‘فاصل ونواصل’: رجل بلا ذاكرة وفيلم بلا طعم!

حجم الخط
0

إستلهام العناوين من برامج التوك شوالقاهرة “القدس العربي” من كمال القاضي: إذا اعتبرنا أن الإقبال الجماهيري معياراً حقيقياً للإستفتاء على الأفلام والنجوم فيمكننا إضافة فيلم ‘فاصل ونعود’ إلى قائمة الأفلام الناجحة وفق هذا المعيار، وبالطبع سيشمل التقييم الفنان كريم عبدالعزيز باعتباره البطل، ومن ثم فإن إعادة النظر في كل من الفيلم وبطله ستصبح أمراً منطقياً على ضوء ما يصنعه الجمهور من مفاجآت!’فاصل ونعود’، تنويع من حيث التسمية على الجملة الدارجة على لسان مقدمي برامج ‘التوك شو’ ولكنه من حيث الدلالة الدرامية مختلف تماماً في المعنى وإن كان يتصل بعودة الوعي للبطل ‘عربي’ الذي اصيب بفقدان مؤقت للذاكرة إثر تعرضه لحادث سطو مسلح من عصابة قامت بخطف ابنه، والحادثة هنا هي نقطة الارتكاز التي تدور حولها الأحداث، إذ يسفر الخلاف بين ‘عربي’ كريم عبدالعزيز وأحمد راتب، رجل الأعمال ‘خيري منصور’ عن قيام الأخير باختطاف الطفل ‘سليم’ ابن الاسطى عربي في محاولة منه لضمه لحضانته بالقوة بوصفه ابن ابنته المتوفية التي تزوجت من السائق دون إرادته، تلك أركان الصراع في الفيلم الذي وصفه بطله بأنه يحتوي على قصة مثيرة وأجواء جديدة على السينما المصرية قاطبة فيما تشي الأحداث وطريقة التناول بأن القصة قديمة ومكررة وليس بها من الأجواء ما يثير أي اهتمام، فالحدوتة تقليدية للغاية وفقدان الذاكرة كلها أو نصفها أو بعضاً منها كما ورد في السياق العام للحكاية تم اللعب عليه تأثيرياً وعاطفياً مئات المرات منذ أن قدم الفنان حسين صدقي فيلمه الشهير ‘موعد مع المجهول’ أمام المطربة الرقيقة ليلى مراد، حيث كان صدقي فاقداً للذاكرة طوال الفيلم وظل يتذكر اشياء وينسى أشياء الى أن تعرض لحادثة أخرى فاسترد ذاكرته كاملة وتزوج حبيبته ليلى بعد ساعة ونصف من التراجيديا والعذاب، ومن يومها والسينما المصرية أدمنت هذا النوع من الأفلام الى الحد الذي بات يثير السخرية والتهكم من كل ما هو متشابه ومكرور، الجديد الذي يتصور كريم عبدالعزيز أنه مختلف في فصلانه وعودته هو ذلك التوصيف الطبي الكوميدي لطبيبته المعالجة ‘ دينا فؤاد’ بأن الحالة نادرة للغاية فهي تجعل المصاب بها لا يحتفظ في ذاكرته بالأحداث والأفعال لأكثر من ستة دقائق ينسى بعدها ما قاله كأنه لم يكن، وفي الحقيقة أن كاتب السيناريو أحمد فهمي اعتمد على هذه التيمة ظناً أنها ستعطي مجالاً أكثر للضحك ولكن للأسف خلفت الفكرة ظنه فلم تعطي غير الإحساس بالبلاهة والعبط لأن التوقف أمام شخص واحد أبله طوال الوقت يصيب بلا شك بعدوى البلاهة وهذا ما حدث فمن غير المنطقي أن يحاصر المشاهد المسكين على مدى ساعتين بمجموعة من العلل ما بين العته والإجرام والانتقام ثم يطلب منه الضحك كرد فعل لما شاهده من كوميديا، وهذا بالطبع غير دقيق فالفيلم لم يقدم رؤية كوميدية بالمعنى المفهوم ولكن ما عرض كان نوعاً من الشوشرة والتشويش فالسيناريو لم يستقر على وتيرة واحدة فلا هو كوميدي ولا هو أكشن ولا هو إنساني!! كل ما هنالك أن السيناريست أحمد فهمي والمخرج أحمد جلال وضعا البيض كله في سلة واحدة فوقعت السلة وتكسر البيض ولم يظهر لأي من المكونات الحقيقية للفيلم أثراً يذكر وهذا في تقديري ما جعل الأبطال يؤدون أدوارهم وهم في أسوأ حالتهم حتى المحترفين والكبار منهم، أحمد راتب ومحمد لطفي وماجد الكدواني وعبدالله مشرف، الجميع اجتهدوا ولكن لم يفلح واحد منهم في إقناعنا بطبيعة دوره، حيث الفنان أحمد راتب كان مرتبكاً وهو يقف في المنطقة بين الإجرام وإدعاء الطيبة وهي ذاتها المنطقة التي كان يتألق فيها الفنان المبدع الراحل استيفان روستي ويؤدي فيها الأداء الصعب دون أن نشعر بأي من الإضطراب أو الخلل في الشخصيتين.

ما واجهه راتب من مأزق هو نفسه ما وقع فيه الكدواني ومشرف فالأدوار صغيرة والشخصيات غير واضحة، والمسألة كلها أقرب إلى ‘الهزار’ منها الى الجد فليس في السيناريو ما يشجع على التجويد أو الاهتمام، وأيضا لا يوجد حافز فني قوي يدفع المخرج إلى توجيه الممثل وبذل جهد إضافي يجعل الرؤية مختلفة، الأمر برمته لا يعدو كونه ‘سبوبة’ تجارية وتواجد على الساحة وفي دور العرض استثمارا لجماهيرية كريم عبدالعزيز التي يتمتع بها بين قطاع شباب العشرين، لا سيما الفتيات اللاتي يرين فيه صورة من فتى الأحلام التي تراودهن في الخيال وأحلام اليقظة، وهذا هو السر في نجاح الفيلم الذي يفتقد لكثير من أبجديات التسلسل الدرامي ويجافي مبدأ توازن القوى في صراع البطل ‘عربي’ الفاقد للذاكرة وبقية أفراد العصابة المسلحة التي خطفت ابنه وأفنى الوقت كله في مطاردتها بمفرده متجاهلاً وصايا ضابط المباحث المكلف بالقبض على المجرمين، إشكالية أخرى فجرت نوازع السخرية تمثلت في تلك العلاقة العاطفية التي ربطت طبيبة علم النفس وعربي سائق التاكسي، خريج معهد السياحة والفنادق فقد إتكأ السيناريست في نسج العلاقة بين الطرفين على معطيات التعاطف المبدئي بين الطبيبة والمريض بتصور أن هذه مقدمة كافية لجواز اقتراب الطبيبة الثرية المثقفة من سائق مريض مطارد وهي افتراضات خيالية بالطبع لا تصلح إلا لسينما من هذا النوع يغيب صُناعها عن حتميات الواقع وشروطه القاسية التي لا تسمح أبداً بمثل هذه الرومانسيات الخائبة التي تنطوي على سذاجة وعدم دراية حقيقية بما تنطوي عليه الشخصية المصرية بتكويناتها البسيطة والمعقدة فهي تتعامل بموجب القاعدة الاجتماعية ولا تقبل الاستثناء إلا في ظروف استثنائية للغاية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية