نظّم غاليري “Tate Britain” في لندن معرضًا استعاديا للفنان الهولندي الشهير فنسنت فان كوخ (1853-1890). وقد ضم المعرض مجموعة كبيرة من أعماله الفنية المتنوعة الأحجام والثيمات، لكن القائمين على الغاليري ركزوا كثيرًا على 50 لوحة ترصد تأثره بالفنانين الإنكليز وتأثرهم به، فمثلما ألهموه وحرّضوه على الإبداع، ألهمهم هو الآخر، واستدرجهم إلى عوالمه الفنية التي كانت غامضة وعصيّة في ذلك الوقت حتى على النقاد والمختصين بالفن التشكيلي.
ينتمي فان كوخ إلى مدرسة “ما بعد الانطباعية” التي ستُفضي لاحقًا إلى المدرستين التكعيبية والوحشية، فهو لم يتقيّد بتقاليد “الانطباعية” وقيمها الفنية الثابتة التي تعكس الجانب الموضوعي للفنان وإنما تعدّاها إلى الجوانب النفسية التي تستغور أعماق الفنان، وتعكس مشاعره الداخلية المتضاربة التي ينفّذها بضربات الفرشاة العنيفة، والألوان الثقيلة الصريحة التي لم يستسِغها المتلقّون في حينه لكنهم اعتادوا عليها، وتطبّعوا على مفرداتها التشكيلية الغريبة.
لوحات لأجيال قادمة
ولد فنسنت فان كوخ عام 1853 في زونديرت بهولندا، ثم قَدِم إلى لندن وهو العشرين من عمره، وقد زاولَ مهنًا متعددة بعد أن ترك الدراسة في سن الخامسة عشرة حيث عمل موظفًا في شركة تتاجر بالأعمال الفنية، ثم مساعد معلّم في الريف الإنكليزي، فواعظ في عدد من الأحياء غربي لندن قبل أن يحسم أمره وينقطع إلى الرسم وهو في سن السابعة والعشرين حيث أنجز خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته 2100 عمل فني من بينها 860 لوحة زيتية رسمها في العامين الأخيرين من حياته وهي تشمل المناظر الطبيعية، والطبيعة الصامتة، والبورتريهات. لم تكن لوحاته ناجحة تجاريًا ولكنها كانت مرسومة لأجيال قادمة تعرف قيمتها الفنية وهذا ما تحقق بالفعل حين أصبحت لوحاته من أغلى الأعمال الفنية في العالم.
ينقسم المعرض إلى قسمين أساسيين، الأول يركّز على تجربة فان كوخ في لندن، والمعطيات الأدبية والفنية التي لفتت انتباهه، بينما يستكشف الجزء الثاني تأثيره الفني على الفنانين البريطانيين حتى الخمسينات من القرن العشرين، لكن هذا التقسيم يبدو قاصرًا ولا يُسعف المتلقي بشيء فكل لوحة من لوحات هذا الفنان الذي كان يُوصف دائمًا بـ “العبقري المجنون” تأخذنا إلى مساحات وآفاق واسعة تغطي في الأقل المناخ الأوروبي الذي يتسع شيئًا فشيئًا حتى يلامس الجهات الأربع للكرة الأرضية.
الشغف بالقراءة
ما إن يلج المتلقي إلى الصالة الأولى حتى تسترعي انتباهه مجموعة من الكتب والروايات الإنكليزية المرصوصة على أحد الرفوف، فالرسّام فان كوخ كان يتقن أربع لغات قراءة وكتابة من بينها الإنكليزية والفرنسية، وكانت هذه الروايات والمجموعات الشعرية مصدر إلهام وسعادة لا توصف بالنسبة إليه، ومن بين الكُتّاب والروائيين الذين قرأ لهم، تشارلز ديكنز، وجورج إليوت، وكريستينا روزيتي، ووليم شكسبير. وقد كتب لأخيه ثيّو ذات مرة قائلاً: “قراءة الكتب تشبه النظر إلى اللوحات، وعلى المرء أن يجد ما هو جميل”. وتعزيزًا لشغفه بالكتب حتى السنة الأخيرة من حياته، رسم فان كوخ خمسة بورتريهات لصديقته ماري جينو التي كانت تدير كافيه المحطة في مدينة آرل وقد أسمى اللوحة “امرأة من آرل”. ولو دققنا النظر في الكتابين الموجودَين على الطاولة لوجدنا الأول “ترنيمة عيد الميلاد” لتشارلز ديكنز والثاني “كوخ العم توم” للروائية الأمريكية هارييت بيتشر ستو المعروفة بمناهضتها للعبودية.
إثر وصوله إلى لندن عمل فان كوخ في مؤسسة “غوبيل وسي” وسكن مع أورسولا لويَر وابنتها يوجيني في ستوكْويل في جنوب لندن وقيل إنه كان معجبًا بيوجيني وقد تحرّكت عواطفه تجاهها لكن المعرض أهمل هذه الحادثة مُكتفيًا بالإشارة إلى احباطه العاطفي مع أنها مهمة لجهة تواجده في هذه المدينة الكوزموبوليتية. كان فان كوخ يستعمل القوارب النهرية، وقطارات الأنفاق أثناء تنقلاته اليومية لكنه كان مشّاءً بامتياز يعبر جسور المدينة ويتأملها كثيرًا، وقد ألهمه النهر العديد من اللوحات الفنية بما فيها تلك الأعمال التي رسمها على أنهر أخرى مثل الرون والسَين وغيرهما من الأنهار الجميلة التي أبهرت المتلقين.
يعترف فان كوخ بأنه كان ضعيفًا أمام براعة الفنانين الإنكليز في الأعمال الفنية الطباعية التي يمكن أن يتلّمس فيها المُشاهد ثنائية الضوء والظل وما تنطويان عليه من قوة درامية واضحة. ونظرًا لأهمية هذه الأعمال فقد جمع فان كوخ أكثر من 2000 عمل طباعي وهي التي ساعدته لاحقًا لتطوير أساليبه الفنية في الرسم وأعانته في العثور على موضوعات جديدة تمسّ حياة المواطن العادي مع أنّ هذا الأخير كان يرى في رسوماته، وخاصة الطبيعة الصامتة، أقلّ جمالاً من الأزهار الحقيقية التي نراها في الحدائق وأصص الشرفات.
ضربات الفرشاة العنيفة
تحتفي الصالة الثالثة ببورتريه شخصي للفنان فان كوخ وهو واحد من البورتريهات الخمسة والثلاثين التي رسمها لنفسه طوال حياته الفنية التي استمرت عشر سنوات لا غير. وقد رسمَ هذا البورتريه في مستشفى سانت بول في خريف 1889 بعد تكرار نوبات مرضه العقلي في صيف ذلك العام الذي قال عنه: “بدأ اليوم الأول الذي استيقظتُ فيه، وكنتُ نحيلاً، وشاحبًا كالشيطان”، وقد اشتهرت هذه اللوحة بضربات الفرشاة العنيفة الملتوية وكأنها تعكس الألم الذي كان يعانيه أثناء النوبات التي كانت تُدهمه على حين غِرّة، لكن بارقة الأمل في هذه اللوحة كانت واضحة من خلال “الباليت” وحزمة الفُرَش التي يحملها في يده ليؤكد لعائلته وأصدقائه بأنّ صحته جيدة وأنه قادر على العمل ومواصلة إنتاج اللوحات الفنية.
تضم الصالة الرابعة عددًا من اللوحات الفنية المهمة لكن تظل “الليلة المرصّعة بالنجوم فوق نهر الرون” التي أنجزها عام 1888 هي الأكثر جاذبية، فهي تُذكِّرنا بنهر التيمز وضفافه عند ويستمنستر التي أدمن تأملها، ولعل انعكاسات الأضواء والنجوم على سطح الرون تحيلنا إلى المناخ الانطباعي الذي ساهم في تأسيسه مع مونيه ومانية وديغا وسيزان وسيسلي وغيرهم.
