بغداد-“القدس العربي”: يحرص العراقيون في السنوات الأخيرة، على أن تكون ذكرى مقتل الإمام الحسين وثلة من آل بيت النبوة في واقعة الطف بكربلاء، مناسبة للتنفيس عن الحزن والألم واليأس، ليس بسبب ذلك الحادث الأليم لكل إنسان فحسب، بل لما وصلت إليه أوضاعهم من تدهور وانهيار في كل جوانب حياتهم، بفعل العملية السياسية العقيمة.
ولقد أصبحت الشعائر والطقوس الحسينية المرافقة لهذه المناسبة، فرصة مهمة للتعبير عن الغضب والاحتجاجات لأداء النخبة السياسية والدينية التي فرطت بحقوق الشعب والبلد وجعلته في أسفل قائمة دول العالم في كل شيء حضاري، إلا الفساد والفشل، فإنه في قمة الدول.
وفي هذه المناسبة المؤثرة عند العراقيين، تعكس الحوارات بين الزائرين للمراقد المقدسة والشعارات التي يرددونها والمقابلات التي تجريها القنوات الفضائية معهم، حجم الإحباط من الحاضر والمستقبل والغضب والاستياء العارم على السلطات والأحزاب والقوى الدينية التي تصر على جعل ذكرى مقتل الحسين مجرد شعائر وطقوس ينشغل بها الناس وفرصة للمزايدات ومزيد من الكسب عبر التشدد الطائفي، من دون الاهتمام بتحقيق مبادئ ثورة الحسين التي تركز على رفض الظلم والفساد والحاكم المستبد.
ورغم تنوع الشكاوى والانتقادات التي طرحها المواطنون، إلا أن أبرزها تركزت على انتقاد صراع الأحزاب على السلطة وامتيازاتها وعدم الاهتمام بمعاناة المواطنين وتدهور الخدمات وتزايد البطالة والكساد الاقتصادي وتفشي الفساد في كل أنحاء مؤسسات الحكومة، إضافة للدعوة إلى ضرورة قيام القوى السياسية والحكومة بإجراء إصلاحات حقيقية لتحسين الأوضاع المتدهورة.
وشكا المشاركون في الشعائر من الإجراءات الأمنية المشددة وغلق الشوارع والمحلات في الطرق التي يمر بها الزائرون إلى كربلاء والنجف، والتي تعطل الحياة الطبيعية وتؤثر على أعمالهم ومصادر رزقهم، مشددين على أن الجهد الاستخباري كان الأولى ان يعالج حماية الزائرين بدل تعطيل أعمالهم. بينما أبدى البعض استغرابهم للأموال الضخمة التي تصرف على الشعائر والمواكب والجهود الكبيرة التي تسخرها المؤسسات الحكومية لهذه المناسبة والتي كان يمكن أن يتم توجيهها لتوفير خدمات وفرص عمل للمواطنين.
كما انتقد الكثيرون من الزائرين، قيام إدارة العتبات الحسينية والعباسية بتعيين الإيرانيين في وظائفها لإدارة مشاريعها الكثيرة ورفضها تعيين العراقيين. فيما شكا آخرون من أن بعض الإيرانيين الذين يدخلون البلد بحجة زيارة المراقد، مستفيدين من إلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين، يزاحمون العمال العراقيين في الأعمال ويفاقمون أزمة البطالة.
وأكد أصحاب المواكب التي تقدم الطعام والخدمات للزائرين أن هذا النشاط يعتمد على تبرعات المواطنين ولا تساهم فيه الحكومة أو الأحزاب، كما تخللت الشعائر خروج تظاهرات ضمن المواكب في الديوانية والبصرة ومناطق أخرى، تطالب بتطبيق نهج الإمام الحسين بعملية الإصلاح.
وضمن استعداداتها لهذه المناسبة أيضا، انتقدت اللجنة المركزية المشرفة على الاحتجاجات الشعبية في العراق، السلطتين التنفيذية والتشريعية على حد سواء، واصفة إياهما بالضعف والعجز، مشيرة إلى بعض المشاكل والأزمات التي تشهدها البلاد.
وهددت اللجنة في بيانها بأن “الشعب قد يتولى إدارة البلاد بنفسه وإزاحة الفاسدين والعاجزين” مقدمة أحرّ التعازي إلى الشعب العراقي، والأسرة الإنسانية، وإلى القوى الإصلاحية في العالم، بمناسبة ذكرى الملحمة الكبرى بين الإصلاح والفساد، ذكرى وفاة الإمام الحسين، وما تمثله من ثورة ضد كل أشكال الظلم ومستوياته، و”نستلهم منها الثبات على نهج الإصلاح، مهما طال الزمن أو غلا الثمن”.
واللافت انه وبالرغم من الانشغال بمراسم عاشوراء، فان هموم السياسة تأبى أن تغيب عن المشهد، حيث تزداد حيرة العراقيين جراء الفوضى العارمة في المشهد السياسي التي تتعمد الأحزاب والقادة السياسيين خلقها، من خلال المواقف والتصريحات المتناقضة، تجاه قضايا كالجدل الدائر بين القوى السياسية حول تغيير حكومة عادل عبد المهدي، أو تلك المتعلقة بالحشد الشعبي وتمرد بعض قياداته على أوامر الحكومة ومنها إعلان نائب قائد الحشد أبو مهدي المهندس تشكيل قوة جوية خاصة بالحشد ورفض بعض الفصائل المسلحة الانضمام للقوات المسلحة أو التخلي عن سلاحها أو استقلاليتها، إضافة إلى المخاوف من جر البلد إلى صراعات دولية وغيرها من المواضيع، التي لا مصلحة للمواطن والوطن فيها.
وقد تابع العراقيون بحيرة مواقف بعض القوى ومنها التغريدات الغامضة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر التي أشارت إلى نهاية الحكومة والتهديد بالتبرؤ منها، فاذا بهم يتفاجأون بصور الصدر إلى جانب المرجع الإيراني علي خامنئي وقائد فيلق القدس قاسم سليماني لحضور موكب عزاء حسيني في إيران التي تدعم عبد المهدي بكل قوة. وجاء في السياق إعلان بعض أحزاب “المعارضة الشيعية” عن قرب تشكيل حكومة ظل، بينما حذر زعيم حزب الدعوة نوري المالكي، من محاولات إسقاط الحكومة، وأنه “إذا سقطت فالبديل هو الفوضى” إلا انه من جانب آخر أعلن رفضه لقرارات عبد المهدي الخاصة بربط الحشد الشعبي بالمؤسسة العسكرية مشددا على ضرورة استقلالية الحشد.
إلا أن أوضح موقف من بقاء حكومة عبد المهدي ورد عبر تصريح لقائد ميليشيا “سيد الشهداء” أبو ولاء الولائي المقرب من الحرس الثوري الإيراني، الذي أكد ان عبد المهدي باق ولن يتم تغييره لأنه ساند الحشد الشعبي، وان الحشد يسانده ويدعمه بقوة، واصفا إياه بأنه “رجل المرحلة” الذي يؤدي دوره على أفضل وجه!
وهكذا تتداخل المناسبة المؤلمة لذكرى استشهاد الإمام الحسين وأصحابه، مع آلام العراقيين ومعاناتهم المزمنة جراء سياسة النخبة التي تتصارع على السلطة وامتيازاتها وتنهب خيرات البلد، وتتعمد خلق الأزمات وتشويش المشهد العام، وذلك لزرع اليأس والقنوط لدى العراقيين من أي امكانية للإصلاح أو تحسن الأوضاع المتدهورة.