فاوست في المزادات المُفْلِسَةِ للمعرفة

حجم الخط
0

سعيد أراق

ما من وعيٍ إلا وهو وعيٌ بالموت والألمميغيل دو أونامونولنبدأ من هنا: مدينة صغيرة تسمي كنتلنغن Knilingen في ألمانيا. هادئة برتابتها الجميلة التي يستعذبها الباحثون عن الملالة والسكينة. هنا مضارب الدكتور يوهانس فاوستوس Johannes Faustus المشهور عالميا باسم: فاوست، ومن هنا انطلقت شرارته لتعم أرجاء العالم، ولترسم ملامح الإنسان الذي يريد أن يعلم حتي ولو باع روحه للشيطان. في أركيولوجيات البحث عن حقيقة هذه الشخصية، يحكي أن فاوست ليس شخصية من نسج الخيال، بل شخصية واقعية عاشت بالفعل في مدينة كنتلنغن. وكان يمارس مهنة الطب، قبل أن يتحول إلي شخصية تأتي بالعجائب ويصدر عنها ما لا تدركه الألباب ولا تدري كنهه العقول. وتقول الأقاويل إنه تعاقد مع الشيطان، فباعه روحه مقابل الحصول علي العلم والجاه والقوة والمعرفة. ثم مات بعد ذلك في ظروف غامضة. وانتهي فاوست، لكن أسطورته ظلت مُستعادَة.

لَئِنْ كان الإنسان يحلو له أن يتمثل رمزيًا بما ليس هو علي وجه الحقيقة، فإن في ذلك استجلاء لِمُضْمَرَاتِ طبيعته التي لا تَتَبَدَّي إلا بالتمثيل والمماثلة. فالإنسان هو دون كيشوط في نَبَالَتِهِ المضحكة المبكية. والإنسان هو سيزيف في عبثية مصيره. والإنسان هو أوليس في مكره وتغربه وتيهه. والإنسان هو بروميثيوس. وهو أوديب. وهو أورفيوس. وهو نارسيس. وهو كذلك فاوست، ذلك الرجل الذي باع روحه بثمن بخس من أجل أن يعلم. يقول فاوست: آه! لو أن قوة الروح وَصَوْلَةَ الكلام، تكشفان لي الأسرار التي أجهل، آه! لو أني لم أكن مجبرا بشقاء علي قول ما لا أعلم. يا حبذا لو كان بإمكاني أن أعرف كل ما يحجبه عني هذا العالم!

، وأن أري ـ دون أن أثقل كاهلي بالكلمات التي لا تجدي ـ كل ما تضمره الطبيعة من طاقة خفية وبذور يانعة أبدية!2 . وبعد أن تَحْصُلَ له المعرفة التي قايضها بروحه، يستشعر فاوست أنه استكمل مدارج الارتقاء الأوفي نحو ما يمثل التَّوْقَ الأبديَّ المغذي لكل الاستيهامات الإنسانية. فيخاطب نفسه بكلمات نرجسية حالمة: هل أنا الآن إله؟ كل شيء أضحي في ناظري واضحا كالشمس. في هذه الخطوط البسيطة، يتجلي العالم لروحي بكل ما فيه من حركة الحياة، وكل ما يستضمره من طاقة مفعمة خلاقة. وهاأنذا أخيرا أتعرف علي حقيقة أقوال الحكماء!3 . إن هذه المعرفة التي تَأَتَّتْ لـ فاوست من حيث لا تتأتي لباقي الناس، ليست من نوع المعرفة الاستعلائية بالمعني الكانطي للكلمة. إنها معرفة تقوم علي مرجعية المصادرة، مصادرة الذات التي يتاح لها أن تتبوأ مقام المعرفة، لكن ليس من منطلق التجلي والحضور، بل من منطلق الاستلاب الذي يجهز علي كل أملٍ لاحق في انتشال الذات من تردِّياتها الرَّعناء ومن القبضة التي لا ترحم. وإذا كان المَيْسَمُ الجوهري للمعرفة هو كونها تحررية وتحريرية بالانتساب والطبيعة والتعريف، فإن المعرفة علي الطريقة الفاوستية، تقترن مبدئيا بطقوس المبايعة التي تتحول رمزيًا، إلي نوع من تصفية الحسابات التعاقدية بين كِيَانَيْنِ لا يحتكمان إلي نفس المقتضيات والمنطق. وهي بالتالي معرفة لا تُحَرِّرُ الذات ولا تعلو بها ولا ترسم لها مآلا بهيًّا في الأفق البعيد، بل تُطْبِقُ عليها من كل صوب وجانب، وتستبقيها بالتالي ضمن حدود الوعي الشقي بالقضاء المشؤوم والمصير المُدَرَّجِ بالمأساة. وبالتالي فمُتَرَتَّباتُ المسار الذي انخرط فيه فاوست، ليس فيها علي وجه الإطلاق أي هامش لمصير مغاير أو تطور اختياري، حر ومتاح. لقد قال إرفين لازلو Ervin Laszlo: إن التطور ليس هو المصير، وإنما هو الفرصة4 . لكن التأمل في قصة فاوست، هو تأمل في محدودية الفرص والاختيارات المتاحة أمام الإنسان الذي عليه أن يشقي من أجل أن يعرف. وحين تتحصَّلُ له المعرفة من حيث لا فِكَاكَ ولا مفر، تصبح قمة الحكمة هي توطين الذات علي تبرير ما لا يطاق. وهكذا تنشأ المعرفة التي لا تفيد ولا تستفيد، لأنها معرفة تنفي الذات العارفة وتحشر كل خطاب حولها ضمن منطق التَّأسِّي والتأبين. ومن هنا يبدو أن المعرفة علي الطريقة الفاوستية، هي بمثابة مؤشر رمزي علي المأزق الإنساني. فحالة الإفلاس الفاوستي، ليست حالة فاوست/الشخص، بقدر ما هي حالة فاوست/الإنسان. وهذا النوع من المعرفة، ليس رهانًا بحتًا، بل هو ضرب من المراهنة أو القِمار. وكل مقومات المعرفة الفاوستية، تتغذي حَصْرًا من مرجعية غيرية فادحة التسلط، شيطانية المقام، مما يجعل منها معرفة مشروطة نصيًا ومقاميًا ومصيريًا بشرط الاستلاب والتبعية. وما يهمنا من دلالة هذين المفهومين ـ في هذا السياق ـ ليس الدلالة الإيديولوجية، وإنما الدلالة الإبستمولوجية والفلسفية في أبعادها المؤسِّسَة لخصوصية الشرط الإنساني ومحتوي تجربته الوجودية الماثلة والشاخصة. لقد قال القديس أوغسطين: إن الإنسان الصالح، يكون حرًّا حتي حين يكون مثقلا بعبوديته. لكنها بالتأكيد ليست حالة فاوست أو من جري مجراه. لأن العبودية قد تكون بدورها مستساغة ولذيذة لمن أنشأته صروف الدهر علي استرخاص الروح وتمجيد الشيطان. وعليه هل في بنياتنا أو ما يشبه البنيات المعرفية، بنيات فاوستية؟ هل نملك وَعْيَ ربط المعرفة بالتحقق السافر للذات أم أن معارفنا ليست في نهاية المطاف سوي الوجه الآخر لتغييب ذواتنا واسْتِعْذابِ ما نحن فيه من مَضْيَعَةٍ ومَسْغَبَةٍ وإقصاء؟. ألم يكن امْرُؤُ قَيْسِنَا فاوستيًا قبل فاوست؟ هو أيضا كان له شيطانه الذي يلتقي به خارج مضارب القبيلة لكي ينفث في رَوْعِهِ مُسْتَلْطَفَاتِ القصائدِ وساحِر الأشعار. كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية