د. عصام التكروري تجتاحُ أوروبا هذه الأيام حملة منظمة عنوانها ‘النقاب’ وكأن الحملة ضد التطرف والأصولية الدينية قد وضعتْ أوزارها ولم يبقَ سوى القضاء على آثارها الشكلية، فبلجيكا تنتظرُ أنْ يقرّ مجلسُ الشيوخ مشروعَ قانون الحظر الشامل للنقاب بعد أن أقرته الجمعية الوطنية، وهولندا في طور التحضير لمجموعةِ قوانين تحظر النقاب في سلك التعليم والوظيفة العامة، واسبانيا تزمِع تضمينَ قانون حرية الدين بنداً يحظرُ ارتداءَ النقاب في الأماكن العامة، أما في بريطانيا فقد أصدر وزير التعليم توجيهاً يخوِّل مدراء المؤسسات التعليمية صلاحية منع النقاب في مؤسساتهم. ولكن يبدو أن الحملة على النقاب قد وصلت لمنتهاها في فرنسا، ففي الرابع عشر من أيلول/ سبتمبر الماضي أقرًّ مجلسُ الشيوخ بما يشبه الإجماع (246 صوتا مع مقابل صوت واحد ضد) مشروعَ القانون الذي أقرته الجمعية الوطنية الفرنسية في الثالث عشر من تموز/ يوليو الماضي بإجماع المصوتين (434صوتا) والذي يُحرِّم ارتداء النقاب في الأماكن العامة، لكن هذا القانون لن يدخل حيزَ التنفيذ إلا بعد أن يُعلن المجلس الدستوري الفرنسي منتصف الشهر المقبل مطابقته للدستور، أمرٌ في حال حدوثه سيجعل من فرنسا البلد الأوروبي الأول الذي يفرضُ حظراً شاملاً للنقاب على إقليمه الوطني.
مضمونُ هذا القانون يجعل المرأة المُنقبة عُرضة لغرامة قدرها 150 يورو يمكن لها أن تكونَ مشفوعةً ‘بدورةٍ تدريبية على المواطنة’ كعقوبة بديلة أو إضافية، أما الشخص الذي يجبر المرأة على ارتداء النقاب باستعماله العنف أو التهديد أو عبر إساءة استعمال السلطة فيعاقب بالسجن لسنة واحدة غرامة قد تصل إلى 30 ألف يورو. هذا القانون سيدخل حيز التنفيذ بعد ‘فترة وساطة’ مدتها ستة أشهر يتم خلالها شرحه للاتي يضعن النقاب لإقناعهم بنزعه، بمرور هذه المدة سينزل بهم العقاب حيث تقع عليهم عيون البوليس الفرنسي اللَّهم باستثناء بيوتهم.
في الحقيقة، القراءة المتأنية لهذا القانون تجعلنا نلاحظ أنه لم يسبق للجمهورية الفرنسية الخامسة – منذ قيامها عام -1958 -أن عرفت قانوناً على هذه الدرجة من الاْرتباك، ولا نبالغ إنْ قلنا أنَّ هذا القانون في حال رؤيته للنور سيشكل عجيبة قانونية لجهة مضمونه ولطريقة تبنيه ولحجم الرهان السياسي عليه. فالنص المُزمع تصديقه يفتقر إلى الخصائص الجوهرية التي تميز القانون عن الأوامر التعسفية الصادرة عن حكومة ابرتايد، فمن المعروف أنَّ اْبرز ما يميز القاعدة القانونية هو كونها قاعدة عامة مجردة لا تخاطبُ شخصاً بعينه أو واقعة بذاتها وإنما تُطبق على كل شخصٍ اجتمعت فيه الصفات المستلزمة للتطبيق، وعليه فمن هذا الزاوية يبدو قانون الحظر الشامل للنقاب قانوناً فئوياً بامتياز فهو يطالُ وبحسب الإدارة المركزية للاستعلام الداخلي (DCRI) – 357 إمرأة من بين أربعين مليون إمرأة فرنسية من بينهم أربعة ملايين إمرأة مسلمة تعيش في فرنسا.
علاوة على ذلك، فالقانون يُشكل انتهاكاً واضحاً لمبدأ إقليمية القوانين الذي يقضي بأن النطاق المكاني لتطبيق القوانين يتحدد بإقليم الدولة ويشمل كلَّ مقيمٍ على هذا الإقليم دون تمييز بين وطنيين وأجانب، هذا المبدأ تبدو الحكومة الفرنسية عازمة على تجاوزه لأسباب محضّ اقتصادية، ففرنسا طَمأنت – سراً وعبر بعثاتها الدبلوماسية- بلدانَ الخليج العربي على أنَّ قانون الحظر الشامل للنقاب لن يطالَ السائحاتْ المنقباتْ القادماتْ من تلك البلدان، موقفٌ مماثل أعلنته سويسرا التي يُقدر عدد المنقبات فيها بالعشرات، فوزير العدل السويسري صرَّح أنَّ حكومته عازمة على تمرير قانون مماثل للقانون الفرنسي ولكن بعد إيجاد’ تخريجة قانونية’ تستثني السائحاتْ الخليجياتْْ المنقبات لحجم ما ينفقنه من أموال. هذه الاختلالات في بنية القانون انعكستْ سلباً على خاصية الحزم التي تمييز القاعدة القانونية فبدا المشرع الفرنسي تائهاً بين النَفَس التبشيري المسيحي وإنزال العقاب، وبين الحوار مع المنقبات وبين فرض الحَجر عليهن في حال عدم التخلي عن لباسهن، هذا الخلل لا بد له أن يؤثر سلباً على تنفيذ القانون الذي عُهِد به للشرطة الفرنسية سيئة الصيت في مجال تطبيق كل ما يمت بصلة للمهاجرين أو للفرنسيين من أصول مهاجرة، هذه الخطوة تُعد خرقا لمبدأ فصل السلطات فلقد أصبح رجل الشرطة الفرنسي ـ وليس القاضي- صاحب الصلاحية للمفاضلة بين الغرامة كعقوبة أصلية تُفرضُ على المنقبة وبين إخضاعها ‘لدورة تدريبية على المواطنة’ كعقوبة بديلة أو إضافية، هذه الصلاحية المُثيرة للريبة تجعلنا نتوقع مزيدا من الانتقادات للسلطات الفرنسية من قبل هيئات قضائية ومنظمات حقوقية أوربية. علاوة على هذا كله دفعت فوبيا النقاب فرنسا للتنكر لأهم الأُسس التي يقوم عليها نظامها السياسي والقانوني ألا وهو العلمانية، فمن خلال الجدل الذي شَهدته الساحة السياسية الفرنسية حول مشروعية القانون لم يتردد وزيرا العدل والداخلية والعديد من برلمانيي الحزب الحاكم عن تكرار الفتوى التي أصدرها إمامُ الأزهر الشريف الذي اعتبر أنَّ النقاب ليس بفريضة أو عبادة وإنما عادة تتنافى مع روح الإسلام، في الحقيقة حجم التركيز على موقف الأزهر جعلنا نعتقد بأن الإسلام السني يُشكل أحد مصادر التشريع المنصوص عليها في الدستور الفرنسي تماماً كما هو الحال في الدستور المصري.
بالرغم من كل هذه المآخذ لم تتراجع الحكومة الفرنسية عن هذا القانون مُعتبرةَ الحظر الكلي للنقاب ضرورياَ لحماية الأمن والنظام العام وقيم النظام الجمهوري والكرامة الإنسانية. هذه الأسس جميعا لم تُقنع مجلس الدولة الفرنسي بشرعية التحرك الحكومي، وعليه فقد أعلن في شهر ايار الماضي أنَّ حظرَ ارتداء النقاب بشكل كامل لا يستندُ إلى أي أساسٍ قانوني صريح إضافة ً لما يثيره من شكوك حول موضوع دستوريته. هذا الموقف لم يردع الأغلبية النيابية عن التصويت منفردةً على هذا القانون فاسحة المجال لسابقة لم يعرفها تاريخ المؤسسات الدستورية الفرنسية فلأول مرة تتفرد الأغلبية النيابية بالتصويت على قانونٍ تمتنع المعارضة كاملة وفي كلا المجلسين عن التصويت عليه. علاوة على ذلك، لم يعرف تاريخ الرقابة على دستورية القوانين في فرنسا أنْ يقومَ الفريق الذي اقترح القانون وصوَّتَ عليه بالطعن بدستوريته، فالطعن في دستورية القوانين يهدف أصلاً إلى إسقاطها لذلك كان على الدوام من اختصاص المعارضة، ولكن ما حصل مع قانون الحظر الشامل للنقاب هو إن الغالبية النيابية التي صوتت لصالح القانون هي ذاتها من طعنتْ بدستوريته. خلط ُ الأوراق هذا يجعلنا نتساءل عن السبب الذي دفع المعارضة (الحزب الاشتراكي والشيوعي على وجه الخصوص) لعدم التصويت ضد القانون رغم إعلانها أن القانون قد يُشكل امتهاناً للإسلام، والدافع الذي حدا بها لعدم الطعن بدستوريته رغم إقرارها بأن القانون قد يتعارض مع أحكام الدستور. بتقديرنا موقف المعارضة هذا ينطوي على بُعدٍ انتخابي لا يخلو من انتهازية واستخفاف بمبدأ سمو الدستور، فالمعارضة تدركْ أنْ الوزنَ الإنتخابي للجالية المُسلمة يوازي إلى حدٍ بعيد الوزن الإنتخابي للمتطرفين من اليمين الفرنسي، وعليه ففي حال أعلن المجلس الدستوري عدم دستورية قانون الحظر الشامل للنقاب تكون المعارضة قد كسبت الجالية المُسلمة، ولكن إن حدثَ العكس كانت المعارضة أقرب لكسب أصوات هذا اليمين أو في أسوأ الأحوال حجب أصواته عن ساركوزي الذي سيبدو فاشلاً بتحقيق حلم اليمين بفرنسا سافرة الوجه. من هذا المنظور تبدو مهمة المجلس الدستوري حاسمة فهو مدعوٌ – في خضم حملة تسييس القانون- إلى أنْ يُثبتَ نفسه كحامِ للحقوق والحريات الأساسية التي كفلها الدستور الفرنسي وكرسها المجلس هو عبر أحكامه. بالاستناد إلى هذين العنصرين – الدستور والاجتهاد المستقر- تبدو حظوظ ُ قانون الحظر الشامل للنقاب للفوز بمباركة المجلس قليلة، فالعلمانية لا تصلح أساساً للقبول بالقانون كونها – ووفقا لاجتهاد المجلس الدستوري- تعني أن تتخذ الدولة موقفاً واحدًا منْ الأديان جميعها الأمر الذي لا يحققه القانون بصيغته الحالية. واستطراداً يبدو القانون منافياً لمبدأ حرية الاعتقاد المُصان بالدستور من منطلق انه يمنع النساء من ارتداء ثياب يعتقدون على صواب أو على خطأ- أنها تُشكل جزءاً من عقيدتهم الدينية. كما لا يصلح المبدأ الدستوري المتعلق بحماية الكرامة الإنسانية أساساً للحظر الشامل للنقاب إذ لا يمكن للمشرع أن يحدد بشكلٍ مسبقٍ للأشخاص البالغين الأفعال التي تُشكل اعتداء على كرامتهم، ثم إذا كان ارتداء النقاب بالإكراه ينتهك الكرامة الإنسانية فالعدل يقضي أنْ يطال العقاب المُكرِه بوصفه فاعل الجريمة وليس المُكرَه بوصفه الضحية، ثم هل يجوز باسم حماية الكرامة الإنسانية أنْ نحرمَ المرأة من حقوقٍ كفلها لها الدستور الفرنسي والمعاهدات الأوروبية والدولية لحقوق الإنسان كالحرية الفردية وحرية التنقل والحق بالعلاج والتعليم والمساواة بالإستفادة من المرافق العامة، كل هذه الحقوق ستضحي المرأة المُنقبة محرومة منها في حال دخول القانون حيز التنفيذ.
وعليه فأمام المجلس الدستوري الفرنسي حلان: إما بطلان القانون بإعلان عدم دستوريته، أو إيجاد تسوية تقوم على الموازنة بين الحقوق التي ينتهكها القانون من جهة والأمن والنظام العام من جهة أخرى، تسويةٌ كهذه ممكنة في ظل سلطة المجلس الدستوري بإعلان دستورية القوانين مع التحفظ – فمن هذا المنطلق يجدر بالمجلس أنْ يُقرَ حظراً جزئياً مُقيدا في الزمان والمكان على ارتداء النقاب بحيث يُحرم وضعه في الأماكن التي يستوجب الدخول إليها مراعاة إجراءات أمنية خاصة (البنوك) أو تلك التي يتطلب الدخول إليها إجراءات تفتيش خاصة (المطارات ومحطات النقل) وفي أوقات معينة (حالة التأهب القصوى تحسباً لهجوم إرهابي). باتخاذه واحداً من بين الموقفين المذكورين أعلاه يمكن للمجلس الدستوري الفرنسي أنْ يجنبَ فرنسا الإدانة التي قد تصدرها بحقها المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان على غرار تلك التي أصدرتها بحق تركيا يوم فرضت حظرا كاملا على النقاب، الموقف المُتخذ لن يكون انتصاراً للمتطرفين – كما يروج بعض مؤيدي قانون الحظر الشامل للنقاب- بل انتصاراً للمؤسسة الحقوقية الأوروبية التي باتت عرضة للمساومة والتسييس، فأوروبا اليوم تبدو عاجزةً عن التوفيق بين حقيقتين: الحقيقة الأولى هي أنَّ الإسلام بات الدين الثاني فيها، أما الحقيقة الثانية فهي أنَّ البنيان الديمقراطي لأوروبا والذي يُفترض أنه قائم على مبادئ المساواة والتعددية يُرتب أنْ تأخذ الحقيقة الأولى كل أبعادها الاجتماعية والسياسية بشكل يحقق اندماج المسلمين- أوروبيين كانوا أم مهاجرين- في المجتمعات الأوربية ويجنبهم الإنزواء الذي يعد سبباً مباشراً لكل أشكال التطرف، ولا نُبالغ إنْ قلنا أنَّ انتشار النقاب في فرنسا كان ردة فعل متطرفة على قانون حظر الحجاب في المؤسسات التعليمية العامة (عام 2004) بوصفه قانوناً لا يخلو من تطرف بالتعامل مع ظاهرة جدّ هامشية.
لقد كان أولى بأوروبا إنْ تحاربَ التيار السلفي وتقطع جذوره الاقتصادية بدلاً من محاربة ضحاياه، فالإحصائيات تفيدُ أنَّ واحدة من أربع منقبات هي فرنسية اعتنقت الإسلام على أيدي سلفيين يعيشون في التجمعات السكنية الأشد فقراَ في باريس.
في ظل هذا الواقع يظهر الدفاعُ عن المرأة المنقبة وليس النقاب دفاعاً عن امرأة محصورة بين مطرقة التطرف الديني السلفي الذي يسجنها في جسدها وسندان تطرف الدولة الذي سيسجنها في منزلها ويحرمها من حق السير في الشوارع ودخول المشافي والحدائق واستعمال المواصلات العامة، حقوقٌ باتت القوانين الأوروبية تكفلها حتى للمجرمين وتمنعها عن المنقبات اللاتي سيصبحن قريبا حبيسات النقاب والمنزل وبلاد واسعة اسمها أوروبا. ‘ محام ودكتور في القانون العام وباحث في القانون الدولي