جمال ناجي ما إن ولجتُ الحافلة، حتى أبصرتُ ذلك الرجل العابس، بمعطفه الخشن، وشفتيه المطبقتين القاسيتين.حينما اقتربتُ منه، ألقيت التحية على مسمعيه، في محاولة للفت انتباهه إلى ضرورة لملمة ساقيه المنفرجتين وباعه المفتوح حول الجريدة التي يقرؤها.أكثر من هذا، أنني عمدت إلى استعراض بقية مقاعد الحافلة بعيني، لكي أشعره باضطراري إلى الجلوس لصقه بسبب امتلاء المقاعد الأخرى بالركاب، غير أنه لم يلتفت إليّ أبدا، ما دعاني إلى البحث عن مبرر لترفّعه عن الرد على تحيتي. قلتُ في نفسي، لا بد أن الرجل منهمك بقراءة خبر مهم في الجريدة، ثم قلّصتُ جسمي وجلست بعناء إلى جانبه عله يتيح لي فرصة الظفر بمساحة مريحة من المقعد.غير أن هذا لم يكن وارداً عنده فيما بدا لي، بدليل أن الحافلة تحركت وانطلقت من دون أن يتحرك هو، وبدليل انه لم يحفل بتململي وبتنهداتي التي أردت من خلالها إشعاره مرة أخرى بوجودي المنكمش إلى جانبه.حينما ضايقتني طريقته المكشوفة في تجاهله لي، قلت بأدب:- لو سمحت، ابتعد قليلا كي أرتاح في جلستي. وراعني أنه رد على احتجاجي ببرود غريب، وبلغة فصحى لا لحن فيها:- لستُ مستعداً للتضحية براحتي من أجلك.ثم أطبق شفتيه بقسوة، كأنما ليتخلص من آثار تنازله المتمثل في الرد على احتجاجي.الحقيقة أن صوته الصلب أثار في نفسي شيئا من الجزع الذي ترسخ حينما لمحتُ جلد يده المشدود بقوة إلى الوراء حيث الرسغ البارز، غير أن هذا لم يمنعني من معاودة المطالبة بحقي في اقتسام المقعد معه مناصفة، لذا جمعت نفسي وقلت:- طيب يا أخي، وراحتي أنا؟- لست مسؤولا عن راحتك.- لكنك حققت راحتك على حساب راحتي أنا؟قلتها بغيظ وانفعال، فردّ بذات الصوت الصلب:- ليكن، المهم أنني مرتاح.ما زاد من دهشتي أن الرجل لم يكلف نفسه عناء النظر إليّ أثناء إطلاقه عباراته المحددة، بل ظل ينظر إلى الجريدة بعينين جامدتين.قلت له:- لكن راحتي أيضاً مهمة، ألا ترى بأنك لا تفكر إلا بنفسك؟فرد بذات البرود ودون أن يلتفت إلي:- وما الخطأ في هذا؟ الخطأ؟ تساءلتُ، ثم قررت في نفسي بأنه لن يحصل بيني وبين الرجل اشتباك بالأيدي طالما انه يفكر بهذه الطريقة، لذا تجرأت وقلت ممعناً في استفزازه:- الخطأ أن الذي لا يفكر بغيره هو أناني.وتوقعت أن يرد على هذا الاستفزاز بشيء من الحدة، غير أنه صعقني ببروده الغريب حينما قال:- ما الخطأ في أن يكون المرء أنانياً؟- الأنانية صفة سيئة.- سأريحك، أنا سيىء، ولكن ما الخطأ في هذا؟ – ألا يهمك أن تكون سيئا؟فهز رأسه إلى الوراء كأنما ليقول لا، فسألته بفزع:- لماذا؟ لماذا لا يهمك؟ – لأن راحتي هي الأهم، أما أن أكون سيئاً، فهذه تظل مسألة نظرية لا علاقة لها براحتي.- عظيم، وكيف تفصل بين النظري والعملي في حالتك هذه؟- العملي أنني مرتاح في جلستي، أما النظري فهو أنني سيىء. في تلك الحافلة دار بيني وبين الرجل حديث ساخن حول مفهوم الأنانية والنظري والعملي والخطأ والصواب، وكان من الممكن أن يستمر ذلك الحديث حتى قيام الساعة، لولا أنني التفتّ فجأة إلى الوراء فرأيت بيتي عبر زجاج الحافلة وهو يبتعد، بينما تسير الحافلة بسرعة، فنهضت كالملدوغ، وأحسست بأن جسمي يتمدد ويعود إلى طبيعته بعد انكماشٍ استمر طوال الطريق، وقبل أن أغادر المقعد، قذفتُ في وجهه عبارة أخيرة حانقة:- أتدري؟ انت أسوأ مخلوق رأيته في حياتي.فنظر إلى وجهي وهو يبتسم، ربما لأول مرة في حياته أيضا:ـ تذكر أنني عبر هذا الحديث أنْسيتكَ حقك في اقتسام المقعد معي.كاتب من الاردنqd