يحيى القيسيمثلما يحدث دائما تأتينا الأخبار برحيل عزيز أديب أو قريب فنبدأ بلوم الذات على تقصيرنا تجاهه، وعدم إخلاصنا في الوقوف إلى جانبه، وتوثيق التواصل معه، ولكنني في حالة الصديق الراحل فايز محمود كنت أتوقع الأمر تماما منذ عرفته عام 1989 حينما كان في قمة عزوبيته، وحريته الوجودية التي لم يتخل عنها يوما، فقد كان دائما مشروع كاتب راحل سواء بمحاولات الانتحار العبثي بسبب تكالب ظروف الحياة المتشابكة وأفكاره الفلسفية، أو بسبب ضيق العيش والقتل البطيء له بالمرض وسوء الظروف المحيطة، وطبيعة عيشه دور الكاتب المحلق في الأعالي والمنغمس بالكتابة والقراءة حتى النخاع، اذ كان شعاره الساخر دائما لأصدقائه ‘ماكل شارب قاري كاتب’، ولعل هذا الانغماس الكلي في القراءة والتأمل الفلسفي في الكون جعل منه مشروع رجل حالم يعيش في المجرات وينشغل بالثقوب السوداء أكثر مما يعيش على الأرض، ولهذا فإن مشكلة فايز محمود تتلخص برأيي بأنه كان فعلا ضحية إخلاصه اللا محدود لفعل الكتابة والانكباب عليها وبالتالي جرت عليه لعناتها التي لا ترحم خصوصا في بلد لا يقدر كثيرا فعل الإبداع ويطرد غالبا مثقفيه وكتابه خارجه أو يجعلهم يعيشون حالة اغتراب.
كان فايز أيضا ذا طبيعة إنسانية شفافة وراقية يقترب من الطفل الصغير في تصرفاته، ولا يتقن تفاصيل الحياة اليومية ولا طبيعة التعاملات المادية المقلقة بين بني البشر، كان يعيش يوما بيوم، واتخيله مثل كائن قادم من كوكب آخر تورط في العيش وقسوته وعانى سوء فهم الآخرين لطبيعته وسلوكه وتفكيره، ورغم أن هذا الانشغالات المادية لتأمين قوت الحياة اليومية له ولعائلته قد أخذت منه الكثير من الجهد إلا أنه كان كريم النفس ومنفتح اليد بطريقة عجيبة بحيث أنه يمكن أن يعطي ما بيده لغيره دون ندم إن شعر أن الآخر أكثر حاجة منه.
لقد أحببت فيه بحثه الدؤوب والعميق عن أسرار الكون والله، وأذكر تأثيره العميق على حياتي الفكرية حينما ساهم في نقلي من الايمان التقليدي إلى اللا ايمان ذات ليلة من نهاية الثمانينيات ثم كيف عدت اليه بعدها بعشر سنوات وانا في مرحلة ايمانية مغايرة وجرى نقاش كبير بيننا على طريق معرفة الله، وأذكر انه كان يستمع لي بحب واقتناع واعجاب برحلتي الروحية، وأنه وصل إلى الأمر نفسه لكن بمسار مختلف، فقد كان يحدثني عن الله الذي يشعر معه بطاقة الحب الهائلة.
من جانب آخر فقد شكل فايز محمود لجيلي من الكتاب في الأردن حالة ثقافية وإبداعية وإنسانية خاصة تعلمنا منها الكثير، وأنا شخصيا استفدت من خبراته الثقافية والصحافية الكثير حينما عملت سكرتير تحرير مجلة ‘صوت الجيل’ في العام 1997 وكان هو رئيس تحرير لها، وكان أيضا السبب في نقلي من العمل في وزارة التربية معلما إلى وزارة الثقافة، وقدر لي ان اقترب من تفاصيل حياتية خاصة به منذ عرفته حينما مر بمرحلة حب عالية أثمرت الزواج وابنتيه وحياة متواصلة فيها الكثير من الصعود والهبوط حتى رحيله، مرورا باصداراته الكثيرة من الإبداع والفكر.
كنت دائما اتوقع أن اسمع خبر رحيل فايز محمود لأن كل المؤشرات كانت تدل على ذلك، وكنت اتخيل كيف سيكون عليه الأمر، واشعر الآن اني اكرر فقط تلك الحالة التي عشتها بتفاصيلها ذات مرة ربما ولو في الخيال.
ذات مرة كتبت عنه مقالا مطالبا بانهاء معاناته الإنسانية بتوفير عمل او دخل يحترم خبراته وابداعه وثقافته العميقة ويبدو أن النداء لم يصل لأحد رغم انقضاء عشرين سنة على الأقل على كتابة هذا المقال، فحتى آخر يوم في حياته ظل فايز يعاني دون انتباه حقيقي له، وربما علينا اليوم أن نؤبن انفسنا مسبقا واغترابنا الحقيقي هنا قبل أن ترحل اجسادنا فيتحمس المتحمسون لفائض الكلام الذي لا يغني ولا يسمن من جوع.
رحيل فايز محمود وهو يعاني المرض والفقر له ولعائلته التي تركها خلفه دون أي دخل مادي يفتح الباب عاليا على مصراعيه لفضيحة ثقافية مدوية للانتباه إلى الموتى المنتظرين من الأدباء والمبدعين الأردنيين الذين يعانون شظف العيش وسوء الأحوال، حتى لا نتقن فقط فن تدبيج العبارات عن الوضع المثالي للثقافة والمثقفين فيما الحقيقة تجأر إلى الله العادل من شدة الظلم وسواد المشهد..! فلنشعل شمعة لروح صديقي فايز محمود الإنسان والمثقف الحقيقي ولنقرأ سورة النور على أرواحنا التي طالها الخراب..! روائي وصحافي أردني[email protected]