دراما كعب داير وسينما قابلة للطرق والسحب والاستنساخ!

حجم الخط
0

رحلة الطواف بين الإذاعة والسينما والشاشة الصغيرةالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: الأفلام السينمائية الاستثنائية التي تم تحويلها إلى مسلسلات بدأت في نطاق ضيق جدا واقتصرت فقط على قصص درامية بعينها اكتسبت شهرة واسعة، إما لأنها كانت في الأصل عملاً إذاعيا أو لكونها حظيت بنجاح جماهيري واسع، وترجع أسباب إعادة الانتاج الدرامي لمجموعة خاصة من الروايات أو السيناريوهات إلى رواج سوق التوزيع وتعدد المحطات الفضائية، حيث المعروض لا يكفي الحاجة هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن المتميز بين الأعمال الدرامية بات قليلا للغاية مما دفع صُناع الدراما وتجارها للجوء إلى التراثي والقديم، ومن ثم أصبحت العمليات الاستثنائية ظاهرة، وقد شجع النجاح المتحقق للدراما المنقولة والمستنسخة المنتجين على المضي قدما في هذا الاتجاه، كما حث أيضا النجوم والأبطال على تقمص شخصيات من سبقوهم لتأكيد نجاحهم والتشديد على أنهم لا يقلون عنهم كفاءة وليسوا أقل منهم قامة، والأمثلة الدالة على ذلك كثيرة فهناك مثلا مسلسل ‘سمارة’ الذي تم تقديمه إذاعيا في مرحلة الستينيات وقامت ببطولته الفنانة القديرة سميحة أيوب، أعيد انتاجه سينمائيا بنفس الاسم، ولكن كانت البطولة للفنانة تحية كاريوكا أمام ذات البطل محسن سرحان الذي حالفه الحظ في التجربتين الإذاعية والسينمائية، وحقق من خلالهما شهرة كبيرة ونجاحا لم يكن هو نفسه يتوقعهما.لا شك أن القديرة تحية كاريوكا استفادت كثيرا من أداء سميحة أيوب وربما لعب النجاح الإذاعي للمسلسل دورا بارزا في نجاح الفيلم، بالإضافة للعوامل الفنية الأخرى كالسيناريو والإخراج وغيرهما، وليس ‘سمارة’ هو العمل الوحيد مختلط الهوية بين الإذاعة والسينما والتلفزيون، وإنما هناك نماذج متعددة من الروايات والأعمال جرى عليها مثل ما جرى على ‘سمارة’، ولكن لأن الأخير هو الفارق فنيا وجماهيريا فقد تم التركيز عليه إلى الحد الذي دعا واحدة من شركات الإنتاج الكبرى للتعاقد مع الفنانة غادة عبدالرازق للقيام بدور البطولة وتجسيد شخصية ‘سمارة’ للمرة الثالثة في مسلسل سيذاع في رمضان المقبل، لتدخل غادة في مقارنة فنية وتاريخية مع سميحة أيوب وتحية كاريوكا، وبالطبع لم يأت الاختيار صدفة ولكنه جاء بتأثير الدعاية الضخمة التي تحققت لمسلسل ‘زهرة وأزواجها الخمسة’ رغم الانتقادات السلبية التي وجهت للسيناريست مصطفى محرم والمخرج محمد النقلي والأبطال حسن يوسف وغادة عبدالرازق والآخرين، فضلا عن الدعوى القضائية المرفوعة من المحامي نبيه الوحش ضد البطلة، ولكن على ما يبدو أن كل ما ذكر عن عيوب المسلسل ساهم في رواجه أكثر، فلم تعد العبرة بالجودة والقيمة الفنية وإنما بحجم الضجيج والضوضاء، قبل عدة سنوات أعاد التلفزيون المصري إنتاج مسلسل ‘رد قلبي’ بأبطال جدد كانوا لا يزالون شبابا حينئذ، هم نرمين الفقي ومحمد رياض ومجموعة أخرى من الممثلين، وما إن عرضت الحلقات العشر الأولى حتى بدأت قذائف الهجوم تنهال على البطلين ‘علي وإنجي’ فقد جرت مقارنة تلقائية بينهما وبين شكري سرحان ومريم فخر الدين وبالطبع انتصر المشاهدون للنسخة الأصلية من البطلين التاريخيين، ورفضوا النسخ المقلدة، فالحكم لم يكن على الأداء التمثيلي فحسب ولكنه جاء مشمولا بانحيازات أخرى للمرحلة الزمنية ورموزها ودلالاتها والسياقات الفنية والموضوعية التي وردت خلالها الأحداث، حتى أن مريم فخر الدين نفسها سخرت من المسلسل وتهكمت على من أدت دورها وتقمصت شخصية الارستقراطية في حين أن ملامحها تنضح بالشعبية القحة، وكذلك نال البطل نصيبه من التقريع فلم يكن من وجهة نظر فخر الدين الفتى اللائق بإنجي، وهكذا كان الحكم من جانب الجمهور وأهل المهنة، والغريب أنه مع وجود موجة الرفض لعمليات الإحلال والتبديل الدرامي لم تتوقف الأنشطة ولم يكف ‘ترزية القص واللصق’ عن الفك والتركيب وتشويه الأعمال الكلاسيكية، فمن بين ما تم تحديثه والإضافة إليه والحذف منه فيلم ‘العار’ الذي كتبه السيناريست محمود أبو زيد وأخرجه علي عبدالخالق في فترة الثمانينات، فهذا العمل المهم أراد نجل الكاتب محمود أبو زيد أن يتبوأ مقعده بين كتاب الدراما فلجأ الى تراث أبيه وهداه عقله إلى فكرة تحويل الفيلم إلى مسلسل فكان لزاما عليه أن يعمل قريحته الفنية لتطويل الأحداث ومطها والتحوير في مسار الشخصيات حتى يتسنى له استكمال الثلاثين حلقة وبطبيعة الحال أسندت الأدوار لنجوم آخرين كبدلاء أو منافسين لأبطال الفيلم الأصليين نور الشريف وحسين فهمي ومحمود عبدالعزيز وإلهام شاهين وعبدالبديع العربي، ومرت الحلقات الثلاثون من دون أن تترك أثرا يذكر سوى أنها كانت دليلا دامغا على أن الموهبة لا تورث وأن استثمار النجاح لا يحقق إلا مزيدا من الفشل، ولننظر الى مسلسل ‘الباطنية’ المأخوذ عن الفيلم ذاته لفريد شوقي ونادية الجندي ومحمود يس وأحمد زكي لتتأكد لنا النظرية بأن استنساخ النجاح لا يسفر في أحسن الأحوال إلا عن نجاحات مسروقة ومشوهة، حيث ما رسخ في الأذهان بهيئته الأولى لا يمكن استبداله او نفيه ليحل محله شيء آخر وإن كان من نفس النوع لأنه بالطبع لن يكون بنفس المذاق، وهي مسألة أقرب إلى استعارة مطربة صغيرة ناشئة لصوت أم كلثوم ومحاولتها إحداث نفس التأثير، أو كما يحدث يوميا قيام مطرب ما بتقمص شخصية عبدالحليم حافظ ليكون له ما كان لحليم من التقدير والإعجاب، المحاولتان مآلهما الفشل لا شك، لأن كلا من المطربين لم يكن نفسه حين غنى وإنما حاول الاجتهاد فيما يسطو عليه من إبداع أم كلثوم وعبدالحليم، لذا لن يكتب لأي منهما البقاء وإن حققا بعض النجاح ولفتا إليهما الأنظار بعض الوقت ولنسأل أنفسنا أين الطفل المعجزة طاهر مصطفى الذي جاءنا من فرقة الموسيقى العربية واعتبر مجددا في تراث الموسيقى، وأين سوزان عطية التي احترفت أداء كوكب الشرق لسنوات، وأين أيضا كل من قلدوا العندليب الأسمر وهم كثر؟الحقيقة ببساطة أن ظاهرة قلب المسلسلات الى أفلام لن تعيش طويلا ومصيرها الى زوال فما تسبب فيها هو كسل الكُتاب وعقم أفكارهم ونحن على يقين أنه مع ظهور جيل جديد من كتاب السيناريو الموهوبين ستختفي الظاهرة تماما وسيتحرر الإبداع الدرامي من عقدة القديم والمكرر والمسروق والمسلوق وما هو بين ـ بين وما هو نص ـ نص!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية