فانتازيا تشكيل الحكومات الأردنية.. هل ينجو الخصاونة من السيناريو المحتوم؟

حجم الخط
0

د. يوسف ربابعة

يبدو أن مشهد الإثارة في تشكيل الحكومات الأردنية لم يفقد بريقه بعد، وأن الأردنيين في العادة يحبون المشهد البرتوكولي، حين يقف الوزراء أمام الملك لأداء اليمين الدستورية، وتبرق في وجوههم عدسات التلفريون الأردني، ويظهرون على أخبار الثامنة بأبهى لباس، وعلى الأغلب تكون البذلة جديدة ومن النوع الغالي، خارجة توا من المحل، والأهم من ذلك الصورة التذكارية بالسلام على الملك، والتي يحتفظ بها كل وزير في غرفة الضيوف مدى الحياة. وفي الحقيقة أنا لا أذكر ذلك من باب السخرية -لا سمح الله – لكني أعتقد بالفعل أن هناك هوسا بهذا المشهد لدى الجميع، والدليل على ذلك أننا ومن حوالي أقل من ثلاث سنوات أدى 142 وزيرا اليمين أمام الملك، طبعا مع المكرر منهم؛ 44 في حكومة الذهبي وتعديلها، و70 في حكومات سمير الرفاعي وتعديلاتها، و38 في حكومة البخيت وتعديلاتها، وها نحن أمام حكومة جديدة ستقف بعد ايام لتحلف اليمين، وعلى هذا المعدل، من الممكن وبعد سنوات، أن يكون في عنق كل مواطن أردني يمين غليظ، وصورة في غرفة الضيوف.

وإذا كان من حق كل الناس أن يتفاءلوا في الحكومة القادمة، ويروا فيها مسارا جديدا، فإنني لا أشاركهم هذا التفاؤل، ليس لأنني أحب التشاؤم والسير ضد التيار، بل لأن المعطيات لم تتغير، والظروف لم تتغير، والآليات لم تتغير، وأن ما حدث اليوم لم يختلف عما حدث بالأمس، فقد جاء سمير الرفاعي ومن قبله، ولم نعرف لماذا جاءوا ولماذا ذهبوا، وجاء البخيت الثاني – لأن البخيت 2005 يختلف عن البخيت 2011ـ وذهب ولم نعرف لماذا، وينطبق ذلك على عون الخصاونة، هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فلا أعتقد أن الحكومة الجديدة ستكون مختلفة عن سابقاتها.

وبعيدا عن العواطف والمكاسب، ومع الاحترام لكل الأشخاص، فأنا أعتقد أن الخصاونة شخصية تحظى باحترام الجميع، لكنه لن ينجو من السيناريو المحتوم الذي تمر به، ومرت به كل الحكومات الأردنية، وليس في شخصية الخصاونة وتربيته ما يمكن أن يكون متميزا عن المرحلة السابقة، فهو رجل دولة أيام المرحـــوم الملك حسين، وهذا يفرض عليه تفكيرا من نوع خاص، فقد خدم في الديوان الملكي آنذاك، حيث التعامل المبني على الاحترام الشديد، وحساب الخطوات بالميزان، وانتقاء حتى الكلمات، إذ كل شيء محسوب ومدروس، وهذا سيجعله يتعامل باحترام شديد مع الأوامر التي تصدر من الملك أو من الديوان، وسيكون من الصعب عليه رفضها. وأنا أعتقد أن المرحلة القادمة تحتاج إلى ثورة بيضاء بكل معنى الكلمة، أي لا بد أن يتجاوز رئيس الوزراء الخطوط الحمراء، والتي سيكون من الصعب على الخصاونة تجاوزها- كما أتوقع – وأقصد بذلك العــــلاقة بين الحكومة والملك وصـــلاحــيات كل منهم، وكذلك العلاقة مع الديوان والمخابرات، لأن هناك تداخلا واضحا في الصلاحيات والأعمال والولاية والمسؤولية، وذلك واضح من خلال الربط بين رئيس الحكومة ومدير المـــخابرات، وهذه ظاهرة غريبة في الأردن، إذ ما العـــلاقة السياسية بيــن مؤسستين لكل منهما عمله المنفصل؟ إن هذا يدل على عقلية الجهاز الأمني، وليس على شخص مديره فقط، والغريب – كما يقـــول أحد ضــــباط المخابرات المتقاعدين – أن كل مدراء المخابرات في السنوات الأخيرة أقيلوا وخرجوا بمشاكل، وســمعة ليست طيبة، وهذه ظاهرة غريبة.

إنني لا أري أي فارق بين اليوم وقبل سنة أو سنتين، فقد جاء سمير الرفاعي على أنه المخلّص، وقوبل بالتطبيل والتزمير والمدح والثناء، ثم ودِّع بالسب والشتم والتصفيق وكذلك كان البخيت، أليس مَثل الخصاونة كمثل البخيت ومن قبله، إذ صفق له قومه وهنأوه ومجدوه، ثم بعد أشهر خرجوا مطالبين برحيله. أعتقد أن اختيار عون الخصاونه في هذه المرحلة قد لا يكون مفيدا للمستقبل، وأنا هنا لا أشكك في قدرة الرجل، فهو يستحق كل التقدير والاحترام، لكني أتحدث من الجانب السياسي للمسألة، فقد تجاوز الحراك الشعبي كل الخطوط، وارتفعت الشعارات فوق كل الممكنات، والتراجع عنها قد يكون مستحيلا، ولذا فإن الشخصية التي قد تحظى بثقة الناس هي الشخصية التي تحمل التغيير الحقيقي نهجا وإيمانا وليس كلاما وخطابات، وأن الشخصية المطلوبة هي التي تحمل فكر الثورة على الفساد والمفسدين دون خوف أو تردد، ودون مراعاة لمنصب كبير أو صغير، كما أن الناس يتوقون لرؤية رئيس له شخصيته، ويتحمل المسؤولية كاملة ولا يسمح لأي طرف بالتجاوز عليها، حتى لو كان الملك أو الديوان أو المخابرات، فأنا لا أستطيع أن أفهم كيف يملك الديوان الملكي الميزانية للتبرع ببناء مدرسة أو مستشفى أو ملعب أو إسكان، في الوقت الذي تشكو فيه الحكومة من العجز، أليس ذلك بحد ذاته إضعاف للحكومة والتقليل من هيبتها أمام الناس؟! إن من حق رئيس الوزراء أن يرفض أي إجراء يتجاوز على ولايته العامة، وأنا لا أرى أن شخصية الرئيس قد تكون من هذا النوع، لذا فإن السيناريو المحتمل لحكومته لا يختلف عن بقية الحكومات التي ذهبت مع الريح، وأخشى أن تكون خبرات الرئيس القانونية مسخّرة لتشذيب التعديلات القانونية، والتخفيف من التغييرات الكبيرة التي يخشى النظام من حدوثها.

وأخيرا أرجو ألا يكون عون الخصاونة بعد عام رئيسا مقالا أو مستقيلا، بعد أن كان من الممكـــن أن يكون رئيــس المحكمة الدولية. ‘ كاتب اردنيِ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية