حكومات لا تمزح في البطش وقطع الارزاق: معضلة المراسلين العرب

حجم الخط
0

توفيق رباحيـ أخيرا تحررت قناة تلفزيون ‘فرانس24’ الفضائية من الخوف والتردد فانتقلت من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر ببداية البث على مدار الساعة قبل أيام معدودة.

احتاج الفرنسيون الى دهر لكي يتجاوزوا الخوف ويقتنعوا بحاجة القسم العربي في قناتهم الدولية الى البث 24 ساعة، وبأن البث ساعات محددة في اليوم مضيعة وقت وجهد ومال، والأسوأ يترك انطباعا سيئا وسلبيا لدى الجمهور ـ خصوصا العربي ـ يجعله يعود بذاكرته الى الاذاعات السرية أثناء الحرب الباردة.

وبالمناسبة نظمت نقاشا للموضوع مساء السبت في برنامج ‘نادي الصحافة’ حاول القائمون عليه طرحه بموضوعية وحياد، وهو أمر وفقوا فيه الى حد ما، لأن النقاش تميز بالتواضع وخلا من الغرور ومدح الذات (رغم أن التواضع المفرط والموضوعية الزائدة قد يجلبان الملل ويضران أحيانا بالنقاشات العامة، خصوصا المتلفزة). لا يهمني من كلام الذين شاركوا في ذلك النقاش غير ما قالته مديرة القسم العربي لـ’فرانس24′ ناهدة نكد دفاعا عن القناة وماضيها القريب وعن طموحاتها.

ما زلت أسأل نفسي عن هوية هذه القنوات الموجهة للعرب من عواصم غير عربية: هل هي أعجمية ناطقة بالعربية، أم عربية بروح (وفي جغرافيا) أعجمية؟ نعرف فقط أن سبب إطلاقها من طرف الحكومات الفرنسية والبريطانية والتركية والروسية والأمريكية (والإيرانية؟) هو كون الجمهور المستهدف بها يعيش في منطقة موبوءة بكل أنواع الأوبئة والهموم، ومقبلة على مستقبل غامض، أمنيا وسياسيا واجتماعيا. ولا يبدو أن الكمّ ونسب المشاهدة من أولويات أصحاب هذه المحطات، وإلا كان هؤلاء الناس الطيبون أطلقوا قنوات موجهة الى الصين بالصينية.

أعترف بأنني لم أستوعب بعد ما الذي يدفع حكومة غربية الى إطلاق قناة تلفزيونية ناطقة بالعربية تصرف عليها أموالا طائلة.

قالت السيدة ناهدة نكد إن ‘فرانس24’ تحاول تقديم إعلام مختلف. كلهم قالوا هكذا (وسيقوله اللاحقون). قبلها بـ48 ساعة كنت أقرأ مقابلة صحافية مع مسؤولة البرامج في تلفزيون ‘بي بي سي’ العربي، نجلاء العمري فقالت الكلام نفسه. ولو سألنا القائمين على قناة ‘العالم’ لأعادوا على مسامعنا الكلام نفسه، وكذلك سيفعل القائمون على ‘روسيا اليوم’ و’الحرة’ والتركية الناطقة بالعربية.

وفي نهاية المطاف، كل هذه القنوات تقدم إعلاما متواضعا لا مختلفا، عدا برنامج هنا وتحقيق هناك.. إلخ، رغم ما تتمتع به من حرية وهامش استقلال، ورغم المناخ الصحي ـ نظريا ـ الذي توجد به هذه القنوات، والتقاليد المهنية والإدارية العريقة التي قامت عليها (حالة ‘بي بي سي’ و’الحرة’ و’فرانس24′ على الأقل). وقالت السيدة نكد بثقة كبيرة ان لا أحد من المسؤولين السياسيين والإداريين اتصل بها يوما وسألها لماذا تطرقتم لهذا الموضوع أو لم تتطرقوا لذلك الموضوع (بل استغربت أن صحافيين بالقسم اقتربوا منها للسؤال هل بامكإنهم التطرق للموضوع الفلاني). مرة أخرى كلهم يقولون هكذا. هو الكلام نفسه الذي يقوله مسؤولو ‘بي بي سي’ العربي و’الحرة’ و’روسيا اليوم’ وربما ‘العالم’. وهذا لا يعني انهم غير صادقين. بالعكس، هذا هو الواقع، والحمد لله أن هذه الحكومات لم تنزل بعد الى هذا المستوى. لكن هل المشكلة فعلا في هذا النوع من التدخلات التي يمكنني أن أصفها بأنها رقابة بدائية؟

أن يسألك صحافيون بباريس أو لندن هل من الممكن التطرق لموضوع يرونه محرجا أو حساسا، فهذا مؤشر على مشكلة ما وذهنية ما، وربما على وجود رقيب صغير يقبع في مؤخرة دماغ الواحد منهم. لكن دعونا نتفق على أن الأهم أن المشكلة ـ الرقابة ـ من نوع آخر وفي مكان آخر. إنها غير مطروحة بحدة في باريس وموسكو ولندن وواشنطن وأنقرة. المشكلة مطروحة في العواصم والبلدان التي يوجد بها الجمهور المستهدف. مثال للتوضيح: هل المراسلون بالعواصم العربية أحرار تماما في الحركة والعمل؟ العاملون في هذا الحقل، وأنا منهم، يعرفون أن المراسلين في أغلب العواصم العربية يمشون فوق حقول ألغام ويعانون الأمرين، ويتعرضون لكل أنواع الضغط وحتى الابتزاز، أقلها موضوع الاعتماد وقبوله وتجديده (وأنا أكتب هذا الكلام أمامي خبر عن اعتزام مراسلي ‘الجزيرة’ بالرباط، الزميلين أنس بن صالح ومحمد البقالي مقاضاة وزارة الإعلام المغربية لأنها تمتنع عن تجديد اعتمادهما). المراسلون بشر، والبشر خطّاؤون (وخوافون كذلك) وعندما يصبح اعتماد أحدهم (يعني قوت أولاده) في الميزان، لا يمكن أن يلومه أحد على تراجع أدائه كمّاً ونوعا. وكلكم تعرفون أن حكوماتنا لا تمزح في البطش وقطع الأرزاق.

تمنيت لو طُرح سؤال على كل واحد من مراسلي الفضائيات (العربية والأعجمية) في العواصم العربية: هل أنت واثق من أن حكومتك ستجدد لك الاعتماد في المرة المقبلة؟ أجزم غير مخطئ بأن الجواب سيكون بنسبة 99 في المئة: لست واثقا. لأن لا أحد منهم يضمن تجديد ـ أو عدم سحب ـ اعتماده في أي يوم لأي سبب. ولا يحتاج الأمر الى سبب وجيه كي يُحرم أي مراسل من الاعتماد. أسوأ ما في الأمر أنه يقوم أيضا على أمزجة سياسيين وضباط مخابرات وبيروقراطيين ليس بالضرورة أنهم يتابعون ويقيّمون كل أعمال المراسل.

وعليه أطرح سؤالا آخر: ما هو ثمن اعتماد مراسل في عاصمة عربية؟ الجواب: مرتفع، أو لنقُل: لا يوجد شيء بالمجان مع هذه الحكومات المتفننة في الإكراهات. إذا اعتُمد واحد وتعرض لمضايقات (أو كان جبانا، وهذه حالة انسانية) فهو نوع من الرقابة. وإذا اختارت المحطة عدم اعتماد أي مراسل في هاته العاصمة أو تلك فهذا أيضا نوع آخر من الرقابة (غير منصوص عليه بعد في المواثيق الدولية ولا تحتج عليه ‘مراسلون بلا حدود’ وشقيقاتها). هناك مسألة أخرى، لا أعرف هل يجب أخذها بإيجابية أم العكس، هي أن الحكومات العربية لا تأبه كثيرا لما يُبث في النسخ العربية من هذه الفضائيات بقدر حرصها على ما يرد باللغة الأعجمية. وقد لفتت السيدة العمري الى هذا الأمر ببرنامج في ‘بي بي سي’ عن تأثير الأزمة المالية العالمية على إمارة دبي، وقالت إنه لم يحرك شيئا في الامارات عندما بُث بالعربية، لكن النسخة الانكليزية تسببت في ‘عاصفة من المشاكل والانتقادات’، حسب كلامها. رغم ولعهم بما هو أعجمي، لا يتوانى المسؤولون بالمنطقة الموبوءة عن مضايقة المراسلين، خصوصا إذا كان الواحد من هؤلاء من أولاد البلد قدره أن يعيش هناك. وتزداد حسرة المراسلين المساكين عندما يشاهدون الترحاب الذي يلقاه الموفد الأعجمي عندما يأتي لتغطية حدث معين وينصرف، خصوصا إذا كان اسمه بعيدا عن ‘حُمّد’ و’عُبّد’ و’توفق’ مثلي و’سلم’ مثل سليم عزوز!

أختم بشيء آخر مما قالته السيدة نكد عن تحسن ‘فرانس24’ العربية لغويا. مما قالته: ‘لا أحد يستطيع اليوم القول إن الأخطاء اللغوية هي أحد عيوبنا’. ربما هذا صحيح الى حد بعيد، خصوصا ولا تكاد تخلو محطة تلفزية واحدة من أخطاء النحو والصرف. لكنني أستطيع أن أسجل أن في ‘فرانس24’ بالعربية، هناك صحافيون وقارئو تقارير إخبارية ما زالوا يقولون ‘فابيو كابيلّو مدرب المنتخب البريطاني لكرة القدم’ (حدث هذا الأسبوع الماضي)، وما زالوا يقولون ‘البرلمان الانجليزي’ بينما القاصي والداني يعرفان أن لا وجود لمنتخب بريطاني لكرة القدم، ولا وجود لشيء اسمه البرلمان الانجليزي.

أتمنى أن تكون المرحلة المقبلة لتصحيح هذا النوع من الأخطاء، لمصلحة ‘فرانس24’ قبل غيرها.

نعومة زائدة!

ـ ناقشت إحدى حلقات ‘كلام نواعم’ على قناة ‘ام بي سي’ موضوع السيدات العربيات المتزوجات من خارج أوطانهن وتحرمهن قوانين بلادهن من منح جنسيتهن لأولادهن. وهذه مأساة عربية مخجلة، وفيها من الظلم ما يصل لدرجة الكفر، خصوصا عندما تخرج الحالة عن المألوف كأن يتوفى الزوج أو يحدث طلاق مثلا، لكن ‘النواعم’ ركزن على السعودية، ربما لأنها الأقرب للقناة، وربما لأن المشاكل التي تكون المرأة طرفا فيها، صارخة ومعبرة أكثر عندما تكون في السعودية.

موضوع فعلا ذو شجون، لكن استوقفني كلام قالته إحدى ‘الناعمات’ مخاطبة ناشطة تحاول تغيير هذا الواقع المأساوي: ‘انتو ليه ما بتشرحوش.. ليه ما تقولوش للبنت اللي عايزة تتزوج اجنبي انه حيصل معك كيت وكيت وكيت!’. هذا بدل ان تنتقد هذه القوانين المخزية وواضعيها من الذكور.

نفهم أن يطرح الموضوع بحذر شديد (انتم على بالكم واحنا على بالنا) لكن أن يتم ليّ عنق الحقيقة بهذا الشكل، فهو ما ليس جميلا.. ليس لهذه الدرجة يا ‘ناعمة’!*كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية