فابيوس واستعادة التوازن

حجم الخط
0

تصريحات لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي الأخيرة بشأن الوضع السوري تستحق التوقف والتحليل. المتابعون للتطورات العسكرية على الارض يلاحظون جليا ميل الكفة لصالح النظام و’حزب الله’ اثر سقوط القصير بعد ثلاثة اسابيع من الحصار والقصف. المعارضة تحاول استعادة توازنها وفتح جبهات جديدة في معبر الجولان ومحافظة درعا ومطار منغ العسكري في حلب، ومحاولة الصمود والتصدي لوقف زحف قوات النظام و’حزب الله’ نحو ريف دمشق.
قوات النظام تحاول استعادة أجزاء من مدينة ومقاطعة حلب، التي حررتها المعارضة منذ زمن، قوات من حزب الله تتمركز، استعدادا للمعركة، في قريتين (تتمتعان بكثافة علوية) في شمال المدينة. المعركة قادمة لا محالة، وانتصار النظام فيها سيكون خطوة حاسمة في مسلسل إضعاف المعارضة الذي بدأ منذ التدخل العلني لـ’حزب الله’ في محاولته لانقاذ النظام الذي كان يترنح من ضربات المعارضة الموجعة مؤخرا.
هذه الظروف الميدانية المتسارعة أفضت الى تصريحات فابيوس، لم يدع الى وقف زحف القوات الحكومية نحو حلب، كل ما قاله ان قوات المعارضة يجب ان تكون قادرة للدفاع عن نفسها ‘لاعادة التوازن’. هذا هو لب الموضوع ، فرنسا لم ترد انهاء الصراع لصالح المعارضة، بل ببساطة للمحافظة على ابقاء هذا الصراع قائما متوازنا. ميدانيا احيانا ترجح كفة هذا الطرف أو ذاك مرحليا ومؤقتا، من دون أن يتمكن احدهما من الحسم.
النبرة الامريكية، على لسان جون كيري، والبريطانية، على لسان وليام هيغ، تتناغم تماما مع فابيوس والموقف الفرنسي بعدم جدوى الحل العسكري، والايمان بان الحل لن يكون الا سياسيا. كلهم يعولون على مؤتمر جنيف الثاني. لقد قالها فابيوس صراحة ان المعارضة قد لا تحضر الى جنيف اذا كان موقفها ضعيفا، ولذا يجب مساعدتها لاستعادة التوازن على الارض. الواضح ان مؤتمر جنيف هو المرمى وليس الحسم العسكري، الذي بات مستبعدا، ان جنيف لناظره قريب.
الغرب لا يريد لهذه الحرب أن تنتهي، من مصلحته الان أكثر من أي وقت مضى، ابقاء جذوتها مشتعلة أو حتى الاسراع في اضرامها، ولتتغير هذه المعركة التي بدأت ثورة شعبية على نظام فاسد ومستبد، الى حرب طائفية طاحنة ستستهلك مقدرات سورية ولبنان وايران والعراق والخليج. سوق السلاح (السوداء) تنتعش،’والنعرات الطائفية تتفاقم وتزكم انوفنا رائحتها العفنة، ورياحها التي ستقتلع الاخضر، اذا بقي واليابس.
مؤتمر جنيف محكوم عليه بالفشل، امريكا واوروبا متحمستان له، أي حماسة، وكذا بقية الاطراف من اصدقاء سورية وأصدقاء النظام، وكلهم يعرفون ألا حل في الافق. كيف لنظام يتلقى دعما لا محدودا، من روسيا وايران وحزب الله، أن ينسحب من المشهد ويقــــبل بحكومة انتقالية.
وقد يلاحق قضائيا وجنائيا لاحقا على جرائمه وقد أوغل في دم شعبه. وكيف للمعارضة التي قدمت كل هذه التضحيات أن تقبل بخروج ‘مشرف’ للسلطة (على افتراض قبول السلطة). قرأت قبل سنين لتوماس فريدمان فــي كتابه عن الحرب الاهلية اللبنانية عن أحد اقطابها (لا أذكــــر الان من هو، ولا أظنه يهــــم): اذا كنت قويا فلمــــاذا اجنــــح الى السلام، واذا كنت ضعيفا فلماذا اجنح الى السلام، وربما تكون هذه هي حكمة فابيوس وكيري وهيغ في استعادة التوازن وابقاء جميع الاطراف قوية (ضعيفة).
ارجاء الاتحاد الاوروبي تسليح المعارضة الى اب/اغسطس مؤشر آخر الى عدم نية الحسم العسكري، بل الى انتظار المولود الجديد، جنيف، وما سيؤول اليه، على اعتبار امكان نجاحه، في التوصل الى حل. الغرب أيضا متردد في دعم المعارضة عسكريا بحجة احتمال وصول هذه الاسلحة الى جهات اصولية قد تشكل خطرا على أمن اسرائيل، والاخلال بالتوازن في المنطقة. حتى روسيا لا تريد الاخلال بالتوازن العسكري في المنطقة اذا ما زودت النظام ببطاريات صواريخ اس 300، خاصة بعد زيارة نتنياهو لموسكو وتهديداته.
كلمة السر التوازن، او استعادة التوازن، او عدم الاخلال بالتوازن، بين العرب و’جارتهم’ اسرائيل ( لصالح اسرائيل، أي توازن هذا؟) وبين النظام السوري وداعميه، والمعارضة وداعميها، لإبقاء الطرفين المتصارعين أقوياء قادرين على مواصلة القتال، وضعفاء لا يستطيع احدهما’الحسم لصالحه، لذا لا تنتظروا الكثير من جنيف، وانا لمنتظرون.

كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية