في الواقع الجديد الذي فرضته العولمة الرأسمالية ترفع الدول كل يوم يدها عن القطاعات العمومية ويتحول كل شيء إلى سلعة، التعليم، الصحة، الثقافة وحتى المياه، المجلة الأمريكية، نيوزيوك في طبعتها الانجليزية الأخيرة (عدد 18 تشرين الاول/أكتوبر 2010) تحدثت عن موضوع خصخصة المياه وما يمكن أن ينجر عنها من نتائج اجتماعية كارثية. تحت عنوان ‘النفط الجديد’ أثارت المجلة احد أهم المواضيع التي ستكون لها تبعات خطيرة في المستقبل القريب، خاصة وان الاستهلاك يتضاعف كل عشرين سنة وان الأمم المتحدة تتوقع أن يفوق الطلب العرض في قطاع المياه بثلاثين بالمائة في حدود 2040. بدأت المجلة بالحديث عن عدم التوازن بين الشمال والجنوب، فكثرة هذا المورد الطبيعي الحيوي في الشمال (كندا، الولايات المتحدة وشمال أوروبا) وندرته في بلدان الجنوب يجعله سلعة غالية تتحكم فيه الشركات الاحتكارية الكبرى في البلدان الصناعية، لتضيف إليه معلوم النقل: مثلا، تمتلك منطقة ألاسكا التابعة للولايات المتحدة، ذات المساحة الشاسعة والعدد السكاني المحدود أكبر ثروة مائية، تقدر بمليارات الجالونات من المياه الصالحة للشراب، موجودة في ما يعرف بالبحيرة الزرقاء. قريبا، ستتمكن شركتان أمريكيتان من تحويل جزء كبير من مياهها معلبة ومشحونة إلى ممباي بالهند، ثم إلى بلدان الشرق الأوسط التي تشكو من الجفاف ومن نقص حاد في المياه الصالحة للشراب.
يحاول المدافعون عن خصخصة المياه تقديم حجج واهية حسب المجلة، منها ‘أن السوق هو الوحيد القادر على الحد من الاستهلاك المشط للمياه’ وهو القادر كذلك على تقديم المردود الجيّد، لكن الكاتب يرى ان تحوله الى سلعة يفقده قيمته الاجتماعية الحيوية: فالسلعة في قانون العرض والطلب لا تباع الى من في اشد الحاجة إليها، بل لمن هو قادر على دفع المقابل، لذا فالشركات الكبرى التي ستمتلك حق التصرف ليست جمعية خيرية وبالتالي ‘لا تتردد كثيرا في اختيار حول من تبيعه المياه، لمن هم في حاجة إليها في البلدان الفقيرة أم لشركات غنية، مثل شركة الكوكاكولا وشركة نستلي’، فالأسعار سيحددها السوق، وقانون السوق يستجيب لمن يمتلك الإمكانيات وليس من يحتاج. الى ذلك لا تهتم الشركات الخاصة، في خضم بحثها عن الربح بأقل التكاليف وغياب المراقبة والمتابعة، بعمليتي الصيانة والمحافظة على التوازن البيئي، فكما صرح احد الخبراء ‘الأسواق لا تهتم بالبيئة ولا بحقوق الإنسان، هي تهتم بشيء واحد: الربح’. وقد اعتبر حزب الخضر في ألمانيا، التي لها تجربة كبيرة في مجال خصخصة المياه ان شركات المياه الخاصة ‘لها أسوأ سجل في مجال المحافظة على البيئة’ذلك لان وان ضمّت اتفاقيات التجارة العالمية بندا يهتم بحماية البيئة ويلزم الشركات الخاصة بتطبيقه، إلا أن هذا البند يحمل نقيصة كبيرة لأنه يقتصر على حماية الكائنات الحية ولا يشمل المياه الجوفية والبحيرات والأنهار. ومجلة نيوزويك التي تدافع عادة عن الخصخصة في كل القطاعات تنبه إلى مخاطر ذلك على قطاع المياه. فهي وان تعتبر أن قطاعات أخرى مثل الطعام والطاقة يمكن ان تسلعن (أي أن تصبح سلعة)، فان ذلك لان المستهلك غالبا ما يتوفر له الاختيار بين الغالي والأقل ثمنا، بين ما هو في حدود إمكانياته وما لا يمكنه توفيره، فيمكنه أن يستبدل استهلاك اللحم الأحمر بالدجاج مثلا أو أن يغير استهلاكه للطاقة من النفط إلى الغاز الطبيعي، و’لكنه غير قادر على استبدال الماء أو الاستغناء عنه’. الخطر الداهم هو ان خصخصة هذا القطاع تسير بخطى حثيثة، اذ حسب تقرير للبنك العالمي لسنة 2009، فان الاستثمارات الخاصة في قطاع المياه ستتضاعف في الخمس سنوات القادمة وحين تخصخص كل المياه، وهي إرادة المؤسسات المالية العالمية ‘سينقسم العالم إلى قطبين متناقضين: تلك التي تمتلك احتياطيا هاما من المياه مثل كندا، الولايات المتحدة وروسيا و تلك التي تعاني من ندرتها مثل الهند وسورية والأردن وبلدان الشرق الأوسط عموما. وكالعادة فالبنك العالمي، احدى قاطرات العولمة الرأسمالية، ليس بعيدا عن تعقيد الأزمة، فقد اشترط لتسهيل منح القروض في التسعينات خصخصة المياه في الدول الفقيرة بدعوى التصدي للفساد المالي وتشجيع الشركات متعددة الجنسيات على الاستثمار في القطاع وكانت النتائج كارثية: في بوليفيا مثلا التي طبق فيها برنامج ‘الإصلاح’ هذا، أصبح المواطن يدفع أكثر من ضعف المبلغ مقابل استهلاكه وبقي مئات الآلاف من الفقراء بدون ماء نظيف بسبب كلفته التي تصل الى حدود خمس الدخل الفردي وخرجت المظاهرات في الشوارع ثم تحولت إلى عصيان مدني، إلى ان استرجع القطاع العمومي تسييره، وخلاصة الدرس الذي يمكن الخروج به هو ‘بقدر ما يخصخص القطاع، بقدر ما ترتفع الأسعار ويتضاءل عدد المنتفعين به’. ومع ذلك لازال البنك العالمي مصرا على أن الزيادة في سعر الماء هي الطريقة الوحيدة للمحافظة عليه من التبذير وهو ما يكذبه الواقع، فزيادة أسعار المياه لا تؤثر إلا على استهلاك محدودي الدخل. مثلا، حين ضرب الجفاف ولاية كاليفورنيا في الثمانينات من القرن الماضي، تضاعفت أسعار المياه ونقص الاستهلاك بحوالي الثلث، لكن بطريقة غير متوازنة وغير عادلة: بالنصف بالنسبة لمحدودي الدخل وبعشرة بالمائة فقط لذوي الدخل المرتفع.
وتعتبر المجلة ان الرابح الأكبر من سوق المياه هي البلدان التي تمتلك فوائض مياه وتقدر على بيعها فالشركات الروسية تنوي بيع كميات كبيرة من مياه سيبيريا الى الصين، يضاف الى اسعار المياه طبعا، سعر الشحن والتعليب المرتفع.
لكن حروب المياه المدمرة قادمة حسب المجلة ‘والقاسم المشترك بين النفط والماء هو ان كليهما يمكن ان يقود الى الحرب’ وهناك مشاكل بين دول عديدة أخذت تتفاقم من الآن ووصلت إلى حد تبادل الاتهامات، فالهند تتهم باكستان بتحول المياه من انهار الهمالايا والصين تتهم الهند بتحويل المياه على الحدود بينهما، وسورية والأردن يتنازعان على مياه سد بناه البلدان.
والحل؟ اذا كانت الأمم المتحدة تعتبر الماء من أهم حقوق الإنسان، نادت به لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في مواجهة مخاطر العولمة سنة 2003، كما أكدته في اجتماع الجمعية العامة في الماضي، وإذا أثبتت الأسواق انها غير قادرة على تأمين ذلك دون كلفة اجتماعية وإنسانية باهظة، فالحل يكمن في أن تلعب الحكومات دورا اكبر لإدارة موارد المياه، صيانة وترشيدا وتخطيطا للمستقبل، وما لم نحسن التصرف في هذا المورد الحيوي، فسوف نفقده، وحين يحصل ذلك ‘لا يمكن لأي كان في العالم أن ينقذنا’ من الكارثة الإنسانية.
في رأيي، ان ما يهدد تأمين المياه للمواطنين اليوم ليس فقط التلوث والتغييرات المناخية وتزايد الطلب بسبب تنامي عدد السكان، بل تحويله في عصر العولمة إلى سلعة تتحكم فيها الشركات الكبرى ويخضع لمنطق العرض والطلب، وبالتالي سيحرم منه الفقراء الذين يزداد عددهم يوما بعد يوم بسبب تنامي الفوارق الاجتماعية والطبقية وتحميلهم تبعات أزمات الاقتصاد العالمي وتزايد نسب البطالة وخصخصة كل القطاعات العامة وتدني الخدمات الاجتماعية، لذلك فان سلعنة الماء الذي ظل لمئات السنين إرثا مشاعا يعني سقوط الحصن الأخير الضامن لحق الحياة للجميع.
مسعود الرمضاني – تونس