حماتي يا حياتي

حجم الخط
0

عام 1986: كانت هناك أغنية انتشرت في مدارسنا يصاحبها تصفيق ولعب بالأيدي تقول كلماتها’ حماتي إلا حماتي إلا مثل الغوريلا طبختلي محشي فزرتلي بطني’. لن أعلق على الأدب، أو بالأحرى قلته، في الكلمات، فالظاهر انا كنا نرددها كالببغاء من دون فهم لمعناها… بعد أكثر من عشرين عاما عام 2010: جاءت ابنتي من المدرسة تعلب لعبة بنفس المضمون وهي عبارة عن شكوى بنت لأمها من زوجها عبد الفتاح وأمه وتقول’ عبد الفتاح يا ماما عبد الفتاح، وداني عالتاكسي شربني ببسي وطقت حماتي، وداني عالباص لبسني ألماس وطعماني انجاص وطقت حماتي، وداني عالبالة لبسني زبالة وفرحت حماتي’ اكتشفت بعد أن سألت ابنتي أنها لا تفهم حقيقة معنى الحماة، ولماذا تفرح بزعل الكنة وتتألم لفرحها، وأن الأمر عندها لا يعدو مجرد لعبة تعلمتها في المدرسة! كيف تسربت هذه المفاهيم والأغاني الوضيعة لهذا الجيل الصغير وللأجيال من قبله وللمدارس في الأزمنة المختلفة؟ من يكتبها ويروجها ولماذا نحفظها ونرددها من دون تفكير؟ لقد تمت شيطنة صورة الحماة وعلاقتها بالكنة في الإعلام والأمثلة والقصص الشعبي، وأصبحنا نرى أن النمط العام للحموات هو القوة والسوء والأذى ونجهز بناتنا للتعامل مع ذلك بالمناطحة أو المناكفة ورد السوء بالسوء أو التجنب والهجران. و قد ساد السوء لدرجة أنه إذا كانت الحماة طيبة تجد المجتمع ينصحها بأن تصبح ذئبة حتى لا تأكلها الكنة، وإذا أرادت الكنة أن تعاملها كأمها يقولون لها: هبلة وراح تستلبسك.

و تنسى الحماة أنها كانت كنة في يوم من الأيام وربما عانت من حماتها، وبدل أن توقف مسلسل الأذى والتسلط تضيف الحموات الجديدات فنونا مبتكرة من كيد النساء، مما جعل أحد الأفلام الكوميدية يشبه الحماة بأنها قنبلة ذرية! وأصبح من حسنات أي خاطب ومميزاته المعتبرة التي لا يمكن التغاضي عنها أن تكون أمه قد انتقلت الى الرفيق الأعلى. لماذا ترضى الحماة أن تمارس هذا الدور الشراني وتجعل من نفسها قدوة سوء؟ لماذا تزوج ابنها من الأصل إذا أرادت أن تنكد عليه وتبقيه تحت جناحها وسمعها وبصرها وتحشر أنفها في كل صغيرة وكبيرة في حياته؟ الأ تذكر أنها عندما تزوجت كانت تريد من حماتها أن تمنحها فرصة للاستقلال والخصوصية في حياتها الزوجية؟ لماذا تفرغ عقدها في كنتها وحياة ابنها الزوجية؟ لماذا لا تجعل الحياة الجديدة فرصة للتداوي والتغيير والمصالحة مع النفس؟ لماذا يصغر عقلها لتضع نفسها في مكان المقارنة مع الزوجة، مع أن فضل الأم لا يوازيه فضل، ومحبة الأم وبرها مختلفة تماما عن محبة الزوجة والإحسان إليها! هل ستسعد إذا نكدت الحياة على ابنها وكنتها وهدمت بيته؟ لماذا لا تذكر أن ابنتها في دار حميها ستُعامل بنفس الطريقة التي تعامل فيها كنتها؟ فالمرء كما يدين يدان، ألم تعلم أن النار تحرم على كل هين لين سهل كما جاء في الحديث الشريف؟ لقد طغت الصورة السلبية للحماة ‘القرشانة’ كما يقول المصريون ولم تبق للحموات الطيبات فسحة للظهور بما عندهن من خير ولطف وحسن خلق، فالمجتمع لا يعدم أمهات في صورة حموات يتقين الله في النساء، ويرحبن بالقادمة الجديدة الى الأسرة ويفتحن لها القلوب قبل الأبواب، ويبذلن الوسع عند الحاجة، ويحفظن قدرهن ومنزلتهن من الالتفات لتوافه الأمور، ولا يتدخلن الا عند الضرورة، فكما يقول المثل ‘ابعد تحلى’، بل إن من الحموات من تكون عونا للكنة على ابنها عند وقوع المشاكل وتشاركها خبرتها في التعامل مع الزوج. هؤلاء الحموات هن التي تشتاق لهن الكنة وتحفز زوجها واولادها على برها وتعتبر زيارتها غنيمة ووجودها في حياتهم نعمة. لا نعلم لماذا قد تؤثر حماة أن تكون مهابة مكروهة تتجنبها أسرة ابنها وتتقي شرها على أن تكون نوارة الأسرة ومستودع سرها وحضنها الكبير! بل إن الكارثة الكبرى أن الحماة لم تعد وحدها بل أصبح لها أعوان من بناتها يتحكمن بالكنة إذا لم تستطع الأم أن تقوم بالدور المطلوب.

نعم هناك حموات طيبات وهن كثيرات ونحن بحاجة الى أن نعمم سيرتهن ونروي قصص حياتهن حتى يذهب الخبث من حياتنا وأذهاننا وثقافتنا تدريجيا. نقبل يد كل حماة خيرة طيبة تحن على كنتها كما تحن الطيور على فراخها وتذهب حزن فراق الأهل وتجعل من نفسها أما ثانية، ونعتذر لها عن كل إساءة في الكلام والتصوير والكتابة نالها من وزر الحموات المستذئبات لا أملك أن أكتب عن الحموات الطيبات من دون أن أذكر الأم الحنون والقلب الرؤوم والنسمة العذبة التي تصون العهد وتحفظ الود وتعطي من نفسها ليسعد أولادها وأحفادها، حماتي الحاجة أم خالد أيوب، وندعو الله أن يبارك في عمرها وعمر مثيلاتها فوجودهن بركة في حياة من حولهن. د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية