النساء في روايته الأولى ‘سرمدة’ يمتحنّ التابو والتقاليد الدرزيةالدوحة ‘القدس العربي’: كانت صحيفة ‘القدس العربي’ اول من احتضن فادي عزام كاتباً صحافياً وكاتب زاوية، فلفتت كتاباته تلك الأنظار اليه وأثارت الجدل في اكثر من مكان ووسيلة اعلام فضائية، وما لبثت روايته الأولى ‘سرمدة’ ان دفعت به اكثر تحت الأضواء مع اختيارها للقائمة الطويلة لجائزة ‘بوكر’ العربية، ثم جاءت الثورة السورية لتجعله اسماً محببا لدى الاف السوريين الذين يتابعون تعليقاته الجارحة والساخرة على الوضع السوري وعلى الأفكار والاماكن والاشخاص.
شخصية عزام مثل كتاباته، هادئة مع كثير من امكانيات التفجر الغير متوقع، غاضبة مع كثير من المحبة، عميقة مع نتوءات والتواءات ومماحكة احيانا. فادي عزام في روايته ‘سرمدة’ (وفي كتابه الشعري ‘تحتانيات) شاعر فذ وروائي مختلف.
في ‘سرمدة’ يقدّم عزّام رصداً شغوفاً لمكان الولادة واساطير هذا المكان وحكاياته المفتوحة على شبابيك المفاجأة. ألم كثير يفضي غالباً الى اقفال الدائرة، ومعاينة للتفاصيل تفتحها على اللامتوقع، ثورة كانت ام تمرداً فردياً.
أجمل ما في ‘سرمدة’ هذا التعبير الصوفي الثريّ عن فساحة المرأة وعالمها الواسع.
يتقمص فادي عزام في ‘سرمدة’ شخصيات نسائه اللاتي استلمن، بتكليف من الطبيعة الانسانية او من الله، عجينة المكان ليقمن بتشكيلها على حسب اهوائهن، وليفشلن (كما في نظرية جورج لوكاتش القديمة العتيدة عن فشل وانحطاط الفرد بمواجهة الجماعة) في هذا الصراع الذي لا يمكن الانتصار فيه على التقاليد والطبيعة، لولا، ان هذه الحكايات هي انتصارهن الاكمل، احيانا على طريقة جدتهن شهرزاد، التي نجت من السياف، وأحياناً بوقوعهن تحت سكين الذبح، واحيانا كثيرة اخرى بتلاعبهن بالعالم المحيط بهن دون اي حدود ولا اهتمام بالمصير. يلخص عزام ايضا امتحان الأسطورة لنفسها ولانغلاقها على دائرتها ملتهمة الداخلين في اقدارها دون رحمة كما التراجيديات اليونانية من خلال الصبية الدرزية التي فنتنت بشاب غريب عن القبيلة والديانة وحين انفتح الباب لها للهروب الاخير عادت الى مذبحها بارادتها لتقفل القصة كما تشتهي الأسطورة ان تصير.
الى انشغاله بالرواية والشعر والكتابة الصحافية، يتواجد عزام في مكانه الطبيعي كمثقف عضوي وجد نفسه في خضمّ الجماعة الأكبر معاركاً الدكتاتورية بكل جوارحه. في هذا اللقاء القصير معه الذي جرى بعد مشاجرات نظرية على هامش ندوة ‘وطن يتفتح في الحرية’ في الدوحة، حاولت حكّ حجر عزام فكان هذا الحوار:’ في أي لحظة وكيف قلت في نفسك: انا مع الثورة السورية؟’ بدأت القصة بأمنيات مع احداث تونس وصارت قريبة من الوجدان والاحساس، ومع مظاهرة الحريقة بوسط دمشق بدأ الاستعداد للحدث، ومع سقوط اول شهيد في درعا، محمد جوابرة، صار الانحياز الواضح. هذا ما حصل باختصار شديد’ ما هو السؤال الذي يشغلك كمثقف حاليا؟’ لا يشغلني سؤال اسقاط النظام. هذا اهم شيء يجب ان اشير اليه ما يشغلني فهم الثورة التي هي اعلان غضب. الثورة اسقطت الرمز وذهبت الى اللاعودة. فهمي لهذا معناه الان الفراغ بداخلي كيف سيمتلئ.
انت خلصت من الدكتاتورية واعلنت غضبك واسقطت الرمز وحققت معجزة اسقاط ما لا يسقط وذهبت في طريق اللاعودة وهذه الحالة هي الثورة الجمعية اما في الحالة الفردية فالان لديك طريق مجهول. هؤلاء فهمتهم والان لدينا هذا المجهول اليس ليس ابدا اسقاط النظام بل ماذا بعد اسقاط النظام. الذهاب الى اللاعودة في الثورة السورية اقرب نموذج له هو سبارتاكوس. هذه ثورة عبيد والعبد يعرف تماما انه في حالة عودته عن ثورته هو مقتول حتما فالثورة السورية تفهم ذاتها بهذا المنحى. في العادة العبد لا يغضب ولا يسقط رمزه ومستحيل ان يثور فاذا ثار فهذه ثورة عبيد لا رجعة فيها. اللاعودة تعني انني لا يمكن ان ارجع عن ثورتي عن غضبي عن اسقاط الرمز قبل تحقيق هدفي هنا يبدأ سؤال الثورة كيف يتحقق الهدف اين نريد ان نروح ما هي الطريقة؟ هنا توجد اسئلة وهناك واجب على الجميع الاجابة عنه.’ ما الشيء الأول الذي ستفعله بعد سقوط النظام السوري؟’ النظام سقط حقيقة كتركيب. لقد سقط وسقطت حوامله الاخلاقية والثقافية، وجزء كبير من الحوامل السياسية سقط ايضا. بقي من النظام الشيء المادي الفيزيائي الخاص به واعتقد انه لا يمكن اسقاط النظام قبل تشكيل ما يشبه نظاما بديلا. الأهم من سؤال كيف تسقط النظام هو ماذا بعد اسقاط النظام. لا احد تعامل جدية مع السؤال الثاني وهو ماذا بعد اسقاط النظام.
اول شيء سأفعله هو ان اعلن انني كاتب ومثقف معارض سلفا لما هو قادم، واصلا انا بدأت من هذه اللحظة لأنه في حالة كان كل الناس فرحين بالثورة واسقاط النظام واذا لم نكن يقظين لحظة اسقاط النظام سنخسر الكثير. هي لحظة نقدية يجب ان يتوقف عندها الجميع.
وبشكل انساني سوف أزور داريا واذهب لتقبيل ابن غياث مطر. هذا اول شيء أريد ان افعله بشكل انساني تحديدا. غياث مطر بالنسبة لي هو واحد من رموز سورية الجامعة وشهيد سورية كلها.
روايتك سرمدة دخلت في القائمة الطويلة لجائزة بوكر العربية كيف استقبلت هذا الخبر؟
باختصار احكيك بصدق: استقبلته بفرح غامض ودهشة للوهلة الاولى مع امنية حقيقية داخلية وصادقة ويعرفها اصدقائي والقريبون مني ان لا تذهب الى القائمة القصيرة لسبب بسيط لأن ‘سرمدة’ ستكون بدائرة ضوء مؤذية وانا غير مهيأ وغير راغب في ذلك لا اريد ان تقرأ سرمدة لأنها في البوكر اريد ان تقرأ سرمدة لأنها نفسها فانبسطت للقائمة الطويلة لانها نبهت اليها ولكنني خفت من ادخالها في القائمة القصيرة بالشكل المؤسساتي العربي لانني كنت غير مهيا ولا اعرف ان كنت سأصبح مهيأ لازم اضيف شغلة سرمدة وسيلة تعبير طلعت بشكل روائي انا لست روائيا.
انا لا أحس بنفسي روائيا. عندي شيء اريد ان اقوله لو لقيت فرضا لو اتقن تقنيات اخراجه بالسينما لاشتغلت سينماواذا كان يمكن التعبير عنه شعريا لكتبت شعرا. طاقة التعبير لدي طلعت على شكل رواية انا ما بعرف اذا كتبت رواية ثانية فسأتجه الى المشروع الروائي لكنني لا اعرف انني سأتجه لو اتجهت الى القائمة القصيرة لتم تكريسها وربما لن اكتب اي رواية في حياتي.’ في ندوة اصدار روايتك بالانكليزية سألتك احدى القارئات الانكليزيات عن كيفية تمثلك لمشاعر المرأة في روايتك، ما هو جوابك على ذلك؟’ انا لا اؤمن انه في رجل وفي امرأة في الفيزيولوجيا في بشري يستخدم وظائفه الطبيعية بطرق مختلفة لا اختلاف انسانيا بين الرجل والمرأة هناك مؤنث ومذكر بكل داخل بشري. اسوأ شيء احسه بالحياة هو التصنيف الحاد ادب نسائي او تحريرالمرأة هذا الفصل الحاد بين كيان واحد، خلال الكتابة انت تشعر انسانيا بامرأة تقتل وتحاول ان تحتل جسدها وتتلقى معها السكاكين وينفصل رأسك مع رأسها. ضع نفسك في هذا المأزق الوجودي الاجتماعي التي هي فيه واترك لمخيلتك العنان فتظهر معك احاسيس مدهشة. يقال في الشعر اذا اردت ان تكتب عن حصاة يجب ان تكونها لأن في الحصاة يتلخص التاريخ الطبيعي فكيف اذا اردت ان تكتب عن جريمة شرف اضافة الى انني لم ادن اخوتها الذين قتلوها فانا وضعت نفسي في مكانهم. هم قتلوها لانهم خاضعون لقانون ديني وسياسي.’ فهم الانوثة هو احساسك بالشخصية نفسها يعني اليس غريبا على كاتب ذكر فيزيولوجيا ان لا يحس بالمرأة. ‘ فلوبير كانت تأتيه الام الحيض عندما كان يكتب مدام بوفاري حتى انه قال انا مدام بوفاري. يمكن من هذا الجانب قدرت ان اصل الى بعض الاحاسيس التي تحسها من هي مختلفة عني فيزيولوجيا.’ قمت بتناول بعض الاعتقادات الدينية والطقسية الدرزية في الرواية، وهو أمر يعد خرقا لتابو معين؟’ الجانب الروحاني بالرواية كان محاولة لتفكيك البنية الروحية للمكان والاقتراب منها بطريقة ما. التقمص كان شبه مصيدة لي ككاتب وبالنهاية ما عاد مهما بحد ذاته وصار الموضوع مختلفا بالنسبة لي. الرواية كان لديها نهاية مختلفة غيرت النهاية بعد ان ارسلتها للناشر الانكليزي قبل العربي تم تغيير النهاية فيها التي كان رأيي في التقمص فيها محسوما لكنني اكتشفت انني غير مؤهل لاعطاء رأي قطعي في هذا الموضوع فتركت النهاية مفتوحة للقارئ.’ رافي بطل الرواية رجع الى باريس والتقى بالسيدة التي اخبرته بقصة تقمصها لكن انا لا علاقة لي ان كان سيرجع ويحكي لها ما يريد.’ بكل بساطة هذه كانت تقنية قد تكون ناجحة او تكون فاشلة. اذا انت زرت اي ضيعة سورية ليس ضروري ان تكون سرمدا واستمعت لاحاديث الناس وقررت ان تنقب في احاديث هؤلاء ستجد ان الناس يتحدثون عن المبالغات كانها حقائق. الراوي نقل هذه الحقائق بلسانه. تخيل امرأة صارت اثداءها بهذا الحجم الضخم كما في الرواية. هذا السرد الشعبي الراوي نقل لحظتين: الواقع والحكي الشعبي الاسطورة الموجودة بالداخل لانه عنده مهمة خاصة لكنه اكتشف انه يعيد اكتشاف ذاته من هنا دخل الاسطوري وهذا بحث كبير هائل ويسمونه واقعية سحرية وانا اسميه واقعية حقيقية. انت يوم تسمع امرأة درزية تتكلم عن مولاي العقل هادي المستجيبين كيف قتل المئات بسيف واحد وكيف بضربة اخرى قتل العشرات. هذا يحكى عنه كحدث واقعي يفوق الخيال لكن الناس مقتنعة انه حصل هذه واقعية واقعية انا تربيت في هذا الجو ولم يكن هناك مكان للتشكيك فيه مثلما ليس من الممكن التشكيك بالسياسي الواقعي الابدي القديم وفي قرى تأخرت فيها الكهرباء مثل قريتي كان هناك واقع يشبه الاسطورة.’ قدمت في الرواية شخصية طريفة للبعثي؟’ انا ليس لدي حقد على البعثيين والناس تقع بخطأ اساءة فهم هذه الفئة البعثية. هناك قسم كبير من هؤلاء امنوا بالبعث وعندما كنا صغارا كانت السياسة البعثية تقدم على شكل مقدسات بحيث كان الكبار في الاعياد ينقطوننا على شعار وحدة حرية اشتراكية ثلاث فرنكات او ثلاث ليرات. البعث دخل في الارياف السورية وكان يتناغم مع احساسها. الاستاذ حمود في الرواية هو شخص نبيل وهو مؤمن حقيقي ليس بنفسه. هناك ايثار سوري تعودناه ان سوريا هي جزء من كل هي جزء من الامة العربية وكان يتبرع بمرتبه لاشقائه من العرب من المحيط الى الخليج وصدمته في سنة 1967 ما تزال حاضرة حتى اليوم.
الثورات العربية كان يجب ان تحصل في السبعة والستين وهي عمليا الرد المتأخر على تلك النكسة وقبلها على النكبة. النكسة كانت اخطر من النكبة.
مشكلة السوريين ليست مع البعث. مشكلتهم ان استقلالهم سرق بشكل منهجي ومنظم ثم تمت سرقة الحرية ثم سرقة المخيلة الى ان تحولوا الى سبارتاكويين والى عبيد حقيقيين. الاستاذ حمود هو من الاشخاص الحقيقيين الذين احببتهم.’ هناك حضور طاغ واساسي للمرأة في روايتك’ اللجاة او حوران هي مكان ساحر حقيقة وهو مكان اعذر (من العذرية) علاقة الانسان فيه بالطبيعة هائلة، والمرأة فيه حاضرة بقوة شديدة في كل شيء.
هو مكان قاس ووعر وحاد بالتفاصيل الشكلية والمرأة فيه تخلق التوازن لانها جزء حقيقي من الطبيعة لتستمر الحياة، والرجل الفحل او الثائر والقوي بالارث العربي القديم هو يفتخر بانه اخو فلانة، فسلطان الاطرش كان اسمه اخو سمية.
المرأة حاضرة لأنها ارسخ في المكان والرواية رواية مكان. كان كل الرجال يهاجرون وينزحون اما المرأة هي الارسخ هي المنتظرة وهذه حقيقة تعرضت لها كثير من المناطق السورية تحديدا المنطقة التي فيها سرمدة هاجر ذكورها الى ما وراء البحار الى فنزويلا والخليج واسسوا لجيل الهجرة الجديد فبقيت المرأة حافظة المكان.
بطلة الرواية ذهبت بالغريزة الطبيعية هي مثل البقرة التي ذبحت في جملة تقال عنها تركت امان العادة الى فضول المجهول ولحقت غواية العشب الطري الذي طعمه مختلف هذه البنت لحقت العواطف خارج جغرافيا مليئة بالسطوات فالاثنتين فتحتا طريقا ما كانتا قادرتين على تكملته نهاية البقرة هي الموت حتى جلادينها وكانت هيلا منصور تعرف تماما ما فيها تروح بامان قبل ان تحرر اخوتها منها لانها اثرتهم وهم انحكموا بأنهم لا يمكن ان يستردوا حياتهم الطبيعية الا برجعتها. لقد رجعت لانها محكومة بالمكان لقانون المكان.’ وهل كان موت هيلا فقط لتأكيد دكتاتورية الاسطورة؟’ اسألك انا ايضا: لماذا يحب ايا كان ان يموت بمسقط رأسه؟ البطلة محكومة بقوانين المكان. لاحقا بعد مقتل هيلا بدأت الناس تتحرر من المكان. دم هيلا، بهذا المعنى، فتح مجالا لاخريات وبذلك زدن الحد المسموح لك الذي يمكن للمرأة ان تمشي او تدور فيه.
كان صعبا عليّ كقارئ عودة البطلة الى قريتها لتذبح.
هذا أمر كان لا مناص منه بالنسبة لي. الدائرة مغلقة. ولا يمكن للجماعة البشرية المسماة بالدروز ان تخرج عنه. التقاه: حسام الدين محمد