فؤاد عجمي: شيخ العرب في صفوف «المحافظين الجدد»

حجم الخط
5

طيلة 22 سنة، وتحديداً منذ مقالي «الدكتور فؤاد عجمي وتهجين التاريخ»، المنشور في «القدس العربي» بتاريخ 4/9/1992؛ ناقشت، مراراً، مواقف البروفيسور الأمريكي ـ اللبناني الأصل، الذي رحل قبل أيام، عن 69 سنة. ولقد ساجلت ضدّ معظم آرائه، منطلقاً من اختلافات جوهرية ثقافية في الاساس، كانت تنتهي أيضاً إلى ميادين التاريخ وعلم الاجتماع والاستشراق والسياسة، ونادراً ما كانت تغادر النطاق الأثير عند عجمي نفسه: علاقة الإسلام بالإرهاب. حتى كتابه الأخير، «التمرّد السوري»، 2012، والذي كان بالغ التعاطف مع الانتفاضة السورية؛ لم يكن استثناءً نوعياً في جانب أساسي من ذلك المنحى السجالي، أي ارتهان تحليلات عجمي السياسية بسلسلة التنميطات التي اعتاد جرّها عنوة إلى خلاصاته.
على سبيل المثال، ورغم تشخيصاته الصائبة إجمالاً لتركيبة نظام «الحركة التصحيحية»، والأدوار التي لعبتها الشبكات العائلية والتوريثية المافيوية في معمار السلطة؛ فإنّ عجمي استهوى الربط الاستشراقي بين آل الأسد (من الجدّ الذي ناشد الفرنسيين إقامة كيان علوي في الساحل السوري، إلى حافظ الأسد، ثمّ وريثه بشار)، فأعلى شأن صلة النسب «Nasab» بين المورّث والوريث، واعتبره مبدأ مقدساً في الذهنية العربية بأسرها، وعلى مدى تاريخي ـ وتجريدي، كعادة عجمي ـ طويل وضارب في القدم. ولقد أغفل، كالعادة هنا أيضاً، أنّ الكثير من العناصر الأخرى المعقدة التي أتاحت صعود، واستمرار، سلطة التوريث؛ كانت لا تنهض البتة على مبدأ النسب، بل على خدمة المصالح المشتركة، وتوطيد الولاءات المتكاملة، العابرة لخطوط التمايز الطائفية والإثنية والعائلية…
والمرء، ما دام الشيء بالشيء يُذكر، يستعيد ذلك التنميط الأشدّ فجاجة وتبسيطاً وتسطيحاً، الذي أشاعه عجمي في العام 2007: أنّ إرهابيي هذه الأيام المسلمين، ليس في الشرق الأوسط وحده بل في عموم «دار الإسلام» حسب المصطلح الفقهي الأثير عند عجمي؛ هم، بالضبط، أحفاد «الحشاشين» دون سواهم، وليس أقرب أبداً، لا في التاريخ القديم ولا الوسيط ولا الحديث! هنا فقرة من مقالة قصيرة بعنوان «فتية الإرهاب الجدد»، نشرها عجمي في الأسبوعية الأمريكية US News & World Report، حيث يسهل هضم أشقّ التنميطات، فكيف بأسهلها: «الإرهاب السياسي قديم قدم التاريخ البشري، وكلمة Assassins ذاتها [أي القتلة، عن طريق الاغتيال غالباً] مشتقة من المفردة العربية «الحشاشين»، أي مدمني الحشيش، نسبة إلى فرقة إرهابية نشأت في إيران خلال القرن الحادي عشر. وأتباع تلك الفرقة هم أسلاف إرهابيي هذه الأيام. وكما يروي المؤرّخ الكبير برنارد لويس في كتابه The Assassins (صدرت طبعته الأولى سنة 1967)، نشط هؤلاء من قلاع واقعة في جبال نائية تحت قيادة زعيمهم المتكتم المعروف باسم ‘شيخ الجبل’. ضحاياهم كانوا من حكّام المسلمين وبعض أشراف الإمارات الصليبية في دار الإسلام. وتروي المصادر أنّ انتقاء الضحايا كان يتمّ بعناية، وكان القتلة [Assassins، دائماً!] يتألفون من الانتحاريين الذين يعرفون أنهم لن يعودوا أحياء بعد تنفيد مهماتهم».
وبالطبع، لم يحظَ عجمي بصاحب ضمير، أو ربما محض مؤرّخ حريص على الأمانة العلمية، في طول الولايات المتحدة وعرضها، تطوّع فذكّر قرّاء هذه الفقرة االفاضحة بأنّ الاشتقاق اللغوي القدحي جاء أساساً من الصليبيين، غزاة البلاد وخصوم هذه المجموعة الإسماعيلية النزارية! لا أحد، أيضاً، نبّه إلى أنّ جذور الإرهاب تضرب في أرض أعمق بكثير من هذه الشعوذة الاصطلاحية؛ خصوصاً في ما يتّصل بالصراعات حول القضايا الأكبر في المنطقة، من القضية الفلسطينية إلى نهب الثروات الوطنية وتواطؤ الغرب مع انظمة الاستبداد المحلية والاحتلالات العسكرية، لكي لا يتحدّث المرء عن علاقات الشرق بالغرب في الصورة الكونية الأعرض. صحيح أننا سمعنا، ونسمع كلّ يوم، كما نقرأ أيضاً، خطابات تقيم القرينة المباشرة الوحيدة بين الإسلام والإرهاب؛ غير أنّ النادر ظلّ ذلك الصوت، النزيه الصريح في الحدود الدنيا، الذي قال ببساطة إنّ فجاجة عجمي وأمثاله تذهب أبعد ممّا يحتمل العقل السليم.
كذلك ندر أن نجد مَن دافع عن مغامرة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في احتلال العراق ـ وتحديداً في الأطوار اللاحقة، التي كانت تنقل مشروع «المحافظين الجدد» من فشل ذريع إلى آخر أشدّ خيبة ـ بالحرارة المشبوبة، ولكن أيضاً: الفجّة التبسيطية التسطيحية، التي تميّزت بها مقالات عجمي. خذوا هذه الفقرة من مقالة بعنوان «رجوع إلى المستقبل»، ترسم «فضائل» المشروع لا كما تجاسر على رسمها أعتى عتاة المحافظين الجدد، منظّري القرن الأمريكي الجديد: «إنّ إثم جورج بوش، كما نسمعه من نقّاده، هو أنه أطلق قوى الحرّية في الديار العربية ـ الإسلامية فلم ينلْ إلا عاصفة رهيبة. لكن لا يمكن، في الحقيقة، العودة إلى حضن النظام القديم. القوّة الأمريكية، والقوّة ذاتها التي نشطت في الديار العربية ـ الإسلامية خلال السنوات الراهنة، جعلت النظام القديم فارغاً، وهزّأت مزاعمه في الرفعة والتجانس. وفي اللحظة ذاتها التي شهدت قيام جنودنا بإخراج صدّام حسين من جحره العنكبوتي القذر، كنّا قد كشفنا ما يكتنف السلطة العربية من مهزلة وخداع».
وصدّقوا أنّ بعض هذا التبسيط والتسطيح لا يُرضي دائماً أولئك الزبائن الذين ينبغي أن يسرّهم سماع آراء كهذه، تصدر عن أمريكي، عربيّ الأصل، شيعيّ المذهب بالولادة! وحين صدر كتاب عجمي «قصر أحلام العرب: أوديسة جيل»، 1999، اضطرّ مستشرق أمريكي يهودي مثل دانييل بايبس (لا غضاضة في تكرار سجاياه الكبرى: كاره للعرب حتى المقت المطلق، هاوٍ خفيف الرأي، وليكوديّ الهوى والهوية) إلى الخروج عن حذلقته الأكاديمية المألوفة، فنشر مراجعة للكتاب، ذكر فيها ثلاثاً من الخصال الكثيرة التي يتمتع بها البروفيسور: «أولاً، قدرته على سلق الأفكار دون التضحية بتعقيدها، كأنْ يصف السياسة في الشرق الأوسط بأنها عالم يندر أن يجيء فيه الانتصار في غمرة الرحمة والاعتدال، أو أن يقول عن العروبة إنها هيمنة سنّية متسربلة في ثوب علماني. خصلة ثانية، ليست أقلّ أهمية، هي أن عجمي يتّصف باعتدال سياسي يبعده في آن معاً عن امتداح طغاة العرب، وعن العزف على أنغام نظريات المؤامرة المناهضة لأمريكا، على نقيض العديد من العرب الأمريكيين البارزين. أخيراً، يتمتع عجمي بنعمة التحرّر من العقدة العربية الشائعة تجاه غدر اسرائيل».
وكان عجمي قد قرّر الخروج من أسرار غياب الإمام الصدر، وعلائم المحنة العربية، وجراح بيروت (موضوعات مؤلفاته السابقة)؛ وذهب مباشرة إلى الأدب العربي، وإلى الشعر تحديداً، لكي يضيف المزيد إلى تشخيصاته السابقة حول عتلال الجسد العربي، وانكسار الأحلام الوردية، واندحار العرب والعروبة. الشخوص الأدبية الشاهدة على أحكامه تبدأ من جورج أنطونيوس، لكي تمرّ بأنطون سعادة، قبل أن تصل إلى الأزمنة الحديثة والمعاصرة حين يتحدث البروفيسور عن المأساة وراء انتحار خليل حاوي وموت بلند الحيدري في المنفى، وأحاسيس الهزيمة النكراء والنقد الذاتي العنيف في قصائد نزار قباني وأدونيس، وتواطؤ الشعر مع الحجارة في مثال محمود درويش. وثمة، هنا، ما هو أشدّ عجباً من ذرف دموع التماسيح، وصياغة مطوّلات الحقّ التي لا يُراد بها سوى الباطل، والباطل المبتذل تحديداً.
وهكذا، ظلّ عجمي في عداد أشطر شطّار اختزال القضايا العربية المعقدة إلى «برشامات» يسيرة الابتلاع؛ كما غادر هذه الدنيا وهو، أغلب الظنّ، الحامل الوحيد لذلك اللقب العجيب: شيخ العرب، في صفوف محافظي أمريكا الجدد!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية