ديوان ‘ أحمري يبتلعه السواد’ لنزار كربوط: شعرية الأثر الرائي

حجم الخط
0

عبد الغني فوزي

صدر حديثا للشاعر المغربي نزار كربوط ديوانه الشعري الثاني بعنوان ‘ أحمري يبتلعه السواد’ عن ‘ دار فضاءات للنشر والتوزيع’ في الأدرن. ويمتد هذا الإصدار على مدار مئة وثلاث عشرة صفحة من الحجم المتوسط، محتويا على تسعة عشر نصا شعريا. من عناوينه نذكر تمثيلا: ‘ شموس أيلول’، ‘ أحزان تتساقط في داخلي’، ‘ ألم صديق’، ‘ تفاصيل صغيرة’، ‘ بائع الزهور’، ‘ موسم الحصاد’، ‘ بين الفاكهة’..’ أحكي للجدار’. بإمكان هذه العناوين الفرعية أن تمنحك فكرة أولية عن أجواء وعوالم الديوان، كون الأمر يتعلق بإدارة التفاصيل الصغيرة عبر عين الشاعر، ذاك أن هذه الأخيرة على اشتعال داخلي، يجعلها تمتص الأشياء، وتعيدها عبر حلل أخرى تنضح بقيم موحية بين طبقات العمق والمجلى اليومي والإنساني. كما أن العنوان الأم ‘ أحمري يبتلعه السواد’ للمجموعة يبرز مفاصل ثنائية: الأحمر ـ السواد، والتي تتغذى على مساحات أكبر في الواقع والفكر. هنا الأحمر يشير على متكأ قصيدة داخل الديوان إلى الأحمر من داخل الأنا؛ أي الذي يرشح وينوء تحت وطء الليل. بهذا يفتح أمامنا العنوان المخصوص بالغلاف الموازي آفاق البحث عن امتداداته في النصوص التي تقطر دما ومطرا وورودا، تبعا لتنوع مقامات القصائد وسياقاتها التداولية.

قلق ‘ أحمري يبتلعه السواد’: أتصور القصيدة مع الشاعر نزار كربوط، بمثابة ساعة ملازمة، لها سيرها الخاص؛ أو مرآة صغيرة تمتص الأشياء وبالأخص الحالات والهواجس، وتعيدها مهندسة العمق. بهذا قدمت الأنا المتكلمة في النصوص مسارات الذات المنغمسة تأملا في التفاصيل. وهي بذلك تداري التشابك، بتشخيص الحالة وتحويلها في القصيدة ضمن غنائية متشظية ونفس درامي ملازم. نقرأ في قصيدة ‘ انهيار’ من الديوان:

تجمعين تفاصيل وجهيفي جيب المعطفوتسافرين مع الصمتنكاية بالقصيدة. الذات هنا تبحث عن قيمها، وبالتالي قلب وظائف الأشياء؛ لأن هذه الذات لا تجد نفسها إلا خارج النظافة المحروسة والضوابط القاتلة. كأن القصيدة في مواجهة دائمة ولو من خلال النقط الصغيرةالحميمية ( المقهى، الغرفة، الجيوب…) مع النمط والأنساق. ولأن هذه الملاذات على حميمية عميقة وعلى اتساع، فالأمر يقتضي بلاغات شعرية مركزة كومضات إشارية. نقرأ من أجواء الديوان في قصيدة بعنوان ‘ بائع الزهور’: تابعت السيرباتجاه بائع الزهوربدا لي قلقاقلت له: ‘ ما بك؟’قال لي: ‘ تركني ظلي وحيدا ورحل’. يغلب ظني، أن قصائد اللحظات المكتنزة لا تقتضي تأطير ثيماتها. فهي وحدة موضوع وفكر؛ فالشاعر يكتب ما ينطبع كأثر على الوجدان والفكر والمخيلة أيضا. وبالتالي يظهر هنا، أن الذات على قلق شعري موجه بحس رؤيوي، يتوق إلى الانفلات والانتصار للقيم والامتدادات.

قوالب شعرية:

جدير بالذكر أن الشاعر كربوط أصدر أول مجموعاته الشعرية بعنوان ‘ ورق عاشق’ خطا بموجبها خطوات على أرض القصيدة. وهو الآن يبدو أكثر حكمة شعريا، كأنه يطبخ قصائده على نار هادئة. وأتوقف هنا بعد هذا الرصد على بعض التقنيات الشعرية البارزة، منها:

ـ التوتر اللغوي: ويتولد بالأساس من شحنة شعرية تقلب الوظائف التركيبية والتداولية المألوفة. ويظهر الخرق اللغوي على مستويات عدة ( لغوية، نفسية تداولية..). فالقصيدة من طبيعة سننها خلق مخاطب داخلي. ويمثل هنا في أغلب القصائد، ذاك أن الذات مهووسة بظلها الملازم الماثل في امرأة ما من خلال لوازم الخطاب، لكنها تتلون، وتغدو مثالا مفارقا، تبحث فيه الذات عن امتدادها وتوحدها.

كما يمكن إبراز الفاعلية النفسية في بناء صور شعرية تنطلق في مداخلاتها من تفاصيل صغيرة، لكن توغل بها في بركة شعرية صالحة للسباحة بالمعنى العميق للكلمة؛ أو للحركات العميقة.

ـ الأنسنة: وينطرح ذلك في القصيدة بصفاتها التي تسقطها على الأشياء القريبة: الفنجان يغدو آخر حين تسبح فيه امرأة، وأوراق الخريف تغدو زرقاء. ولكن ينبغي التنصيص هنا أنها أنسنة في صميم اليومي. فإذا كان الشاعر الرومانسي يذهب بالواقع إلى الطبيعة لتغدو ملاذا؛ فالشاعر هنا يأتي بعناصر الطبيعة للواقع لتعميق مفردات حياة وتأثيث حالات ورغبات، لتبدو ثرة وندية داخل سياق شعري له خصائص بنائه الدلالي والتخييلي والرؤيوي أيضا.

ـ الغنائية: تبدو الأنا المتكللة في القصائد، محور الحالات والتحركات. فكل الحالات ممركزة حولها؛ فتكون القصيدة كمشتل مشغول بباطنه وتشذيب الأصابع التي لا تمسك بالأشياء إلا عبر لزوجة شعرية أو انسياب. وهي غنائية تتسم بتصعيد في الحالة والموقف؛ مما خلق نفسا دراميا ملازما. تقول قصيدة ‘ اترك الأحمر يبتلعه السواد’: تعبت منك يا دميانكسر بعيدا عن عروقيالتي حفرت فيها عباراتتذبحني تحت أضواء المدينةوارحلقبل عودة الليلعلى سبيل الختم:

من خلال هذه المقاربة، يبدو أن الشاعر نزار كربوط كثف نصه الشعري وركزه كإناء يرشح بهندسات شعرية طاوية على التفاصيل المحيطة بالذات، وبقدر ما ترصد هذه القصائد ـ المناديل الحيوات الصغرى، فإنها تلامس تلك القيم الجوهرية التي تجعل القصيدة على الدوام هناك كقيم مرتعشة وناضحة بأسئلة الكينونة والوجود. وهو ما يؤكد أن الكثير من الأصوات المغربية والعربية في كتابة الشعر، بدأت تنحت مساراتها بهدوء، وفق تصورات عميقة للكتابة؛ تقتضي مقروءا متنوعا وتجربة متعددة الروافد وتمرساً بالحرف. كل ذلك يتطلب من القارئ في المقابل السعي إلى ملامسة خصوصية كل صوت شعري؛ بعيدا عن العموميات والتصنيف الجيلي.. الذي لا يخدم القصيدة في شيء.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية