فاشية دينية بكوفية اسرائيلية

حجم الخط
0

يمر المجتمع الاسرائيلى بتحولات اجتماعية وثقافية كبرى وهناك مؤشرات تدل على ذلك، لكن مثل هذه التحولات لا تكون عادة واضحة تماما الا عند نهاياتها. وابرز هذه التحولات هي نهاية الصهيونية التي وان كانت قد وظفت، بانتهازية شديدة، الدين اليهودي لجلب مهاجرين يهود، الا انها كانت على العموم ذات طابع علماني. نحن الآن في مواجهة نظام الاصولية اليهودية الذي تبلور بصورة واضحة فى الاونة الاخيرة، ومن المؤشرات التي نراها في الدولة الاسرائيلية هي الضعف المضطرد للقوى العلمانية اليهودية، ونمو واضح للقوى الاصولية، بل النزعة الفاشيه اليهودية المتصاعدة واسميتها منذ بعض الوقت بـ (القاعدة اليهودية).
من ابرز اشكالات الدولة الصهيونية تاريخيا هو الاحساس القوي بفقدان الشرعية، رغم كل القوة التي تحظى بها والدعم الامريكي وسواه. لكنهم يدركون انهم فى محيط معاد لهم، ولا يوجد مثل واحد في التاريخ على ان كيانا استمر فى وسط معاد وهم يعرفون ذلك جيدا .
من الطبيعي للفلسطيني والعربي ان يشعر بنوع من الغضب عندما يرى الاصوليون اليهود يسرقون بعضا من تراثه، وهذا من السهل تفهمه. لكن من الناحية الثانية، اذا ما حاولنا فهم الامر بعمق، ان ذلك دليل مادي على الازمة التي يعيشها اليهود المحتلون في فلسطين.
انهم يسعون إلى ان يزرعوا لهم جذورا وهمية من خلال محاكاة الفلسطينيين في مسائل مثل الكوفية الاسرائيلية وسواها من الرموز الثقافية الاخرى. والجدير بالذكر ان محاكاة الفلسطينيين عبر سرقة تراثهم ليست بجديدة، وقصة استخدام الثوب الفلسطيني لمضيفات شركه العال الاسرائيلية معروفة من زمن بعيد. لكنها باتت الآن اقوى من ذي قبل، والاهم انها تتم وفق تصور ايديولوجي مختلف عن السابق، ولذا لن نستغرب ان نسمع في المستقبل عن عتابا و ميجانا يهودية !
في الماضي كان الصهاينة العلمانيون لا يهمهم ان يكون لهم اي انتماء للشرق كله، حيث كانوا يعتبرون انهم امتداد للثقافة الغربية، وكان همهم تحقيق نموذج يهودي غربي ذات طابع علمانى. بل كانوا يقمعون الثقافة اليهودية الشرقية التى كانت تفتخر بشرقيتها مثل ما حصل مع العراقيين اليهود الخ.
أما نهج اليمين (الذى يضم الكثير من اليهود العرب!) فقد كان تاريخيا يسعى الى نوع من دمج مقلوب!.نظام عنصري لكن بنوع من انتماء شرقي لأجل محاربة شرعية الفلسطينيين بشرعية مضادة، حتى ان مناحيم بيغن السيىء الذكر، اعلن مرة: (نحن الفلسطينيون الحقيقيون اما هؤلاء فعرب!) كما ان اولى حركات الاستيطان اليهودية اطلقت على نفسها لقب (الكنعانيون)! ولذا فإن ما يحصل الآن هو سعي لصياغة هوية اسرائيلية ذات طابع شرقي بطريقة مزورة طبعا تخدم النظام العنصري .
ان ما نشهده من تحول المجتمع اليهودي فى فلسطين نحو الفاشية الدينية يعكس ازمة وجودية فى هذا الكيان، ولا بد ان يكون لها تاثيرات اعمق في مرحلة لاحقة، حيث ستؤدي عاجلا ام اجلا، الى اضعاف الايمان الشعبي بالمشروع الاستيطاني اليهودي كله، وما الاداء الفلسطيني والعربي إلا عامل مهم يجب عدم اغفاله .
نحن نعرف ان ابن خلدون تحدث عن محاكاة المغلوب للغالب، وهو امر صحيح، وهناك الكثير من الامثله تدعم هذا، اما هنا فنحن ازاء تقليد الغالب للمغلوب، وهذا نصر استراتيجي، وان بالنقاط لصمود الثقافة الفلسطينية التى تستقي مصادرها من تاريخ مديد ضارب فى جذور الارض، من مثلث التراكم الحضاري من المصادر الثلاثة للثقافة الفلسطينية، الكنعانيه والسريانية والعربية، ومن التراث الروحي الفريد الذى امتـــــازت به الارض المقدسة فلسطين عبر التاريخ.
هناك البعض ممن قد لا يرى ذلك، لكن ليس لدي شك في انه عندما يكتب المؤرخون فى مرحلة ما، بعد انهيار الدولة الاسرائيلية، لا بد ان يتوقفوا عند هذه المرحلة على انها بداية تآكل مشروع الاستيطان اليهودي فى فلسطين
د. سليم نزال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية