د. يحيى مصطفى كامل
لم تنتهِ معركة ‘الدستور’ بعد.. أدرك ذلك تمام الإدراك، وعلى الرغم من تفاؤلي فلست بمنساق للتنبؤ بنتائجها بعد، إذ أنني بذلك أكون متجاوزاً لمنطق الأحداث واقعاً في شرك حتمية علمتنا الأيام والتجارب ألا نثق فيها، فضلاً عن كونها لا تخدم قضية الصامدين الحقة، بله وتضعفها.
أما وقد مرت الصدمة الأولى مع ما صاحبها من دهشة عميقة ورد فعل عنيف إزاء حماقة التصرف وخشونته، فإنها أخلت حيزاً عريضاً لقراءة متأنية متفحصة للأحداث.
قد يعترض علي البعض ‘هو ده وقت قراءات وتحليلات’؟ أجل وبحزم هذا هو تحديداً وقتها الأمثل.
في أية معركة يحتل رصد وقراءة تحركات العدو أهمية قصوى، إذا أردت ان تثبت وتنتصر فلا عوض لك عن فهم عقلية الخصم وآلية تفكيره، كيف يحسب خطواته وبالتالي، أين وكيف ستكون ضربته المقبلة، إن الصمود في المعركة لا بد أن يترسخ عن فهم ويتطور مع مجريات الأمور، وإلا أضحى صراع عميان في الظلام، يؤذي ويرهق ويستهلك صاحب الحق أكثر مما يفيده؛ في ضوء ما سبق فإني سوف أركز على بضع ملاحظات ودروس.
بداية الملاحظات تقودنا إلى شكر واجب للنظام ورجال الأعمال وإلى كل من تقاطعت مصالحه معهم في خندق أنصار التوريث، إذ أن تحركهم المتعجل الذي اتسم بالحماقة (الصراحة ما تزعلش) وانعدام الحنكة، فضح حالة من التوتر والاضطراب التي تسود ذلك المعسكر. كلنا سمع من بعيد أو قريب عن أجنحة متصارعة وتيارات متصادمة في ذلك المعسكر، ما بين حرس قديم وآخر جديد يدعي ما يطلق عليه (ظلماً وبهتاناً) فكراً جديداً. فصائل الأمن بألوانها المختلفة وسماسرة من كل نوع ولون، حالة من التخبط والفوضى، كلٌ يدفع برجله دفعاً، همهمات وشائعات تملأ فضاءات القاهرة واختناقاتها، حتى أصبحت حديث المنتديات والمقاهي، قليلون هم الذين يعلمون يقيناً، ولكن التراث علمنا أنه حيثما يتصاعد الدخان فإن ناراً حتماً تضطرم، وها هم يؤكدون لنا صدق الشائعات وعمق الأزمة التي دفعت بعضهم للتصرف بهذه الرعونة والسرعة، شاذاً بذلك عن قواعد لعبة نظام أدمن التبلد والبطء وتجميد الصراعات، أما ثاني ملحوظة (وهي تستوجب شكرنا أيضاً) أن تلك التركيبة الحاكمة، حين بدا لها أن الوقت قد حان للبدء في تنفيذ مشروعها لم تجد مهرباً من تكميم الأفواه وكسر الأقلام وإسكات الفضائيات، ولعلك تجد تفكيرهم ذلك منطقياً، من الطبيعي أن كل من ‘يعمل عملة’ يتدارى من العيون، وهم هنا لا يستعدون لتدخين قرش حشيش ولا لسرقة محفظة موظف ‘كحيان’ غلبان أول الشهر، لا إنهم يستعدون لنهب بلد بأكمله، بشحمه ولحمه وشعبه المعدم فوق البيعة. عظيم جداً لكن المشكلة أن تلك الفئة التي هاجموها، تحديداً الصحافيين والاعلاميين، هي الأقدر بحكم تكوينها الثقافي على التحليل والتفكير والتعبير، ولذا، فهي لم تكتفِ بصد ذلك الهجوم فقير الإعداد أساساً والخائب أصلاً، وإنما تسببت في جرسة بجلاجل للنظام، محلياً وعالمياً وفضيحة ولا فضيحة المتطاهر.
هذا عن الملاحظات، أما عن الدروس فهي فائقة الأهمية شديدة الخطورة بعيدة الأثر، أولها، واهمها في تقديري، نفي وكسر ثقافة الهزيمة.
منذ نيف وثلاثين سنة والنظام ينفث من مسامه وأبواقه وإعلامه الذي كان مسيطراً خطاب الهزيمة ولا جدوى المقاومة على كل الأصعدة، تماماً كما يفعل الاسرائيليون مع العرب، فنحن الحملان الضعيفة التي لا تملك من أمرها شيئاً، بينما الحكومة هي المسيطرة والقوية، كل جيلي نما في ظل ثقافة ‘اسمعوا وأطيعوا’ هذه التي طنطن بها النظام المصري ونعقت وراءه أغلب الأنظمة العربية، كلنا أرضعنا ثقافة التسليم، خصوصاً وقد بعد العهد بنماذج المقاومة الناجحة؛ حتى تلك لم تسلم من التشويه والتجريح، حيث يتم الإشارة ابداً إلى ما تجره المقاومة من آلام وجروح واعتقالات وتُسلط أضواءٌ كاذبة زائفة على من طال به العمر من المناضلين ليبدو نموذجاً للفشل والهزيمة، وحدها ثقافة ‘من خاف سلم’. وكما أن كلاً منا يقابل الله فرداً فكذلك على كل منا أن يجد لنفسه حلاً منفرداً، يتساوى في ذلك الدول والجمعيات والأفراد، وغنيٌ عن الذكر أن النتيجة الحتمية تجسدت في اضمحلال العمل الجماعي وبذر اليأس المنهجي في نفوس أجيال رأت، وبحق، أن المواجهات الفردية مع الأنظمة بكل عنفوانها وجبروتها ضربٌ من الجنون يضاف إلى سجلات العبث.
اليوم تتغير هذه المعادلة مما يقودنا إلى ثاني درس.
لقد أثبتت معركة الدستور جدوى العمل الجماعي الواعي وأعادت الثقة للناس في مقدرتهم على التنظيم والتفكير والنضال من اجل الحقوق، والأهم من ذلك، الصمود والانتصار، النظام ليس بالضرورة هو الأذكى والأقوى؛ يجوز أنه ما زال يحوز العضلات وأدوات القوة، إلا انه لن يستطيع استخدامها في كل المناسبات، ناهيك عن اعتقال شعب بأكمله. ذلك يقودنا إلى ثالث الدروس، ألا وهو نكوص النظام إلى تكتيكه القديم المألوف، إذ يبدو أنه عندما اتُخذ القرار بتصفية الدستور عُهد بالمهمة إلى غر حديث العهد باللعبة فأتى التصرف بهذه الرعونة والهوج، وإزاء الفضيحة لم يجدوا بديلاً سوى اللجوء إلى اللعبة القديمة التي ابتدعوها وتمرسوا فيها طوال ثلاثين عاماً، التي تتمحور حول تمييع الصراعات وتجميدها بالمهاترات وقلنا وقالوا.
قد تسألني ‘وما مصلحتهم في ذلك؟’ لأجيبك باختصار: الملل والنسيان.
إن الملاك الجدد ومَن وراءهم يراهنون على المط لأقصى مدى حتى يفتر اهتمام العامة أو تحل كارثة أخرى من كوارثهم (وما أكثرها) تشد انتباه الناس. في أثناء ذلك يكون المضربون قد أصيبوا بالإرهاق والإحباط، لاسيما أن أعداءهم بثرواتهم وإمكانياتهم يستطيعون التحمل والصبر إلى ما لا نهاية، وليست تلك حال الصحافيين الذين ينهشهم الجوع ويعتصرهم العوز (بالمناسبة، ذلك نفس المنهاج الذي تتبعه إسرائيل فيما يسمى بمحادثات السلام،) ولعل صحافيي ‘الدستور’ فطنوا إلى ذلك فهم يتفننون في حشــد الدعم والاهتمام بشتى الطرق المبتكرة.
أنا أكتب محذراً بدوري من أن تتسرب إلينا جرثومة الملل واللامبالاة القاتلة لأي قضية مهما كانت عادلة. لقد بدأ تاريخٌ جديدٌ في مصر على يد هؤلاء المعتصمين، وهم إذ يصمدون يتطورون وتتطور مفاهيمهم ونتطور معهم، خاصة أن الأمر يتعلق بحرية التعبير، كما يعاد بعث ثقافة المقاومة والاعتصام والعمل الجماعي؛ ولعل الكثيرين يوافقونني في أن الأزمة فجرت طاقات عظيمة نتجت عنها كتابات غير معهودة ذات نفس ثوري متحرر، من أروع ما يمكن وفي حيز ضئيل من الوقت.
رسالة أخيرة لمن هندس مؤامرة ‘الدستور’: ‘شكلك ووووححششش’ طبيب وكاتب في صحيفة ‘الدستور’ المصرية