د.
عبد الرح
يم الإدريسيلا شك في أن تأمل موضوع النقد الأدبي والتفرغ للتفكير في ماهيته الجوهرية أمران مهمان، نحن أحوج ما نكون إلى طرحهما في الواقع الثقافي عامة بعد التحولات المختلفة التي ألمت بالعالم المعاصر. وإذا كانت سرعة التحول والتغير ميزة هذا العالم اليوم، فإن النقد الأدبي يعد من الحقول المعرضة لذلك التغير، بما أنه موصول به ودافع إليه في الوقت نفسه. لكن تغير النقد الأدبي لا يقع دفعة واحدة، مثله مثل الأحداث والوقائع الفجائية، بل يعتبر، مقارنة بما سواه من الظواهر المادية والعلمية، في أدنى درجات التحول والتغير، لأن جذور النقد الأدبي راسخة في التساؤلات الكلية والأبدية. غير أن المشكلة تكمن أحيانا في أن الدراسات النقدية المغربية والعربية تتكاثر كما يتكاثر النسل والمال والبناء والاستهلاك، فنظن في ذلك تراكما تنبني به الخبرة النقدية والجمالية بناء اللاحق على السابق.
إن ثمة من المقاربات الحديثة ما يُعوِّل في دراسته للموضوع الأدبي على ضبط المفاهيم وتحديد أصولها وفروعها، غير أن التراكم الذي حققته هذه المقاربات كشف من المشكلات المعرفية ما جعل غاياتها تتنكر لمسعاها الأول والأساسي، وهو تمثل الوظائف الجمالية والإنسانية للأدب. ولا يعني ما أشرنا إليه التهوين من قيمة الاجتهادات النقدية والنظرية المغربية والعربية، بل الدعوة إلى تحرير الأنظار من جاذبية الاعتقاد والتسليم، وإعادة التفكير في علاقة الناقد بتلك الاجتهادات ونقلها إلى مجال المساءلة والمراجعة بما يجعلها موضوع التحليل وأداته في الآن نفسه. لكن كيف السبيل إلى الإسهام في تحرير النقد؟ وكأننا بهذا السؤال نفتح بابا لدراسة مستقبل أحد أهم فروع الفكر الإنساني المعاصر، تلبية لحاجات الإنسان لتقويم نظره إلى قضايا ومشكلات ترتبط بوجوده وسط تحولات وتدفعه إلى تغيير إدراكه لذاته ولوضعه في العالم ولطبيعة علاقته بالآخر.
إن موضوع تحرير النقد يبدو أمرا مقبولا ومسوغا، نظرا إلى أنه حتى إذا اشتطت الفكرة وجمحت بعيدا، فإن معنى كلمة ‘تحرير’، بخلاف ما قد يُظن، لا تحيد بنا عن التأمل في السبل المقدرَّة لمعالجة بعض المشكلات النقدية والجمالية التي تقيد حيوية الناقد العربي في زماننا المعاصر. ذلك أن معنى ‘التحرير’ في اللسان العربي يناسب غايتنا في هذا المقال، لأن النقد الحر في رأينا تتجاذبه قيمتان، بقدر ما هما متقابلتان هما متساندتان. إحداهما: الحرية وهي إزالة القيود التي تعوق فاعلية الناقد النقدية والجمالية. والثانية: التقييد، وهو إجادة تخصيص إمكاناته وقدراته لخدمة الأدب.
بذلك تصبح مهمة الناقد مضاعفة وصعبة، تبتدئ بتمثل تلك القيود النقدية والجمالية المعاصرة وتَبيُّن آفاتها واستبصار عيوبها، ثم تخلص إلى اقتراح ضوابط وإمكانات توجه الإشكال النقدي إلى تدبير أدائه التقويمي للعمل الأدبي.
إن بناء المفهومات ونحت مدلولات المصطلح النقدي يعدان من أهم الوسائل والإمكانيات الموصلة إلى تأصيل معرفة نقدية وجمالية سليمة من الآفات التي صارت تواجه الناقد وهو يستسلم للتجريد والتفكيك وتضخم المفهوم وكل ما لا يطمئن للمعاني الكلية التي يمكن استيحاؤها من الإبداع الإنساني، ولا يولي الأهمية للكتابة النسقية والمتساندة، بل يحتفي بسيولة المعاني وتعددها وتشذرها ويصبح ذلك إنكارا للمعنى وللتواصل بين البشر وارتيابا تقويضيا للمدلول الكلي الذي يمنح الواقعَ تماسكَه ويبني عليه الإنسان إنسانيته ‘اللغة، التاريخ، القيم الثقافية والاجتماعية…’ فيقع الناقد في شرك هذا التفكيك والتبديد ويكون بين أحد الأمرين:- إما أن يظن أن ما بدا إبهاما أو اعتباطا أو حشوا مثلا في الإبداع الأدبي والفني، لم يكن كذلك، فيفرط في الإعجاب به ويرى أن ثمة مسوغا جماليا يدعو إليه، فيقتحم متاهات مثل هاته المفهومات، ويصرف المقاطع والصور إلى دلالات يعتقدها مجازية مشتبهة وخفية.- أو يحمل نفسه على التشكيك في قدرته على القراءة والتقويم، فيحسب في ذلك عمقا يقصر عنه إدراكُه، وتوهجا يستسره ويعجز جهدُه عن تمثله، فينتقل من إفراطه في الإعجاب به إلى الشعور بالعجز عن تلقيه.
والنقد الذي يُضخم المفاهيم هو النقد الذي يعتبر اجتهاده غاية ومقصدا، فتتحول مفهوماته، خلافَ وظيفتها الجمالية، إلى ‘وصفات ساحرة’ أو’ مقولات صنمية’ ترتفع عن كل تقويم ومساءلة حتى صارت حُجبا تسهم بقوة في تعطيل ملكة القراءة وتحول دون أي تفاعل حيوي بين النقد والإبداع الأدبي. وتلك آفة أبعدت النقد عن القيام بدوره الثقافي بعدما كان يقود مركبة التطوير والتجديد في مختلف جوانب الفكر.
لذلك يقيم النقد الحر تصوره على سبل سلامته من تلك الآفات، وعلى شرط تقويم أداء مكوناته المفهومية حتى تستقيم مع الإشكال الجمالي القريب من جوهر قضية النقد الأدبي، المتمثل في القيم التعبيرية التي يعتمدها المبدع لأجل تخييل تجاربه وتصوراته تخييلا مؤثرا ومنسجما. وهي قيم تستحق أن يتطلع إليها الناقد بكليته ويجتهد في استثمار تلك الإمكانات النقدية المحررة للاقتراب منها والحكم عليها.
إن من مشكلات النقد المقيد، كما سبقت الإشارة أنه يسيج غايته بالتسييج النظري للمفهوم، فبدل أن يكون آلية توسُّـل يصبح موضوع توصُّـل، فيختل المنطق ويتضخم المفهوم ويتصنم. ولا غرو أن تنتفي حرية النقد وتفتر حيويته حين يقام الصنم.
لكن نهج إقامة الإشكال النقدي القريب من جوهر قضية النقد الأدبي والقيم التعبيرية التي يعتمدها الإبداع، يعيد ترتيب العلاقة بين التوسل والتوصل وفق منطقها الصحيح، وعلى خطة تقويمية تُخضع المفهومات النقدية مثل الصورة والشاعرية والانشطار والتكثيف والتجريب وعبر النوعية وقصيدة النثر مثلا للتعديل والتسوية، لأن كل مفهوم خلا من مساءلة الناقد له وتقصي جوهره قبل توظيفه أو نقل سماته إلى حقول جديدة، يعد في النقد الحر لغواَ، إذ أن المفهوم النقدي إما أن يكون من وضع الناقد واقتراحه أو من وضع واقتراح غيره. وإذا كان من وضع غيره، وهو الغالب في نقدنا العربي المعاصر، فإن الناقد لا يُوقف تصورَه له على تصور واضعه بعد أن يفهم فلسفته وغايته الجمالية، بل يسهم في هذا التصور تقويما ونحتا وتدقيقا وإضافة وتوسيعا. ولا يعقد اجتهادَه عليه إلا بعد أن يختبر هذا النحت والإضافة في محك إمكانية إمداد النقد والأدب بمزيد من الحيوية والفاعلية، ويصير المفهوم معيارا جماليا قادرا على استشراف ضوابط التكوينات الأدبية وسماتها الجمالية. وبذلك لا مفر من أن يزود هذا التقويم النوعي المفهومَ النقدي بنصيب من التأصيل والبناء، يسندان له قيمة جمالية محددة حتى يصير إمكانية أسلوبية وظيفية قادرة على التصدي للإشكالات الأدبية والثقافية العربية والإسهام في تقييمها.
وإن هذا النوع من الاجتهاد ممارسةٌ نقدية لا ثقلَ فيها ولا تضخم ولا تجريد، وإنما هي اقتراح لطيف يكون نفاذه في الموضوع الأدبي على قدر لطافته. وتلك غاية أثيرة وتوصُّـلٌ عزيز قد يسعفان في إيجاد حل للمشكلات النقدية المعاصرة والتعرف إلى إمكاناتها النوعية المميزة، وكذلك التصدي لآفاتها ومظاهر خللها بصورة قد تصدم بعض القراء والباحثين الموصولين بالدعاوى النقدية العربية المعاصرة. ولا شك أننا اليوم أحوج ما نكون إلى السير في هذا المسلك النقدي بعد ما ضاقت منافذ الحيوية والفاعلية بين النقد والأدب، وبينهما والواقع الثقافي والاجتماعي، خاصة أن حيرتنا في بناء النماذج الفكرية بما فيها نموذج الحياة السياسية والاقتصادية، تأتي من صعوبة التوافق مع روح الحداثة والارتياب في حق محاورتها والإبداع فيها. ولذلك يكون دور الناقد في تحرير النقد من حجبه ومشكلاته خطوة مهمة وضرورية ليصبح حكمه النقدي ‘بصمة جمالية’ قادرة على إعادة التلازم الحي بين النقد والإبداع وإمدادهما بمقومات التأثير الإيجابي في المجال الثقافي عامة.
ناقد من المغرب