ترك فان كوخ هولندا مرة أخرى في عامه الثاني والثلاثين والتحق بأخيه ثيو في باريس حيث التقى عددًا من الفنانين الذين يتحدثون اللغة الإنجليزية، وهناك طوّر أسلوبه الغريزي الناضج، وأمضى في باريس سنتين قبل أن ينتقل إلى “آرل” في جنوبي فرنسا ويؤسس جمعية للفنانين لكن نوباته المرَضية كانت قوية هذه المرة بحيث اضطرته للذهاب إلى مستشفى سانت بول وتلّقي العلاج فيها من دون أن يحرموه من نعمة الرسم؛ المهنة الوحيدة التي يجيدها في حياته. وبعد تحسّن حالته الصحية عام 1890 عاد إلى قرية أوفير سور واز المحاذية لباريس كي يعيش على مقربة من أخيه ثيّو حيث كان ينجز كل يوم لوحة واحدة لكنه في 27 تموز/يوليو أطلق النار على صدره وفارق الحياة بعد يومين متأثرًا بجراح الطلق الناري.
ربما تكون لوحة “أشجار الصفصاف المقطوعة الرؤوس” التي وضع اللمسات الأخيرة عليها عام 1888 هي الأكثر إبهارًا للمتلقّين رغم أنّ اللون هو الذي يتسيّد مناخ اللوحة، إلاّ أنّ موضوعها يرسخ في الأذهان ولا يغادر الذاكرة البصرية للمتلقين، تمامًا كما ترسخ في الأذهان لوحات أشجار الكستناء التي تكتظ بها الطرقات المُفضية إلى مستشفى الأمراض العقلية في سانت ريمي وغيرها من المصحات المشيّدة في أماكن محددة في البلدات والمدن الفرنسية.
سمفونية لونيّة
تُعدّ لوحة “عبّاد الشمس” واحدة من أشهر اللوحات في العالم وتوجد منها خمس نسخ موزعة على كل من أمستردام ولندن وميونيخ وفلادلفيا وطوكيو وقد رسم النسخة الأولى كي يزيّن بها غرفة صديقه غوغان في البيت الأصفر الذي استأجره في “آرل” وعمل فيه مع صديقه غوغان بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر عام 1888. وقد أخبر شقيقه ثيّو بأنه يعمل بحماس منقطع النظير لتنفيذ هذه اللوحة التي رسم منها أربع نسخ حتى ذلك الوقت، وسوف ينجز النسخة الخامسة في وقت لاحق. تتألف اللوحة من 14 زهرة عبّاد شمس مثبتة في مزهرية تعطي للناظر انطباعًا مُذهلاً وهو يتطلع إلى هذه السمفونية اللونية المُبهرة التي يهيمن عليها اللونان الأصفر والأخضر وتدرجاتهما المتناغمة مع فضاء العمل الفني ولا تزال هذه النسخ الخمس موضع نقاش كبير لم تنتهِ تداعياته حتى الآن.
ومن اللوحات المميزة لهذا المعرض هي لوحة “حزن الرجل العجوز” التي أنجزها في أيار/مايو 1890 في سانت ريمي بعنوانها الإنكليزي وقد كانت في الأساس عملاً ليثوغرافيًا نفّذه قبل ثماني سنوات حين كان معتلاً ولم يستطع الخروج إلى الطبيعة التي يحبها، وقد لاحظ طبيبه هذا المشهد الكئيب لفان كوخ وهو يضع رأسه بين يديه المتكئتين على فخذيه، وإذا تحدّث معه شخص آخر فإنه يشعر بالألم، وكان يومئ لمتحدثه أن يغادر ويتركه وشأنه. ولهذا كان يصفونه دائمًا بالعبقري المتوحّد وغير السعيد.
نختم هذا المقال باللوحة التي رسمها الفنان البريطاني فرانسس بيكون وأسماها تسمية دقيقة ومعبّرة وهي “شبح على الطريق” رسمَ فيها شخصية فان كوخ وهو يمشي بقامته المحنيّة في قلب الطبيعة، ويبدو أن بيكون قد رسم هذا التكوين من إحدى الصور الفوتوغرافية لفان كوخ الذي كان وحيدًا ومنعزلاً، كما أن الظلال القاتمة توحي بالكآبة وكأنّ الآخرين جميعًا قد أساؤوا فهمه ولذلك وجد ضالته في العزلة والتوحّد. ويعتقد بعض النقاد أن بيكون قد شاهد فيلم “شهوة للحياة” الذي ركّز مُخرجهُ على فكرة العبقرية المتوحدة التي نأت بنفسها عن الحياة العامة بعد أن يئس من إمكانية التواصل مع الآخرين.