فائض مكافحة الفتنة اوصلنا إلى «داعش»

حجم الخط
1

سواء في سوريا أم في العراق، لا تُقاس نسبة «داعش» من مجموع القوى المنتفضة بوجه نظامي «البعث» و«اجتثاث البعث» المتحالفين مذهبياً فيما بينهما، بالشكل الذي يعتمده خبراء حوادث السير، وإذا كانت «الدولة الإسلامية في العراق والشام» تشكّل قطوعاً تاريخيّاً كان من الممكن تفاديه لولا مصفوفة كاملة من أنماط الغلبة والصلف الفئويين في جانب، ومن أنماط التدمير الذاتي والرهانات التي تتقاذفها الأهواء في جانب آخر، الا أنّ «داعش» وأخواتها، إن يكن في سوريا أو في العراق، ليست مع ذلك «حوادث سير» ترتكبها مجتمعاتنا في لحظة طيش أو انفعال، كما أنها ليست «جوف التاريخ» الكامن الذي كان ينتظرنا عند أوّل تصدّع ليصلينا بحممه المتجمعة على امتداد الدهور.
«داعش» هي بكل بساطة الطرف الوحيد الذي أجاب، وان بخطأ شديد، على سؤال قويّ الحجّة، كابر عليه الآخرون، ان في العراق أو في سوريا. السؤال هو هل ثمّة مصير مشترك يربط العرب السنّة في بلد لا يشكّلون فيه الأكثرية، كالعراق، بالعرب السنّة في بلد يشكّلون فيه الأكثرية، كسوريا، بعد انتقال الغلبة الطائفية من يد الى يد في بغداد، وثباتها في اليد الأسديّة إيّاها، بل ومتطوّرة الى حالة من القمع الدموي الحيوي المتمادي سنة بعد أخرى تستهين بكل المدونات الحقوقية للإنسانية ولا يردعها رادع؟
وحدها «داعش»، بدءا من الاسم الجامع للبلدين الذي اختارته لنفسها، طرقت باب هذا السؤال. الآخرون، بعد سقوط نظام صدّام حسين وفتح نظام بشار الأسد خطوط التعاون والامداد مع المجموعات المسلّحة، راهنوا، على ظروف تتيح «اعادة توحيد البعث». غيرهم، كانت لا تزال لديه أوهام حول «وحدة الحركة الاسلامية». وهناك من جمع الرهانين في «وحدة القوى القومية والإسلامية».
قد ننسى اليوم ان موقف «حزب الله» لم يكن شعبياً بين شيعة العراق، بعد مبادرة أمينه العام السيد حسن نصر الله قبل أيام قليلة من انطلاقة عجلة التدخل الانغلو – اميركي، والتي وصفت بالمسعى «الانقاذي» لصدّام. لاحقاً، سوف تتهم حكومة نوري المالكي نفسه «حزب الله» بالتنسيق مع مشتقات «القاعدة» في العراق. كان ذلك أيام كان المالكي يوازن بين عملية يشنّها ضد المجموعات الراديكالية السنية في الموصل والأنبار وبين عملية ضد جيش المهدي في المقلب الآخر.
لم تكن الفتنة المذهبية الشيعية السنّية شيئاً تعذّرت رؤية تناميه بعد التدخل الانغلو – اميركي لاسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق. على العكس تماماً.
أرشيف السنوات الاحدى عشرة الماضية يفيض تحذيراً من هذه الفتنة، واستنفاراً للتحاليل والدعوات والطاقات والجهود بقصد محاربتها، سواء بالعزف على وتر «إعادة توحيد البعث من بشار الاسد الى عزت ابراهيم الدوري» أو على وتر «وحدة الحركة الاسلامية المقاومة» انطلاقاً من الثنائي «حزب الله وحماس». في الحالتين، كنا أمام مكابرة مزدوجة: عدم رؤية أن سقوط المعادلة السابقة (بعث يستند الى أقلية طائفية في العراق يقابله بعث يستند الى أقلية طائفية أخرى في سوريا) بالشكل الذي حدث فيه، انما جاء ليطلق العنان لمسألة «عربية سنّية» مشكلتها الأساسية افتقادها لإطار يحدّد اذا كانت مسألة «البحث عن مرجعية»، أو مسألة «البحث عن هوية»، أو مسألة «البحث عن كيانية جديدة». ففي هذه المسألة العربية السنية، ينعقد الاثني على المذهبي، ليواجه القريب اثنياً المخالف مذهبياً والمختلف اثنياً والقريب مذهبياً على حد سواء، وما يجمع العرب السنة في العراق وسوريا يصنع الاختلاف بينهما أيضاً: فالهيمنة الطائفية تمارس عليهم باسم «البعث» في سوريا وباسم «اجتثاث البعث « في العراق، وهي مزمنة على هذا النحو في سوريا، في حين انها متأتية من انفراط الهيمنة العربية السنية بفعل الغزو الأميركي في حال العراق.
مسألة فيها كذا بعد، وتتداخل مع أكثر سياق، الا أنها نافية من تلقائها للحدود الوطنية التي سطّرها المبضع الكولونيالي بين البلدين، وتذكّر الى حد كبير بالمسألة «الباشتونية» المتمددة بين أفغانستان والباكستان كمدخل للمقارنة بين «داعش» و»الطالبان» والمسألة «البلوشية» بين الباكستان وايران، كمدخل لتلمّس الأبعاد الذي يمكن أن يسلكها تداخل الاثني مع المذهبي.
الكل تحدّث عن الفتنة المذهبية وحذّر منها. الكلّ – باستثناء ابو مصعب الزرقاوي وابو بكر البغدادي – حدّدها في المكان الخاطئ.
فالمكابرة على تداخل الأوضاع والمصائر بين «العرب السنّة» في كل من سوريا والعراق اتخذ أشكالاً مختلفة. فهذا يحدّثك عن «مقاومة وطنية» عراقية ضد الاحتلال الأميركي فيتبرّع للمجموعات المقاتلة بما ليس لها ليحرمها مما لها، وذاك يقوم في المقابل باختزال كل العرب السنّة الى «داعش والنصرة» ليسقط في المقابل الصفات التنويرية والتقدمية على المقلب الآخر من المعادلة المذهبية الاقليمية، من نوري المالكي الى «حزب الله» و»الحرس الثوري الايراني». أدّى ذلك بالنتيجة الى «طفرة محاربة الفتنة»، المحاربة الاستباقية لها، بـ«قطع رأسها». اللازمة كانت: «الآخر هو الفتنة».
الفتنة الحالية، أو هذا الشكل العاري من التصادم الأهلي بين السنة والشيعة من العرب على أرض العراق، هي نتيجة «الوعي الزائد عن حدّه» لمخاطر الفتنة ومخططاتها في العقد الأخير، أي لهذه الطفرة التي جعلت كلّ واحد يرى الفتنة في عين الآخر، أو التي جعلت الثورة السورية مثلاً تكابر على واقع الانقسام الطائفي والغلبة بشعار «واحد واحد واحد»، في حين استطاعت «داعش» وحدها ان ترى الفتنة بعينين . فهي تقول ما معناه «الفتنة هي أنا وأنت»، لأنها «إما أنا وإما أنت». هي تجمع اذاً بين تلمّس المسألة بشكل صحيح، أي وقائع الاضطهاد السياسي، وأحياناً الأهلي، للعرب السنة في العراق وسوريا، وبين الإجابة بشكل كارثيّ، أي بنَفَس «إباديّ».
فاذا كانت الراديكالية الشيعية تريد قطع رأس الفتنة استباقياً، أو باستخدام المقولة الغربية عن «الارهاب»، فهي تفعل ذلك لأنها تمكنت من التصالح ولو مؤقتاً مع الكيانية العراقية والسورية، في حين أن الراديكالية السنيّة، بطلاقها مع الكيانيات المرسومة بالمبضع الاستعماري، انما تحوّل نفسها الى سبب اضافي لمحنة العرب السنة في الهلال الخصيب: انسداد السبيل أمام البحث عن هوية، ومرجعية، وكيان.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية