خط بارليف الذي طرزته جدتي

حجم الخط
0

منذ نعومة أظفاري كان بيت جدتي مزارا لنساء الحي، بحكم انها تجيد مهنة الخياطة والتطريز، اتذكر يوما كنت ارقد بجوارها حينما دفعني حب الفضول لأعرف ماذا تصنع؟ حيث دخلت احدى جارتنا الى حجرة جدتي التي خصصتها للخياطة وجلست امامها حاملة في يديها بضع امتار من القماش وحفنة من الحرير، وطلبت من الخياطة جدتي ان تحيك لها ثوبا مطرزا بالحرير على شكل خط بارليف، فتمتمت جدتي وهزت رأسها، انها موافقة. خط بارليف اسم غريب سمعته لاول مرة فانا لا اعرف بارليف ولا حتى جدتي الامية تعرفه، سوى انها تعرف نموذج التطريز، فالفضل يعود بمعرفتي بخط بارليف لاستاذ التاريخ. اللافت للنظر ان اسرائيل روجت كثيرا لهذا الخط وقالت اذا حاول الجيش المصري عبور القناة ستتم ابادته، وقالت انه اقوى من خط ماجينوه الذي بناه الفرنسيون في الحرب العالمية، فالسياسة والخطط العسكرية اضحت الشغل الشاغل لاهل فلسطين، فهما يتداولان في المجالس وامام الحوانيت حتى على ثياب نسوتنا نرى ملامح السياسة، فاذاعة ‘لوندن’ هكذا كان اباؤنا واجدادنا الفلسطينيون ينطقونها قد دخلت في كل بيت وحارة، منها تعلم الشعب الفلسطيني كيف يحكي في السياسة وتتبع مصير قضيته منذ الانتداب حتى الاحتلال، فمن خلالها عرفوا ما هو الجدار الترابي الذي بلغ طوله 22 مترا المسمى خط بارليف الذي ازيل بخراطيم المياه المصرية وبأيدي مصرية شجاعة وبقرار سياسي مصري، لقد حدثنا التاريخ عندما وصل الجيش المصري الباسل في حرب اكتوبر الى ابواب غزة، عاد الى حيث انطلق بقرار سياسي. بعد ذلك اليوم بدأنا نتيقن ان غزة هي غزة ومصر هي مصر لا يوجد ثمة شبه بينهما الا لغة الضاد، غاب عن بال السادات وقتها بقصد مقولة سيدنا عمر بن الخطاب اذا تعثرت دابة في العراق لسألني الله عنها، هنا يمتحن القادة فسبق السادات سعد زغلول زعيم حسب الوفد الى مؤتمر الصلح، حينما طلب منه التحدث عن فلسطين الواقعة تحت الانتداب، وقتئذ انا لا اتحدث الا عن مصر فقط، فالشعب الفلسطيني رسمت نساؤه على ثيابهن خط بارليف ليتذكرن عارا يجب ان يزول، فرغم انهن ارتدين خط حاييم بارليف المطرز على بضع امتار من القماش كان يعني لهن زيادة الانتماء للامة المصرية وحصره على تقسيم ارض الكنانة بجدار اسرائيلي في قلبها، وبالتحديد في المنطقة الاكثر حيوية وشريان حياتها، فتشرين السورية واكتوبر المصرية ذكرى حرب واحدة خاضتها مصر وسورية معا لتحرير اراضيهما، فلا الجولان عادت ولا سيناء حررت. الجيش السوري عاد بعد الحرب خالي الوفاض وفرح العرب والمصريون بنصر الجيش المصري على الصهاينة حينما بدد خط بارليف. هذا الحلم لم يكتمل بدون فلسطين لماذا يحاول القادة العرب ان يكبحوا رغبة شعوبهم التواقة لتحرير فلسطين اكثر من اثنين وثلاثين عاما مضت على تحرير سيناء تفاوضيا والقيادة المصرية توهم نفسها انها حققت شيئا على صعيدها الشخصي، ان اوهن البيوت لبيت العنكبوت. مصر حرة ومستقلة ومن دون تحرير فلسطين استقلالها ناقص لا طعم له ولا لون. هذا واضح اليوم بعد الحصار المضروب على القطاع والمتاعب التي تعانيها الجمهورية المصرية، فلو كانت فلسطين محررة يعني سيادة فلسطينية كاملة فهذا يعني لا توجد مراقبة امريكية ولا اسرائيلية على مصر، أي لا تحمل الحكومة المصرية ما لا طاقــــة لها به اليوم، يقـــع على كاهلها مسؤولية خرق الفلسطينيين لما يسمى الحدود المصرية الاسرائيلية، الذي اضطرها في النهاية الى بناء الجدار الفولاذي بسبب وجود الانفاق المخصصة لتهريب السلاح والاشخاص والبضائع، فيا ليت السادات اتخــــذ قراره المصيري وأوعز لجنوده بتحرير غزة وباقي مدن فلسطين لوفر على من تربع على كرسي الحكم من بعده عناء التعب الجسدي والفكري واخــــيرا لا بارليف الجــدار بقي ولا ثوب جدتي. تحررت سيناء حسب الرؤية الاسرائيلية وبقيت غزة ترزح تحت الاحتلال.

فتحي احمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية