتجاهات مختلفة، وفي أزمات بلغت ذروتها في الخلاف السوري التركي أواخر التسعينات من القرن المنصرم، والتي تمّ تداركها بحكمة القيادتين كما يقول السيد وزير الثقافة الذي أضاف أن مرحلة جديدة بدأت في العلاقات التركية العربية، مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في أنقرة، واصفا هذه العلاقات بأنها تتسم بالندية والتشاركية، وهي بالتأكيد لا تتطلع إلى استعادة التاريخ وإنما تستفيد من تجربته للانطلاق نحو المستقبل. ولذلك طالب السيد الوزير من المؤتمرين الجدية والشفافية في طرح كل الأمور، متسائلاً: هل سينسى العرب أن جمال باشا علق مشانق أبنائهم في ساحة المرجة هنا في دمشق وفي بيروت أيضا؟ وهل سينسى الأتراك بالمقابل أن العرب وقفوا مع الدول الأوروبية ضدهم في الحرب الأولى التي أدت إلى تفتيت الإمبراطورية العثمانية؟ أنا لا افترض ذلك، لكن هذه الوقائع من التاريخ يجب أن لا تمنع مسيرة الشعبين باتجاه مصالحهما الراهنة. كما تحدث السفير التركي في سورية السيد عمر أونهون في افتتاح المؤتمر مشيراً إلى أهمية العلاقات العربية التركية، والسورية التركية بشكل خاص ووتائر تطورها المتسارعة، مستفيدة من الروابط التاريخية التي تجمع الشعبين، وأضاف أن العرب والأتراك من خلال الثقافة المشتركة بعمقها الديني، والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك هم الظفر الذي لا يخرج من اللحم. كما شبه هذه العلاقة بالثروة الدفينة والغنية والتي نجهل معالمها، لذلك طالب من خلال هذه الندوات والمؤتمرات بالكشف عن هذه الدقائق. وأوضح السفير أونهون أن المشكلة بين العرب والأتراك أنهم لم يكتبوا تاريخهم المشترك، بل كُتب ذلك التاريخ من قبل طرف ثالث، طرف قام بتغيير الحقائق وتزوير الوقائع، لذلك علينا أن نبدأ بكتابة تاريخنا من جديد وبأنفسنا. وهو ما أكده السيد نزيه معروف مندوب مركز ‘أرسيكا’ لدراسات التاريخ والثقافة الإسلامية، قائلا: أن مئة عام وأكثر من سوء التفاهم بين العرب والأتراك ترجع كما قال السفير التركي أونهون إلى دخول طرف ثالث بيننا، واتفق مع الدكتور الآغا أن هذا الثالث هو الصهيونية التي فتكت بجسم الدولة العثمانية، وجسم ذلك التاريخ المشترك بيننا.

واستحضر السيد معروف طلب هرتزل إلى السلطان العثماني عبد الحميد أن تقوم الحركة الصهيونية بسداد كامل ديون السلطنة العثمانية مقابل فرمان من الخليفة يمنح فلسطين لليهود. فرد عليه السلطان عبد الحميد: هذه الأرض دافع عنها آبائي وأجدادي، وهي أمانة في عنقي، والله لا يدخلونها إلا على جثتي، وكان يعلم أنهم سيدخلونها على جثته. في المحور الأول لهذا المؤتمر والذي عنون باسم ‘أواصر العلاقات العربية التركية’ حدثنا الدكتور ‘جنكيز تومار’ أستاذ التاريخ التركي عن ظهور لفظ الترك والأتراك في الشعر العربي قبل الإسلام، كما استعاد أول لقاء بينهما في معركة ‘طالس’ عام 751 م، حيث شاركت القبائل التركية في الجيوش العثمانية التي افتتحت آسيا الوسطى، وظل نفوذ القادة الأتراك يتعاظم حتى بنى الخليفة العباسي لهم مدينة سامراء في العراق. وأخذ هذا النفوذ ينتقل إلى حقل السياسة العباسية في القرنين التاسع والعاشر، إذ لعب الأتراك دوراً بارزاً إلى جانب العرب في التصدي للغزوات الصليبية. واعتبر الدكتور الشاعر ‘نذير العظمة’ أنّ ما يجمع العرب مع الأتراك قبل الدولة العثمانية بسبعة قرون كان كثيراً في الثقافة والدين واللغة والتقاليد، وحتى الأزياء والطعام. وقد تعزّز ذلك بتاريخ مشترك في مقاومة الأطماع البيزنطية في المنطقة حيث قاد السلاجقة والزنكيون والأيوبيون والمماليك معارك الثغور، لأنّ حلم استرجاع بلاد الشام برأيه لم يفارق المخيلة البيزنطية، وحركة الاسترداد الإسبانية للأندلس لم تتوقف، وكل هذا استدعى الحروب الصليبية لاحقا، إذ كانت بيزنطة وأوروبا في هذه المعارك تحاولان الخروج من أزمة تزايد سكاني وفائض قوة معرفي واقتصادي وتكنولوجي بالسيطرة على العالم. فيما حدثنا الدكتور ‘وليد رضوان’ من سورية عن العرب والسلاجقة في مواجهة الغزو الصليبي منذ المعركة التي قادها ‘القلب إرسلان’ عام 1096، السلاجقة في إفشال ثلاث حملات إفرنجية لاحتلال مدينة حلب أعوام: 1118-1122-1124، بعدها انطلق الزنكيون ومن ثمّ الأيوبيون في توحيد بلاد الشام ومصر كمقدمة لدحر الحملات الصليبية عن المنطقة.

الدكتور ‘توفان بوز بنار’ من تركيا قدّم قراءته للعلاقات التركية- العربية خلال الفترة العثمانية التي استمرت قرابة 400 سنة، حين كان الشعبان رعايا دولة واحدة، يجمعهم تاريخ مشترك وموغل في القدم. إضافة للدين الإسلامي الواحد، إذ سعى الأتراك في هذه المرحلة لتعلّم اللغة العربية كي يساهموا في نشر الإسلام. بينما تأخر العرب في تعلم اللغة التركية والذي كان محكوما برغبة أولاد العائلات المتنفذة كي يحتلوا مساحة لأنفسهم في جهاز البيروقراطية العثمانية الحاكمة، مثال ‘ساطع الحصري’ الذي تحوّل لاحقاً إلى أهم دعاة القومية العربية، كما أشار الباحث في موضع لاحق الى أنه من أصل خمسة عصيانات مسلحة ضد الدولة العثمانية في المنطقة كان واحداً فقط سنة 1831يستند إلى دعم شعبي، نتيجة ضعف الدولة الاقتصادي والإداري ووقع الضرائب أيضاً.

فيما ظهر العامل الخارجي بعد عام 1840 واضحاً في سعيه لتشويه العلاقات العربية – التركية، عبر خطة استعمار للبلاد العربية، مع تأكيده على عجز الدولة العثمانية عن الإصلاحات التي كان الجميع ينادي بها. مُستخلصاً أنه لا توجد مشكلة بين الشعبين العربي والتركي، بل هنالك مشكلة بين النخب السلطوية العربية والتركية، أخذت تتجلّى في تضارب المصالح القومية لكل منهما.

الدكتور ‘محمد يحيى خراط’ من سورية درس إمارة حلب بين المماليك والدولة العثمانية، إذ كانت تشكل هذه المدينة عتبة بلاد الشام بالنسبة للأتراك، ولا يمكن الوصول إلى المقدسات الإسلامية إلاّ عبرها. وكيف أنّ السلطان ‘سليم الأول’ بعد انتصاره في معركة ‘مرج دابق’ لم يستقر في حلب أكثر من أسبوعين ثمّ تابع معركته لفتح بقيّة بلاد الشام ومصر خلال أقل من عام. مُضيفاً أنّ هذه المدينة حظيت باهتمام خاص من قبل السلاطين العثمانيون، حتى أنّ مفتي الإمبراطورية العثمانية في آخر عهدها كان من مدينة حلب.

وحده الدكتور ‘أمر الله إيشلر’ الذي انتقل بنا من زمن التاريخ إلى الزمن الراهن، ليحدثنا عن السياسة الخارجية الجديدة لتركيا وانعكاساتها على العلاقات التركية- العربية، مُعترفاً بأنّ تركيا الحديثة منذ تأسيسها عام 1923، اتبعت سياسة جديدة في علاقاتها الخارجية تسير بخط أو اتجاه واحد إلى الغرب، مقابل، انقطاع شبه تام في علاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي، وأضاف ‘إيشلر’ أنّ السياسة الخارجية التركية عرفت تحسناً في علاقتها مع محيطها العربي سنة 1983 مع مجيء توركت أوزال وحزب ‘الوطن الأم’ لكن التجربة لم تكتمل، ولم تتغيّر إلاّ بعد تولي حزب ‘العدالة والتنمية’ الحكم في تركيا أواخر 2002، حيث انتقلت إلى سياسة متعددة المحاور، بهدف تأمين الأمن والسلام والاستقرار للجميع، وهذا انعكس بالضرورة على العلاقات التركية- العربية.

ومن ملامح الدبلوماسية التركية الجديدة كما شرحها ‘إيشلر’ الاعتراف بمركزية تركيا إقليمياً، ولذلك كان عليها العمل على:1- تعزيز الحرّيات في الداخل دون التفريط بالضوابط الأمنية، ولجأت إلى الابتعاد عن ازدواجية المعايير لصالح مصداقية في التعامل مع الجميع.2- اعتمدت سياسة اربح.. اربح، فأي سياسة لا تدعمها المصالح لا يمكن أن تنجح.3- استباق الأحداث.4- تصغير المشاكل مع الدول المجاورة.5- تدخّل فعّال في السياسة الدوليّة.6- ومشاركة فعاّلة في المؤسسات الدولية كجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة الدول الإسلامية. أما بخصوص نتائج هذه الدبلوماسية الجديدة فقد أوضح إيشلر: أن تركيا أصبحت عنصراً مراقباً في جامعة الدول العربية، كما انتخبت لأول مرة في منصب أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي، وأصبحت اسطنبول مركزاً للعديد من المؤتمرات الدولية، كما توسطت بين سورية وإسرائيل في مفاوضات غير مباشرة، لمدة ستة أشهر، وأقامت قمة للتعاون التركي- الإفريقي، وألغت تأشيرة الدخول بين تركيا وكل من سورية وبعض الدول العربية، وأقرت اتفاقية عدم الازدواج الضريبي، وهي تعمل على تشجيع الاستثمارات المتبادلة بين تركيا وسورية. وفي الحقل الثقافي وضعت تركيا أربع اتفاقيات ثقافية مع سورية، وأربع بروتوكولات أيضا. مما يعني برأيه أن تركيا عادت اللاعب الأساسي في أرض الملعب الإقليمي. خارج هذا التناول السياسي لمحور أواصر العلاقات العربية التركية، تحدث الدكتور محمد فاتح زغل من الإمارات عن رحلة مطراقي زاده وما قاله حول دخول بغداد وحلب حين رافق السلطان سليم القانوني سنة 1534 لفتح العراق وبلاد الشام. وقد تضمنت أوراق مطراقي زادة وصفاً مدهشاً لمنازل ومراحل الطريق الذي سلكته الحملة في ذهابها وإيابها، وما مرت به من قصبات وقرى وقلاع وجسور وأنهار وجبال وصحارى، ولم يقتصر عرض مطراقي زاده على وصف الطبيعة، بل تعدى ذلك إلى التضاريس والمناخ وقياس المسافات بالفرسخ، كما حملت هذه الشهادة سجلاً نادراً لوقائع الحرب العثمانية الصفوية التي عايشها مباشرة وعن قرب إلى جانب السلطان العثماني، كما تضمنت رحلة المطراقي عدداً من الرسائل المتبادلة بين السلطان سليم القانوني والشاه ‘طهماسب الصفوي’. الأهم أن مطراقي زاده لم يكتف بالكلمات، فهو كان فناناً تشكيلياً رسم بريشته عدداً كبيراً من الصور الملونة، رسم المدن والحصون والخرائب الأثرية، رسم الخانات والأضرحة والمباني المختلفة دون البشر، لذلك تعتبر مجموعته من أهم الوثائق العالمية في دراسة تخطيط المدن الإسلامية والأبنية الرئيسية إبان القرن السادس عشر الميلادي. ولدينا دراسة للدكتورة خيرية قاسمية من فلسطين عن سيرة حياة ضابط عربي في الجيش العثماني هو فوزي قاوقجي المتوفى عام 1976، والذي قاد جيش الإنقاذ في فلسطين عام 1948 م. وكان القاوقجي قد سجل آراءه وانطباعاته، منذ بدأ حياته في الجيش العثماني عام 1912، حتى انسحابه من مسرح الأحداث بعد نكبة فلسطين 1948، وقد ركّزت الدكتورة في ورقتها على فترة مهمة من تاريخ العلاقات العربية التركية ما بين عام 1912 و1928. وتناولت جانباً مهماً من علاقات القاوقجي مع المؤسسة العسكرية العثمانية وقياداتها في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ العلاقات التركية العربية، وبشكل خاص في ظل الحرب العالمية الأولى والثورة العربية الكبرى وانهيار الدولة العثمانية، وتحدثت الورقة عن تسويات ما بعد الحرب التي مزقت الوطن العربي، فيما كان البعض ومنهم القاوقجي يتطلع إلى مساندة تركية دون جدوى. المشاركة الأخيرة في هذا المحور للأستاذ أحمد المفتي من سورية، الذي عرض بالوثائق العلمية لمشروع الخط الحديدي الحجازي وعلاقته بطريق الحج كنموذج من المشروع الحضاري للسلطان عبد الحميد برأي الباحث. إذ قرر في عام 1900 تنفيذ مشروع سكة الحديد لربط تركيا بالحجاز حيث وصل أول قطار إلى المدينة المنورة في السعودية عام 1908. وكان وقفاً إسلامياً لكن بعد انسحاب العثمانيين من الشام ودخول الحلفاء، استولت بريطانيا على فلسطين وتسلمت إدارة الخط الحديدي فيها، بينما تسلمت الحكومة الفيصلية قسم سورية، كما نُسفت أجزاء من هذا الخط الحديدي وتعرض للتخريب أثناء الحرب، ويضيف الباحث أن الغرب تآمر على خلع السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1908 لتعطيل كل المشاريع التي سبق وخطط لها. في المحور الثاني الذي وضع له عنوان ‘الأدب واللغة’ تحدّث الدكتور ‘علي القيم’ معاون وزير الثقافة عن القواسم المشتركة بين الموسيقى العربية والتركية، مؤكدا على أهميّة الفترة العثمانية في تطوير وامتزاج الغناء العربي والتركي، وأضاف القيم أنه رغم اكتشاف أول نوطة أو مدونة موسيقية في العالم في أوغاريت، إلا أنّ الموسيقى العربية لم تعتمد التدوين رغم ما ورد ذكره في كتاب ‘الأغاني’ عن ‘يحيى بن سريج المغني’، وعن ‘مسلم بن محرز’ و’معبد’ و’مالك’ وسواهم.. بينما جرى تنويط الموسيقى التركية مبكرا، حيث ذهب الشيخ ‘عبد الحامولي’ والشيخ ‘علي الدرويش’ و ‘محمد عثمان’ وغيرهم من أمراء الطرب إلى تركيا لإجادة الغناء.

ويبرز التأثير التركي في الموسيقى العربية في القوالب الآلية، مثل: البشرف، والسماعي، واللونغا.. ممّا مكّن من تطور التخت الشرقي الذي يكاد ينقرض حالياً بتأثير العولمة الموسيقية التي تجتاحنا.

الدكتور ‘برهان كور أوغلو’ من تركيا تحدث عن إسهامات الأتراك في تطور العلم والفكر الإسلامي بدءاً من المدارس النظامية 1066 التي أنشأها الوزير السلجوقي ‘نظام الملك’ في بغداد حتى أصبحت نموذجاً للتعليم الإسلامي والعلوم العلمية معاً، كما استعرض أسماء بعض العلماء والفلاسفة من أصول تركية كـ ‘الفارابي’ و’البيروني’، خاصة أنّ هذا الأخير طوّر آلات ذات حساسية عالية في قياس سمت النجوم، مكنته من قياس محيط الكرة الأرضية بشكل قريب إلى الصحة، مما يعني أن الحاضنة العلمية للدولة الإسلامية شجّعت على هذه الإسهامات والابتكارات.

وقد توقف د. ‘موسى يلدز’ مع التأثير المتبادل بين اللغتين العربية والتركية انطلاقاً من الإسلام، حيث تبنى الأتراك الحرف العربي في الكتابة، وتعلموا العربية لأداء الفروض الدينية وقراءة القرآن ولم تلبث أن اغتنت اللغة التركية – الإيغورية بالعديد من الكلمات العربية حتى أصبح لدينا لغة جديدة عرفت باللغة العثمانية. وأضيف للأبجدية العربية ستة حروف حتى أصبحت الأبجدية التركية تتألّف من 34 حرفا، لكنها الآن وبعد استبدال الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية تقلصت الحروف التركية إلى 29 حرفاً فقط. ونلاحظ في أغلب المعاجم التركية أنّ قرابة ثلث الألفاظ المستخدمة تعود إلى أصول عربية حتى بعد استبدال الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية، وحتى عام 1974 كانت هذه المفردات لا تقل عن 24 % لكنها بعد الثمانينات من القرن المنصرم تراجعت إلى أقل من 13 % نتيجة الدور الكبير للإعلام وعمليات التغريب. الخطاط والباحث التركي ‘خسروا صوباشي’ أشار إلى أنّ كتابة القرآن الكريم بالخط العربي أتاحت فرصة مهمة لتطوير الحرف العربي واكتسابه خصائص جمالية وإبداعية في تركيا. وقد رعت الدولة العثمانية ومثقفوها هذا الاتجاه ودعموه حتى وصل الخط العربي إلى قمة الجمال والإبداع. كما سعوا إلى تثبيت قواعد الخط المتمثلة في أشكال الحروف ونظام الأسطر وتركيب الكلمات. وقدّم الباحث نماذج موسعة لأهم الآثار التي تركها الخطاطون الأتراك كبُعد تزييني في فن العمارة والمساجد والأضرحة المنتشرة في تركيا والعالم العربي أيضاً، وبشكل خاص بعد هجرة العديد من الخطاطين الأتراك إلى العواصم العربية إثر انهيار الخلافة العثمانية وتغيير حرف الكتابة في تركيا.

البحث الأخير في هذا المحور كان بعنوان ‘الترجمة الأدبية بين الأصيل والوسيط في الساحة التركية’، للدكتور ‘نور الدين جفيز’ من تركيا. إذ أشار الباحث إلى حضور أمهات الكتب العربية القديمة في اللغة التركية كالمعلقات السبع، المقامات، نهج البلاغة، طوق الحمامة، وآداب الملوك للثعالبي.. وسواها كثير. لكن الترجمة من الأدب المعاصر ما بين العربية والتركية هي الأقل، وقد تمت غالباً عبر لغة ثالثة وسيطة، هكذا قرأنا نجيب محفوظ أو أدونيس مثلاً، بينما الترجمة المعاصرة من التركية إلى العربية عانت من هذه الإشكالية قليلاً ثم سعت إلى تجاوزها، فترجمات ‘ناظم حكمت’ و’يشار كمال’ و ‘عزيز نيسين’ وصولاً إلى ‘أورهان باموق’ تتّم من التركية مباشرة. وطالب الباحث بتشجيع عمليات الترجمة المباشرة بين اللغتين العربية والتركية. المحور الثالث والأخير أتى تحت عنوان ‘الفنون والعمارة’، وقد تحدث فيه الدكتور ‘عفيف بهنسي’ من سورية عن تحوّل عمارة بلاد الشام منذ القرن السادس عشر، والمهندس ‘محمود زين العابدين’ قدّم رؤية معمارية حول مساجد سورية في العصر العثماني، أمّا الدكتور ‘يوسف نعيسة’ فقد عرض علينا ملامح من فن العمارة عند العثمانيين وآثارها في دمشق، كذلك الدكتور ‘صبحي ساعتجي’ من تركيا قدّم لمحات عن الفن المعماري السوري في العهد العثماني.

الدكتور يحيى محمد محمود من مصر درس موضوعة تسويق الفن الدمشقي من اسطنبول إلى أوروبا في القرن السابع عشر، وآخذ مثالاً من متحف ‘الكرملين’ في موسكو حيث تكثر فيه المقتنيات الفنية التي صنعت في دمشق وبيعت في أسواق اسطنبول. وبشكل خاص في زمن الإمبراطورة ‘كاترينا’، كالقبعة التي حوت نقوشاً إسلامية أو السيف الذي تنقش عليه عبارة ‘لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم’، وحتى في بولندا وجدت تحف وآثار تحمل النقوش الإسلامية.

الدكتور وجيه كوثراني من لبنان قدم جملة مفاهيم لقراءة موضوعية للتاريخ العثماني الذي ظلم برأيه مؤكدا أن التاريخ العثماني لا ينفصل عن مسار التاريخ الإسلامي العام، وجدلية ‘ابن خلدون’ بين العصبية والدعوة في ظهور الدول واضمحلالها. وأن هذا التاريخ يندرج في محيطه الجيو تاريخي الحضاري المتوسطي والآسيوي. وأثر الهوية القومية بعد عام 1923 في صياغة التاريخ الجديد للمنطقة.

وفي البيان الختامي للمؤتمر خلص المشاركون إلى جملة من التوصيات التالية:*- تكثيف مثل هذه اللقاءات العلمية والفكرية التي تسهم وبشكل كبير في رسم خطوط التواصل والتفاهم للارتقاء بالعلاقات العربية التركية.*- أهمية التنظيم الدوري لمثل هذه المؤتمرات. *- أكد المؤتمر على أهميّة ترجمة الوثائق وزيادة حركة النشر وترجمة الكتب من العربية للتركية وبالعكس لسد النقص المعرفي الموجود بين الشعبين.*- الدعوة لزيادة فتح مدارس تعليم العربية والتركية في كل من البلاد العربية وزيادة تقديم المنح الدراسية لتوفير المزيد من فرص تنشيط تعلّم اللغتين.*- تكثيف حركة النشر والبحث والتوثيق في مجال العلاقات العربية- التركية والدعوة لمراكز البحث للتعاون فيما بينها.*- فتح المجال أمام الباحثين لتعلّم اللغة العثمانية بهدف تحقيق الوثائق العربية الموجودة في الأرشيف العثماني وفتح مكتبات المخطوطات أمام الباحثين العرب والأتراك.*- زيادة تبادل الخبرات والدارسين بين الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والبحثية في الدول العربية وتركيا.*- تبادل تنظيم المعارض المشتركة بين الدول العربية وتركيا في مجالات عديدة، بحيث يتم فتح المجال أمام الشعبين للتعرّف بشكل أقرب لخصوصياتهما.*- تخصيص جوائز مجزية للبحوث والدراسات التي تبحث في توثيق القواسم المشتركة في الموسيقى والثقافة والتراث المعماري والفنون.*- التوافق على الصراحة التامة في تبيان إيجابيات وسلبيات العلاقات العربية والتركية، لبناء تعاون إيجابي مشترك يعتمد على أسس المصالح المشتركة.*- تأليف لجان لإعادة صياغة التاريخ وما شوهته يد الصهيونية في فهم تاريخ الدولة العثمانية.*- إنتاج برامج وثائقية للمحطات الفضائية تظهر التاريخ الحقيقي للروابط العربية التركية منذ بداية الدولة الإسلامية.

ويمكننا أن نلاحظ في هذا المؤتمر غلبة العموميات في الرؤية التاريخية للماضي، ومحاولة البعض رؤية كل ما له علاقة بأقوام وقبائل آسيا الوسطى ضمن الخانة التركية بالمفهوم المعاصر للكلمة، فيصبح السلاجقة والمماليك والأيوبيون وسواهم أتراكا لدى أغلب المشاركين في هذا المؤتمر. ولم يجر التمييز بين الدولة العثمانية وبين الأقوام التي انضوت تحت رايتها، وحتى الذين تطرقوا لمشاريع السلطان عبد الحميد رأوا إيجابياته وأهملوا سلبياته، كما أهملوا كل مساوئ المرحلة العثمانية التي دفعت الشعوب العربية وغيرها من شعوب الدولة العثمانية بمن فيهم الأتراك أنفسهم ضريبتها تخلفا وفسادا وقمعا للحريات، مع أن الدبلوماسية التركية الجديدة تنطلق من مسلمة بديهية تتعلق بتوجه تركيا الغربي بعد إعلان الجمهورية، بما فيه التحالف مع إسرائيل لاحقا ضد الشعب الفلسطيني، مما ساهم بنقل العلاقات العربية التركية إلى حيز العداء المطلق، وكان ملفتا للانتباه أن الخطاب الرسمي للسيد وزير الثقافة الدكتور آغا القلعة كان أجرأ من الخطاب العلمي لأغلب الباحثين وبشكل خاص العرب منهم. فهل تساهم استعادة الماضي عبر وجه أحادي، أو محاولات تجميل ذلك الوجه، وإلقاء كل التبعات السلبية على الصهيونية العالمية أو اليهود كشعب، في بناء مستقبل أفضل للعلاقات العربية التركية؟ وهل نحن نريد حقا استعادة هذه العلاقات مع تركيا كعمق إسلامي، أم تركيا في بعدها العلماني المعاصر؟ اعتقد أن المؤتمر رغم أهميته قصّر عن طرح الكثير من الأسئلة، وغضّ الطرف عن الكثير من الإشكاليات العلقة في فضاء تلك العلاقات الملتبسة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية