فان غوخ يطير

حجم الخط
0

عناية جابر في مناسبة حادثة سرقة ‘زهرة الخشخاش’ تمهّلت أتامّل التفاصيل الدقيقة للوّحة، التفاصيل التي لا تستوعبها إل العين المضطربة، وهذه المرّة بدا الأمر أشبه بشيء سُرق منيّ. أيّ سلالة من الرسّامين هو هذا الهولندي الآسر؟ أنظر الى اللوحة تهتّز زهورها تحت نظري، وها هو الزوغان الرائع. الزوغان المفضي الى ما يُشبه الغيبوبة. من حظك فان غوخ أنك عبقري ويسع العبقري التمتع بكل الحرية اللازمة، كأن يكون بمقدوره قطع أذنه، أو العيش في منتهى الهذيان ومن ثم الموت باكرا.’كيف تراك شعرت بعد أن قطعت أذنك’؟ هل طاوعتك نبرة اللون المشرقة؟ حين أفكرّ بالجهود الجبّارة التي بذلتها لتبقى قليلاً على قيد الحياة، أرى أنها أتت بلا فائدة. هذه الخشخاشات المعجزة! كل ما لمسته يداك هو ضرب من المعجزات. أيّ سلالة من البشر؟ لنعترف، لاشيء يُنجز في الفن بالعراك والتصميم، فهو يحدث أو لايحدث، هذا كل شيء.كان لديك تلك الرسومات الرائعة التي ترسمها، وكل شيء يُغفر لك بسبب تلك الرسومات.باقة من زهرات الخشخاش (الله وحده يعلم أين هي الآن) في إطار عادي، لكن كل زهرة تبدو وحيدة، عالماً بأكمله. ثمة حالة من الغرابة تؤطّر كل زهرة، أصلها غامض، ونمط حياة فان غوخ، يمكن أن يكون أساساً لهذه الحالة.في ترتيب الزهرات مجتمعة مع ذلك، ثمة نظام. النظام الذي هو الجنون المطبق. نظام نحتاج الى مُكبّر لرؤيته، كما لو يقف على رأس دبوس. نظام في سلسلة لونية يعرف فان غوخ وحده ان يُنظمّها. لهذا النظام الذي لايراه رائي لوحات فان غوخ، نكهة تبث الرعب في أشدّ القلوب ثباتاً. أمام لوحاته، أنهار تماماً، أُصعق. لقد لحّم الألوان، ذلك الكيميائي البائس مع بعضها في مليون ضوء ولون.مادة جوهر يجمعها، وتكون كوناً من الجمال تتحرّك فيه أجرام هائلة متألقة دون أدنى خطر من تصادمها، أو من افتقارها الى الإنسجام.فان غوخ يطير. إنك ما أن تصبح فصامياً حقيقياً حتى يغدو الطيران أسهل شيء في العالم، والخدعة هي أن تطير بروحك الأثيرية في عالم كتابتك أو لوحتك، أن تخلّف وراءك حقيبة جسدك الملأى بالعظام والأحشاء. أن تطير فقط بجنونك الثابت، بموهبتك التي هي دائماً إذا ما وقفت لحظة وفكرّت، مزوّدة بجناحين. الطيران على هذا الشكل في اللوحات المؤطرّة، له مزايا على الطيران الذي ينغمس فيه الأصحاء، أنصاف الموهوبين. وكما أن أرّق النسمات تستطيع تحريك غابة مترامية الأطراف، فهذا ما فعله فان غوخ بروحه القوية كالصخرة، وبدافع داخلي لا يُسبر غورهُ.ليس لزهرات خشخاشه نهايات ثابتة ـ إن دققّت النظر ـ وهي لا تُبلى أبداً. كل زهوره في كل لوحاته، هي لاكتشافات ناقصة لذات متوجّعة. يمكن لبعضنا أن يتلمّس طريقه كاتباً، أو شاعراً، او رسّاماً، أو حتى متجولاً، أن يتخذ له وجهة أو يراقب الظواهر الجارية، بل ويمكنه الشعور بالألفة. مع فان غوخ لامجال لنسف الجذور المتمكنة منه، فلحظة بدأ بالشعور بالإستقرار، إنهار تماماً، وتفككت مجرّات أحاسيسه عن مراسيها، وتحركت ذاته وانزلقت في الهاوية التي انفتحت أمامه. لوحاته كلها، تبدو متحركة بصمت، بشؤم، صافية ولا مبالية وتثير القشعريرة إزاء هدف مجهول، خفي.كل ما سبق إنما لأقول انيّ وأنا أقرأ عن سرقة لوحة ‘زهرة الخشخاش’ من أحد المتاحف في القاهرة، تعادل بالنسبة لي المطهر الذي وصفه دانتي بتفصيل جميل. اللوحة عبرت الى عالم الصغار، حيث لا خوف، بل شعور بالفاجعة.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية