د. فايز رشيد جاء في الأنباء أن تركيا وروسيا بصدد العمل على حل أزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، استناداً إلى حقيقة مؤداها أن هناك دولة يهودية شرعية، كانت قد تأسست في العام 1928 في بيروبيدجان الروسية، تطبيقاً لسياسة ‘القومية العلمانية السوفييتية’ وقالت صحيفة ‘كاونتر بنش’ الأمريكية اليسارية، ان الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف أعلن أثناء زيارة غير مسبوقة لبيروبيدجان مؤخراً، أن روسيا تدعم فكرة إقامة موطن لليهود في بيروبيدجان الروسية.
وأضافت في تحليل كتبه الصحافي والكاتب اريك وولبيرغ، أن ميدفيديف ونظيره التركي عبد الله غول يعكفان حالياً على تشكيل تحالف يضم بلداناً عربية، وأخرى غير عربية بهدف حل القضية الفلسطينية، خصوصاً أن روسيا تمتلك مفتاحاً للتسوية في الشرق الأوسط، يتمثل في تلك الدولة. وأشار وولبيرغ أن لا شيء يمنع اليهود الروس الذين كانوا قد هاجروا إلى إسرائيــــل من العــودة إلى بيروبيدجان، لاسيما أن ثلث عددهم مستبعد على أساس أنهم ليسوا يهوداً أصليين.
ما سبق ليس مسرحيةً من صنع الخيال، ففي عام 1972 في موسكو حيث ذهبت للدراسة، وفي الصف فوجئت وزملائي من الطلبة العرب بأستاذ التاريخ السوفييتي يوجه لنا سؤالاً: هل تعلمون أن هناك دولة يهودية في روسيا؟ بالطبع استغربنا هذه المعلومة (الجديدة بالنسبة لي ولكل واحد فينا). لاحظ الأستاذ حيرتنا وأضاف ان روسيا في عام 1928 قررت إعطاء اليهود منطقة في بيروبيدجان ليقيموا حكمهم فيها، واستطرد في شرح حقوق الأقليات في الاتحاد السوفييتي. كان السؤال الذي خطر على بالي تلك اللحظة ووجهته إلى المؤرخ، ولماذا كنتم ثاني دولة (بعد أمريكا) تعترف بإسرائيل؟ قال جواباً لم يقنع أحدا منا، تمثل في أن إسرائيل عند قيامها وعدت بأن تكون دولة ذات نهج اشتراكي عمّالي في المنطقة، وأن مندوبي الدول العربية آنذاك في الأمم المتحدة كانوا يخرجون من القاعة عندما يبدأ المندوب السوفييتي (كان اندريه غروميكو الذي بقي وزيراً للخارجية في ما بعد لما ينوف على الثلاثة عقود) في إلقاء كلمته، وهذا ما أثّر على الموقف الســوفييتي في عام 1948. بالطبع لم يكن جواب الأستاذ مقنعاً، ليتبين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أن وثائق جرى كشفها وتثبت بما لا يقبل مجالاً للشك، أن اتفاقية جرى توقيعها بين الحركة الصهيونية وستالين، فحواها أن تساعد الأولى الاتحاد السوفييتي في إنتاج قنبلته النووية الأولى، من خلال العاِلم اليهودي الأمريكي اوبنهايمر مدير مركز لوس الآموس (المركز الذي تم فيه تصنيع القنبــــلة النووية الأمريكية) مقابل اعتراف الاتحاد السوفييتي بدولة إسرائيل فور الإعلان عن تشكليها، ولتبين الوثائق أيضاً الدور التخريبي للمنظمات اليهودية والصهيونية في الاتحاد الصهــــيوني، التي تمكنت من اختراق الحزب الشيوعي السوفييتي في مواقع قيادية فيه، لتعمل على تخريب الحزب، إضافة إلى عوامل كثيرة أخرى، أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، ومعه منظومة الدول الاشتراكية. وبالعودة إلى الموضوع المطروح، لماذا لا يشّكل هذا الحل قضية نرفعها كشعار فلسطينيين وعرباً؟ فالدولة اليهودية عملياً قائمة على الأرض الروسية، لاسيما أن الصهيونية في بداية تشكليها طرحت خيارات عديدة لإقامة دولة لليهود فيها، ومنها الأرجنتين، كندا، موزمبيق، الكونغو، أوغندا، وغيرها، مما يعني أن مجرد طرح فكرة هذه البدائل يعني فيما يعينه، زيف مقولة ذلك (الارتباط الروحي الديني التاريخي) لليهود في أرض فلسطين، وبالتالي فإن الطروحات الروحية الدينية التاريخية جاءت وجرى تفصيلها بعد تثبيت فلسطين كخيار استراتيجي للحركة الصهيونية، خاصة بعد اتفاقية كامبل- بنرمان التي عقدت بين العديد من الدول الاستعمارية الأوروبية آنذاك، بهدف منع الدول العربية مستقبلاً من الوحدة، وفصل الجزء الآسيوي من الوطن العربي عن جزئه الآخر في أفريقيا، بزرع قوة معادية لشعوب المنطقة وصديقة لتلك الدول، في فلسطين.
على هذا الأساس جرى اتفاق بين بعض الدول (بريطانيا وفرنسا) مع الحركة الصهيونية لإنشاء دولة لليهود في فلسطين.
هذا الحل المطروح من خلال دولة لليهود في بيروبيدجان، يشكل مخرجاً وحلاًّ مقبولاً للصراع في المنطقة، لاسيما أن إسرائيل ترفض كافة الحلول المطروحة، وهي دولتان لشعبين، دولة بقوميتين (رغم أن اليهودية ليست شعبا، وهي دين وليست قومية) وحل الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة، وتصر على اعتراف الفلسطينيين والعرب وكافة دول العالم بحقها في إنشاء دولتها اليهودية النقية والخالية من السكان الفلسطينيين والعرب.
قد يبدو هذا الطرح مثل الحلم في ظروف الواقع بكل ما فيه من انكسارات وخـــــلل في موازين القــــوى القائمة لصالح إسرائيل، لكنه قد يبدو حلاً معقولاً في ظروف ناضجة أخرى، خاصة أن صراعنا مع الحركة الصهيونية وتعبيـــــرها العنصري، إسرائيل، هو صراع طويل وهو صراع على الوجود وليس على الحدود. كذلك وفقاً للقوانين الإسرائيلية، يجوز الجمع بين جنسيتين للمواطن الإسرائيلي. وما دام الإسرائيليون كلهم مهاجرين، فكل واحد منهم بالتالي يمتلك جنسية البلد التي هاجر منها، وبامكانه العودة اليها من دون عراقيل، وهذا حل في غاية العملية والواقعية.
ســـــواء أعجب هذا الحل الإسرائــــيليين أم لم يُعجـــــبوا به، فهم أحرار! ولعلنا نســتذكر أبياتاً قلـــــيلة مما قالـــــه الشاعر الفلسطيني محمود درويش في رائعته (عابرون في كلام عابر): آن أن تنصرفوا وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننافاخرجوا من أرضنامن برنا… من بحرنامن قمحنا… من ملحنا… من جرحنا. آن أن تنصرفوا يبقى القول، ان ما ذكرته الصحيفة الأمريكية من خبر، يتضمن اقتراحاً، نثني عليه ونتبناه.. وهو مفتوح للنقاش… وبحاجة إلى مؤيدين كثيرين، فعبروا عن آرائكم.’ كاتب فلسطيني