حياة كوكب الأرض في خطر!

حجم الخط
0

نصر شمالي

يزعم الأوروبيون والأمريكيون، وفي مقدّمتهم الأنكلوسكسون البروتستانت، أنّ الحضارات البشرية في جميع العصور هي من إنتاجهم وحدهم، وأنّ مركزها هو قارتهم الأوروبية، تليها استطالتهم الأمريكية الشمالية، فهم الورثة المعاصرون للإغريق والرومان القدامى، وفي تاريخهم يتلخص التاريخ الحضاري العام للبشرية، أمّا خارجهم فلا يوجد غير البرابرة والظلام، سواء في الماضي أو في الحاضر.

بالطبع، إنّ ما يزعمون غير صحيح وهو مشين، فالعمران الحضاري العالمي نهض بجهود وإبداع وتفاعل وتكامل جملة المجتمعات البشرية، وإنه لمن المستحيل علمياً ومنطقياً أن يقتصر تحقيق ذلك على شعب واحد من منطقة واحدة، لكنهم تشبّثوا بزعمهم ومكابرتهم، ورأيناهم في عصرهم الحالي يعطون أنفسهم حقوقاً يمنعونها عن غيرهم (وهذا هو بيت القصيد). فهم إدارة العالم السياسية والعسكرية، وبلادهم مراكز إبداعه العلمي، وإنتاجه الصناعي، ومخزونه المالي النقدي، بحيث باتوا يسيطرون عنوة على حوالي الثمانين في المئة من مجمل إنتاج واستهلاك هذا العالم.

ولكن حدث أنّ حياة كوكب الأرض بمجملها بدأت تضمحلّ تحت وطأة قيادتهم الظالمة الفاسدة، فقد أنهكتها احتكاراتهم الشرهة بصناعاتها السامة، وأوصلتها اليوم إلى مرحلة الخطر الشامل الذي لا يمكن أن يستثنيهم من عواقبه، وصار السؤال المطروح على الأمم جميعها هو: هل سنعيش أم سنفنى؟ وإذا بهم أمام هذه المسؤولية التاريخية المصيرية يتصرفون ويخطبون، ويا للعجب، كأنهم طرف دولي يتساوى تماماً مع الأطراف الدولية الأخرى في المسؤولية عن الكارثة التي حلّت بكوكب الأرض، فالولايات المتحدة لا ترى فارقاً في المسؤولية عن الاحتباس الحراري، مثلاً، بينها وبين مملكة البحرين.

يقول تقرير الهيئة الحكومية الدولية، المعنية بالتغيّرات المناخية السلبية، أنّ الاحتباس الحراري ناجم عن النشاط الإنساني، وأنّ الآثار الخطيرة لهذه التغيّرات باتت جلية وواسعة الانتشار، وأنّ الحاجة لتخفيضات كبيرة في انبعاث غازات الدفيئة أصبحت ملحّة جدّا. وقد قدّمت الهيئة تقريرها إلى المؤتمر الدولي حول المناخ، الذي انعقد في كانكون المكسيكية قبل أيام، وبالطبع فإنّ المقصود بالتعبير المهذب، تعبير ‘النشاط الإنساني’، ليس نشاط الدول جميعها، بل نشاط الدول الصناعية الثرية الاستعمارية حصراً.

غير أنّ الاحتكاريين الأمريكيين وشركاؤهم لا يريدون الإقرار والتسليم بمسؤوليتهم التاريخية الخاصة عن الكارثة الكوكبية. إنهم هنا، في قضية كهذه، يرون الأمم جميعها متساوية وشريكة في الحضارة، لماذا؟ لأنّ الإقرار والتسليم بمسؤوليتهم وحدهم، أو بمسؤوليتهم أكثر من غيرهم بما لا يقاس في الواقع، يعني التزامات ضخمة مالية في عمليات مكافحة الاحتباس الحراري من جهة، ويعني نقصاً ضخماً في الموارد المالية التي يحققونها الآن من جهة أخرى، وهم لن يأخذوا على عاتقهم مثل هذه الالتزامات ومثل هذا النقص، إلاّ إذا تحمّلته معهم دولة جزر القمر، مثلاً، بالمقدار نفسه وعلى قدم المساواة.

لقد حضر مؤتمر كانكون ممثلو 193 دولة، وفي جلسة الافتتاح خاطبهم بان كي مون، الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، فحثّهم ـ جميعا ـ على خطوات من شأنها الاتفاق على مكافحة الاحتباس الحراري. قال بان كي مون منذراً: ‘إنّ صحة كوكب الأرض في خطر’! كان الأمين العام يخاطب الجميع، فهو لا يستطيع التوجه مباشرة إلى القلة المسؤولة عن الكارثة، ويبدو أنّ الرئيس البوليفي موراليس رأى الخطاب موجّها أيضاً إليه وإلى أمثاله من رؤساء الدول المنهوبة المستضعفة، فأسرع يقول انّ على المجتمعين في كانكون، خاصة ممثلي الدول الثرية، أن يعلموا أنهم مسؤولون عن وقوع إبادة بشرية جمعية، وعن إرسال جموع الناس إلى الموت، في حال إلقائهم بروتوكول مؤتمر كيوتو في سلة المهملات.

كان بروتوكول مؤتمر كيوتو (في اليابان) قد ألزم الدول الصناعية الثرية تحديداً بتخفيض الانبعاث الحراري المدمّر، ونصّ على عدم الدخول في اتفاق جديد، غير أنّ واشنطن رفضت المصادقة على ذلك البروتوكول، وطالبــــــت بتعديله، أو بصياغة اتفاق جديد يلزم جميع البلدان من دون تمييز بتحمّل الأعباء المترتبة على تنفيذه. وبسبب الموقف الأمريكي تجمّد بروتوكول كيوتو في مؤتمر كوبنهاغن التالي، الذي انعــقد العام الماضي، وها هو يواصل جموده في كانكون، لأنّ واشنطن تريد المساواة الأممية في تحمّل الأعباء المادية لتنفيذه، لكنها ترفض المساواة والتكافؤ في تقدير الموقف وفي اتخاذ القرارات وفي تحقيق التنمية.

لقد حضر مؤتمر كانكون ممثلون عن 134 دولة نامية، بل فقيرة في الواقع، من عدد الحضور الإجمالي (193 دولة). إنّ حوالي 60 دولة تتمتع بمواصفات تتراوح بين الثرية والصاعدة والنامية حقاً، أمّا الدول الفقيرة (134 دولة منها الدول العربية) فمعظم ممثليها لا يملكون الخبرات ولا الخلفيات الكافية للمشاركة في اتخاذ القرارات، لكنّ بلدانهم سوف تكون ملزمة بقرارات المؤتمر في جميع الأحوال، وهي قرارات قد يجري ‘تمريرها’ على حساب حقوق دولهم (كما يشير حبيب معلوف في صحيفة ‘السفير’ 13/12/2010) فتضيع فرصها في التنمية الدولية المتكافئة، وتفرض عليها التزامات ظالمة.

هكذا يجد الإنسان نفسه اليوم في مأزق عالمي خطير، مناخيّ/ بيئي/ وجودي، لا يقارن بأيّ من المآزق السابقة التي أوقعه فيها قادة هذا العصر الأوروبي الأمريكي الصهيوني على مدى القرون الخمسة الماضية، بما في ذلك الحربين العالميتين وقصف المدن اليابانية بالقنابل النووية، لأنّ حياة كوكب الأرض بمجملها تبدو اليوم عرضة لخطر الدمار الشامل، وهو خطر لم تفت بعد فرصة معالجته، أو إيقافه، أو الحدّ منه. ومع أن الخطر لن يستثني الاحتكاريين الأثرياء الأقوياء، ‘صنّاع الحضارة’ المدّعين العنصريين الذين تسببوا في ظهوره، فإنّ هؤلاء، وقد تجلّدت عقولهم وتحجّرت قلوبهم، يحولون دون العمل على تلافي الكارثة المناخية الماحقة، التي سوف تقع في حال استمرار هذا الخطر وتفاقمه.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية