محمد كريشانوكأن تونس لا يكفيها ما تعانيه حاليا من تشوش وضياع حتى يأتي هؤلاء ليزيدوها همـّــا على همّ !! تكاد لا تمضي فترة طويلة حتى يزور هذه البلاد أحد الذين يوصفون بالدعاة الإسلاميين قادما من إحدى دول المشرق أو الخليج. آخرهم جاءها من الكويت هو الدكتور نبيل العوضي حاملا مشروع ‘المتحجبات الصغيرات’. التقطت لصاحبنا الصور مع طفلات تتراوح أعمارهن بين الرابعة والسابعة تقريبا وقد ارتدين الحجاب والجلباب الفضفاض، في اعتداء فاضح على براءة الطفولة بل وعلى أحكام التدين نفسه الذي لا معنى له أصلا إن لم يكن اختياريا طوعيا وبعد سن التكليف الشرعي للبنت والولد على حد سواء. أي سر هذا لاستهداف المرأة، حتى وهي طفلة، في كل مكان وصل إليه أمثال هؤلاء الدعاة ووصل فيه حاملو الفكر الديني المتشدد المنغلق إلى الحكم، أو حتى قبل ذلك، فوفق ما ذكرته وكالة ‘رويترز’ يتلقى الأطفال في مدارس تقع في مناطق سيطرت عليها حركات من هذا النوع في سوريا دروسا عن دور المرأة وتعدد الزوجات وكأن هذه هي معضلة سوريا الآن!! كذلك كان هناك دائما تصور لدى الإسلاميين في المشرق ودول الخليج بأن تونس لم تعرف لا في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة ولا في عهد خليفته الرئيس زين العابدين بن علي الدين الإسلامي الصحيح، كما يفهمونه هم طبعا، وبالتالي فإن وصول حركة مثل ‘النهضة’ إلى الحكم مع انتعاش التدين في البلاد بشكل عام، بعد سنوات خلط فيها بن علي بين محاربة الإسلاميين ومحاربة التدين، يمثل فرصة ذهبية لهؤلاء ‘الفاتحين الجدد’ للقدوم لمزيد ترسيخ ما يعتبرونه عودة إلى الطريق المستقيم بعد سنوات من الضلال المبين. وعلى افتراض أن تونس تعاني شحا في الوعاظ يستلزم الاستعانة بـ’الخبرات الأجنبية’ في هذا المجال، فإن هؤلاء لم يأتوا لشرح مبادىء العدالة الاجتماعية في الإسلام ولا محاربة الظلم والاستبداد والفساد ولا الترويج للأخذ بيد الفقراء والمحرومين والمهمشين والغيرة على ضياع كرامات الناس والهبة لإعادة حقوق ضاعت وكرامات هدرت ومحاولة نصح إخوانهم من الحكام الجدد في البلاد بضرورة مخافة الله في حكم الرعية حقيقة وليس بالشعارات. تركوا كل ذلك وانشغلوا بضرورة تحجيب البنت الصغيرة التي لم تفقه شيئا بعد في أمور الدنيا ناهيك عن أمور الدين، فضلا عن عشق هؤلاء لإسلام المظاهر وليس إسلام القيم مع ما يخفيه ذلك من خطر النفاق السائد بشكل مرضي في أكثر من مجتمع فرضت فيه مثل هذه الممارسات. وللإنصاف فإن هؤلاء ‘الفاتحين الجدد’ ما كان لهم أن يقصدوا هذه البلاد لولا ما وجدوه من طائفة معينة من أبنائها من كريم الدعوة وحسن الترحاب، ولولا تراجع دور جامع الزيتونة وفكره الإسلامي السمح وعلمائه، ولولا انكفاء صاحب كل فكر إسلامي مستنير ومعاصر في البلاد مقابل تغول الفكر السلفي المنغلق. وكيف يمكن أن يلام داعية من الكويت ووزير الشؤون الدينية التونسي نفسه يقول بأن حجاب المرأة ركن من أركان الإسلام تماما كالصلاة والصوم والزكاة وهو ما لم يقل به المولى عز وجل الذي حدد أركان دينه الحنيف بخمسة معروفة للقاصي والداني، ليس من بينها الحجاب الذي هو، شئنا أم أبينا، يظل إلى اليوم مسألة خلافية يتبادل مؤيدوه ومعارضوه مختلف الحجج الدينية التي تسند رأيهم. إن أكبر ما يهدد تونس الآن هو أن كثيرا من أبنائها لا يهمهم تطوير نظامها السياسي ليصبح أكثر ديمقراطية وعصرية بقدر ما يهمهم قلب نظامها المجتمعي رأسا على عقب لينتهي دور تونس الرائد والمتقدم في مجال المرأة والتعليم والحريات الشخصية في نوع من الثأر الأعمى على كل ما كان سائدا قبلهم. هنا عوض أن تصبح الثورة التونسية قفزة إلى الأمام، كما علقت الآمال على ذلك، فإنها قد تتحول بسهولة إلى ردة اجتماعية كاملة لينتهي تميز تونس وفرادتها في البلاد العربية ليعم التخلف الجميع، ولا حول ولا قوة إلا بالله. qraqpt