مصطفى بدويشاعر وروائي، قاص وكاتب من أصل تونسي. هيبيرت حداد واحد من أجمل أصوات الأدب الفرنسي المعاصر، وأحد الكتاب الكبار كما تشهد على ذلك روايته الكونية ‘ هندسة حلم’ التي تمتزج فيها الحقيقة بالخيال والشعر. كتب حداد ما يفوق خمسين عملا أدبيا رفيعا، أغلبه في جنس الرواية. ينتمي حداد إلى مجموعة ( كواندو) للتخييل الجديد التي ظهرت في بداية التسعينيات بفضل تنظيرات الناقد جان لوك مورو ( 1992)، وضمت فريديريك تريستان ( صاحب جائزة الغونكور الشهيرة 1983) وجان ليفي مارك وجورج أوليفيي. . وهي حركة غير متداولة أدبيا في عالمنا العربي بسبب الترهل الثقافي الضارب في مؤسساتنا الثقافية!! وللاقتراب من عوالم وانشغالات واحد من أقطابها، ارتأينا الإنصات إليه من خلال تحقيق قامت به مجلة ‘ ماغازين ليتيرير’ حول كتاب البحر الأبيض المتوسط، بحيث طلبت منه الاقتراب من الحلم الأدبي الكبير لهذا المتوسط، فكان هذا الحوار العميق الذي يؤكد لنا قدرة الآخر في استيعاب ثقافتنا في الوقت الذي نغط فيه ـ ونحن مطمئنون إلى ترهلنا – في سبات رحيم وفي لغط عقيم. ( المترجم)* يحدد ادغار موران البحر المتوسط كما لو أنه ( حقيقة -جغرافية واستراتيجية) تشير الى ( حقيقة شعرية وميثولوجية) هذا المتوسط اللامادي الذي يتجاوز الحدود القومية هل له وجود في نظرك؟* ولدت في تونس، من أصل تونسي من جهة الأب، ومن يهود ذوي أصل بربري، جاؤوا من قسنطينة ووهران بل من المغرب. . هدهدتني اللغة العربية المتداولة بشكل استثنائي من لدن الوالدين صغيرا والعبرية باعتبارها طقسا في العديد من الحفلات أو طقوس الحداد، إذ تحمل الثقافة العبرية ـ العربية ( ؟ ؟!) للمنفى هذه الحقيقة المتوسطية أكثر من أية ثقافة أخرى مسجلة إياها في ذاتها من اسطنبول الى قرطاج ومن الاسكندرية إلى( ليفورن) ومن برشلونة الى بيروت. هاجر الأسلاف الى هنا وهناك على هذه الضفاف ومزجوا الموسيقى بالنكهات والخرافات. يتردد اسم شهرتي الذي يعني بالعربية ( الحداد) بعض الشيء في كل مكان على ضفاف الجنوب ( جنوب المتوسط / يقصد): لبنان ـ مصر ـ تونس ـ الجزائر. وفي زمن السلاطين وأيام بورقيبة، كانت تونس مركزا كوسمبولوتيا، كما هو الشأن في كل المدن الكبرى التي تحيط بهذا ( البحر الأبيض المتوسط) في مرحلة أو في أخرى. لقد خلقت هذه التبادلات المتعددة عبر القرون من الكيان المتوسطي واحدا من ثلاث أو أربع بؤر للحضارات الكونية. وثنيات الهلال الخصيب منذ مرحلة ( أوروك) ومصر والفينيقيين والحقبة الهيلينية وروما وبيزنطة والانتقال العثماني والاسلام والمسيحية والنهضات والفلسفة والعلم المعاصر: كل شيء أتى من المبادلات المسموح بها بفضل هذا البحر المسيج. هذه الحقيقة الشعرية والميثولوجية التي يتحدث عنها ادغار موران هي نوعا ما هالة وطيف حيوي لحقيقة ملموسة منذ آلاف السنين من قبل. ليس لدينا الوسائل لقياس طبيعتها الحقيقية اليوم. من الممكن أن تستبدل القوالب الحضارية المؤسسة جغرافيا بركام تكنولوجي ذي استعمال توافقي، لكن الجوهر المتوسطي ينضد جيدا معارف متناثرة، ويبقى متجذرا بشكل قوي في المتخيل للابقاء على قيمة التقديم.* في أي شيء تنعكس هذه التعددية المتوسطية في هويتك ككاتب وكائن إنساني؟ * حقيقة المتوسط هي هذا التعدد في الوجوه تحديدا. بالنسبة الى طفل المنفى هي بالأحرى متخيل مبني على حقيقة في نشاط دائم ( يسمه بالزلزالي / المترجم) مقارنة بالتفتحات الخارقة. تأتي التباينات الخلافية من عدم القدرة على التفكير في الأصل أو الأصول المشتركة، ما دام كل واحد يدعي امتلاك حقيقة استثنائية. تدافع السلط المنزوية على امتيازاتها عن نفسها بأقصى ما يمكن. . هكذا، فهل تعطي وجه العدو لمن يشبهك بسبب الخوف من الألفة التي لا تخاطر بأن تكون توحيدية رسميا؟. أنا المخترق بالعروبة أكثر من العبرانية، الشغوف بثقافات اليونان والإسكندرية، المشتغل بنوع من التحريم الحلمي منذ نعومة أظافري، أمتلك هذا التنوع وهذا التباين، بمعنى أنني لا أجد في أي مكان ولا في أية لحظة تجذرا معينا، سوى ذاك الذي للغيوم والبحر واللازوردي العميق. الهوية في منظوري هي الطعم الأعلى الذي يتلاعب به الفن ويعاكسه. لا يفتأ الكاتب أن يستدعي الاخرين الذين يسكنونه. . بالنسبة للكائن الانساني فهو نسيج من الخرافات والروائح، من الدراما والأفول. ليست هنالك هوية أصلية بل تعاقبات متقلبة نضبطها باعتبارها منظارات بعيدة المدى تحت الضوء!* من دون شك توجد آداب متوسطية أكثر من وجود كتاب متوسطيين. بالنسبة إلى البعض، ألا تعبر المواضيع المحفورة في البيئة المتوسطية عن الكثير من أعمالهم؟ وعندما تقرؤون كتابا آخرين متوسطيين ألا تجدون فيهم سيماء العائلة؟* الكون المتوسطي الذي ندعيه هنا وهناك لتجاوز تمايزات الهوية المميتة: نحن الآخرين – عربا، برابرة، يونانيين، أتراكا، أقباطا، لاتينيين وساميين، مسيحيين، يهودا، مسلمين أو إنسانيين متحررين، سليلي النوميديين والفرس، والبابليين الآشورييين أو مصر الفرعونية، لدينا نفس هذا البحر، هذه البركة التي غنت عبرها على الدوام أصوات أصيلة: أيوب وأفلاطون وميمون ( اليهودي/ يقصد) وابن عربي أو سان أوغسطين الذين لم يوقفوا في أية لحظة ارشادهم. طبعا، هذه الميتا – حضارة المتوسطية هي نتاج آلاف الحروب والغزوات والصراعات التي لا تغتفر. لكننا، نعتبرها حقيقة شبه عضوية على امتداد الزمن. الثقافة هي ما يبقى بعد كل الاقتتالات. كان ينبغي انتظار آلاف السنين لتولد حرة على ضفاف كريت أو اسبانيا. ومن المتوسط أحتفظ بنوستالجيا هي الظل الحامل لمعرفة ضائعة من أجل الأساسي، ذاك الذي يتضمن العناصر الطبيعية والضوء والأصوات القديمة بجمال شرس ومهووس بالصحراء. رواياتي ممتلئة بهذا الغياب وهي تكشفه أحيانا من الواجهة ( فواحدة) من تلك الروايات ( تعيد زيارة تونس أيام المستنصر الذي أراد لويس التاسع أن يحوله عن دينه؛ رواية أخرى عن فلسطين اليهود والمسلمين وقصص عديدة أخرى تعيد استثمار الأساطير الاغريقية أو المصرية ). طبعا، أعيد قراءة ( الأوديسة) و ( ألف ليلة وليلة) بنفس العاطفة، لكن ليس هناك بالضرورة توافق جمالي أو حسي لدى معاصريّ (بتشديد ياء المتكلم / المترجم) في الحوض المتوسطي. فالتنوع في العمل حتى وان كانت لديه مصادر متشابهة يشبه بالأحرى التباين في مقابل الغنى الاعصاري للثقافات التي ننحدر منها. الشعراء المنشدون والقصائد الملحمية ( التي كان ينشدها رواة محترفون / المترجم)ظلوا أحياء. إننا نعمل لحفر اختلافاتنا كيلا نشبه لحنا جماعيا مشوها، كي نفكر بشكل أفضل في غاياتنا. ويوما بعد يوم، ينتصر الابتكار على التعليق واللون المحلي، مبتعدا بالإضافة إلى ذلك عن التعرف على نفسه في فولكنر أو دوستويفسكي أكثر من ميله الى نزعة شرقية مبتذلة صارت موضة. أو ليست طريقة لتأبيد هذه الموزاييك الكبيرة ربما حيث رقصة الخلود استعادة لـ ( أومبيدوكل)وملحمة جلجامش وابتكار الاله الواحد، والأسطورة المشجرة لديونيزوس والمسيحية من يسوع الناصري حتى ساباتاي تزيفي، وفلسفة المجوس الاسكندرية ووجد الصوفية والموسيقى والشعر العبري – العربي والكونسرتو الواسع للغات واللهجات. كل ذلك، يتكتل، في لحظة ما، لسفري الشخصي في ( فلامنكو) مرتجل للغجر الأندلسيين مثلا أو عند الانصات لشحاذ من مدينة نابولي قد يمنحني فكرة حكاية. كل واحدة من خيالاتنا تبدو مشبعة بإشاعة رسولية كما كان يفعل قديما الغزاة من الفايكينغ أو الهانس أو حشود المصطافين الذين هم بلا شك في موقع جيد لتحديد هوية الكائن المتوسطي، اذا ما وجد!
على هذه الضفاف، يشبه الشرق والغرب وجهي ( جانوس): واحد يتجه نحو الذاكرة والاخر نحو النسيان. كيف لا نسمع الصوت الألفي لـ (يودا هاليفي) (وهو يقول / المترجم): ( قلبي في الشرق وأنا من أقصى الغرب) دونما رغبة في تسجيل الهوية؟
؟!* ما هو فن العيش متوسطيا؟ هل يبدو مختلفا عنه بالنسبة للمجتمعات الأمريكية أو الأوروبية الشمالية؟* (ليس الهم هو أن تعيش، لكن أن تعيش بشكل جيد ) هذا ما يقول أفلاطون في هذا الصدد. فن العيش- متوسطيا – هو أن تأخذ زمن الظل. ( سرعة الظل) ليست لها بالتأكيد اية علاقة مع سرعة الضوء المعمول بها في المجتمعات ما بعد – الغربية.
في العمق، في فن العيش هذا كل فنان يقوم بعمله. هل كان الفن تخلف المعلول عن العلة في الشرق؟ نستطيع تكرار تصريح للمتصوف الأكبر الحلاج ( الذي يقول): ( امتزج عقلك بعقلي كما يمتزج العنبر بالمسك العطر). كل واحد يمتزج ان قليلا أو كثيرا بالفضاءات الساحرة.* إذا اعتنينا بالتجارب التي تغيت تفكيك الرواية ( الرواية الجديدة) وتأسيس خطاب نقدي أكبر من موضوعه، نلاحظ أنها كلها تأتي من الشمال. وعلى النقيض من ذلك، الكثير من الكتاب المتوسطيين ابتكروا أشكالا جديدة، لكن هذه الابتكارات كانت صالحة دائما لمساعدة الحكي. ماذا ترون في هذا الفرق؟ كتب من قبيل ( الكون)(*) أو ‘ هندسة حلم’ ألا تجعلك في تقاطع هذين القطبين؟* هاتان الروايتان عن المنفى تسائلان وتقلبان نظام النوع في احتفالية بالتخييل من جانب الى آخر. ليس السرد هو ما يميز الشرق المتوسطي، لكن الحكاية والشعر غير القابل للتفضيل. يستطيع الروائي الغربي الاعتماد أكثر على علمه كمهندس فلاحي منه على الأصوات الخفية للاشعور. هذا لا يمنع كون الفلسفة النقدية والفيلولوجيا اللتين وجدتا في اليونان القديمة ازدهرتا لدى كبار الوسطاء العبرانيين والعرب: من طهران الى ( كورفو). هذا المقطع الذي ذكره( أورهان باموك) لابن عربي يتضمن بقوة منذ ألف سنة قبل الان كل التفكير البورخيسي الذي حظي بعناية في الآداب الغربية ( يقول/ المترجم): ( قرأت كتابا، بعد ذلك وجدتني أدرس أرقام و حروف الكتاب، ففهمت بفضل الخط أن النص قد كتب من لدن ابن الشيخ عبد الرحمن قاضي مدينة حلب. وعندما راجعت أفكاري، وجدتني أكتب الفصل الذي أنتم بصدد قراءته. فجأة، فهمت أن الفصل المكتوب من لدن ابن الشيخ والفصل الذي قرأته في حالة انخطاف، كانا نفس فصل الكتاب الذي أنا بصدد كتابته)!!.* تقدم بعض الشخصيات الروائية المبتكرة من لدن كتاب متوسطيين مظهرا ـ لا جدال فيه ـ للعائلة.. هل صادفت من قبل في روايات الكتاب المتوسطيين شخصيات أو صورا تتشابه كثيرا مع شخصيات متوسطية أخرى؟ مع شخصياتك؟* الروائيون مسكونون بوجوه أسطورية أو نصف خرافية يصادفونها غالبا في مدائن أحلامهم. نستطيع أن نؤسس كاتالوغا لهذه الشخصيات المتوسطية التي تكتبنا أكثر مما نصفها: الشحاذ الأعمى في ( أوديب)، الأرمل الأورفيوسي، طفل السطوح أو الكهوف، البطريارك المسلوب الحقوق، الزوجة المطرودة، عوليس الذي لم يعد أبدا، انها أليغوريا صافية للمتوسط. كم من ( كليوباترا ) و ( أنتيغون).. لم يتوقفوا عن عبور الفضاءات الروائية الأكثر اختلافا. غير أن الأبطال من أصل غربي هم الذين يتصدرون في أيامنا هذه ( الأعمال الروائية / يقصد) أكثر من الوجوه الشرقية في أوروبا منذ لافونتين ومونتسكيو وفلوبير: فلنبدأ بـ ( ميرسو) لكامي و( الخلاسي) لجوليان سوريل قبل قتله بقليل، وجوزيف.
ك، وبطل رائعة دريو ( لوفو فولي)* باختصار شديد، هل تؤمنون بتأثير المناخات في الأدب؟ * تأثير المناخات في الأمكنة والأمكنة في الثقافات لا توفر أدبا، مهما كانت هذه الأخيرة أكثر اشباعا في القبول الملحمي أو الرثائي منه في انكارهما. من نيهيلية ( جورجياس) الى النشوة الصوفية، من ( الغطاسات) الفارسية أو مقامات الحريري الى الـ ( دون كيخوطي)، عرف المتوسط ولادة وازدهار كل الألوان وكل الفروق الدقيقة للحلم الانساني الكبير. لكنْ، لكل فنان هامة في سماء طفولته وأرجل في تراب منفاه. اذا كانت المناخات تؤثر، فذلك يتم بحسب الأزمنة والأخلاق. وعندما نقرر الذهاب للبحث عن الضوء كما فعل ( سيزان) أو ( فان غوغ) في ( البروفانس)، أو ( بيكيت) في تونس، بمعنى أنها تؤثر أقل من المنفى. ففي مواجهة الصحراء سقطت الأصنام في الغبار، والروائي يلعب أكثر بهذا الغبار منه بالاله الواحد، أو قل: إنها تؤثر عن بعد كما هو الأمر مع شمس هوميروس أو الرياح الموسمية على الأراضي المنخفضة للنيل عندما يفيض. (*) رواية ( الكون): كتبها هيبيرت حداد على صيغة معجم (!!)، والسارد فيها فاقد للذاكرة منذ البداية، بحيث يحاول البحث عن حكايته الخاصة تماما كما القارئ!! أجرى الحوار: أليكسيس بروكاس – مجلة ‘ ماغازين ليتيرير’ ـ العدد 498