«فايس» لآدم مكاي… ديك تشيني المتحكم في دهاء وخفاء في البيت الأبيض

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
3

برلين ـ «القدس العربي»: إنه الرجل الصموت، الذي يتحكم في المصائر بدون أن يعلو صوته، أو يجذب الانتباه لذاته، إنه المتحكم الحقيقي في مقاليد الحكم والسلطة في الولايات المتحدة. إنه ديك تشيني، الأكثر نفوذا من بين نواب الرؤساء الأمريكيين، وربما قد يكون الأكثر دهاء. يُعتقد أنه العقل المدبر وصاحب القرار الحقيقي إبان تولي جورج بوش الابن الرئاسة في الولايات المتحدة.

«فايس» للمخرج الأمريكي آدم مكاي، المعروض خارج المسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (7 إلى 17 فبراير/شباط الجاري) يسلط الضوء على خمسة عقود من حياة ديك تشيني، واحد من أكثر الشخصيات غموضا ونفوذا في المعترك السياسي الأمريكي والدولي. يقوم بدور تشيني كريستيان بيل في أداء وتقمص متقنين، ويصحبنا الفيلم في رحلة للعالم الغامض لتشيني، منذ طرده من جامعة ييل لتكرار الرسوب ومعاقرة الخمرة، إلى عمله في حرف يدوية بسيطة في وايومنغ، وبدايات دخوله عالم السياسة كمتدرب في الكونغرس، وتدرجه في الإدارات الأمريكية المختلفة، حتى الوصول إلى منصب نائب الرئيس، والحاكم من خلف ستار، في إدارة بوش الابن (سام روكويل). يصحبنا الراوي، الذي لا نعرف هويته الحقيقية إلا قرب نهاية الفيلم، في رحلة في عالم تشيني، ومراحل تطوره السياسي، ويدخلنا في عالمه الخاص وعلاقته بزوجته لين (إيمي آدمز)، التي كانت أحد الدوافع الرئيسية لتقدمه ونجاحه.

ما كان تشيني ليدخل المعترك السياسي الأمريكي بدون دعم لين، وبدون مساندة السياسي صاحب الدهاء والخبرة دونالد رامسفيلد (ستيف كاريل).

ما كان تشيني ليدخل المعترك السياسي الأمريكي بدون دعم لين، وبدون مساندة السياسي صاحب الدهاء والخبرة دونالد رامسفيلد (ستيف كاريل). إبان توليه منصب نائب الرئيس، بدل تشيني بدهاء وهدوء موازين القوى في الولايات المتحدة، لتصبح السلطة الحقيقية في يده، بينما يتبدى للعالم أن السلطة في يد الرئيس بوش. هذا الرجل المعطوب عضلة القلب، الذي تلعب أزماته القلبية المتكررة دورا مهما في سردية الفيلم، أصبح بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول المتنفذ الحقيقي في السلطة في الولايات المتحدة، ذلك اليوم الحاسم في التاريخ العالمي، الذي أعاد فيه تشيني رسم خريطة العالم، وغيّر معالم السياسة الخارجية للولايات المتحدة. «الولايات المتحدة لا تُعذب» هي السياسة المعلنة لإدارة بوش/تشيني، ولكن كل الإجراءات المتخذة من قبل الإدارة الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر مثل، الإيهام بالغرق وغيرها من أساليب التحقيق هي تعذيب بأسماء أمريكية منمقة كان تشيني من مبتدعيها. تشيني هو العقل المدبر لسياسة مكافحة الإرهاب الأمريكية، وكل ما تلاها من مراقبة وتضييق على الحريات في الداخل، ومن حروب طاحنة راح ضحيتها الملايين في الخارج، خاصة العراق وأفغانستان.
ولكننا لا نرى في ديك تشيني داهية سياسية منفردة، ولا صاحب دهاء ومكيدة ضمن منظومة خيرة طيبة. يرينا الفيلم أن تشيني تتلمذ على يد رامسفيلد، واختار أن يكون منهاجه الفكري منبثقا من دهاء رامسفيلد، الذي أُجبر في مرحلة ما للابتعاد عن عالم السياسة، بسبب فضيحة مالية. لم يكن تشيني الوحيد الذي يرى أن جميع الإجراءات المتخذة من الرئيس هي بالضرورة الحتمية إجراءات شرعية ومشروعة، حتى إن كانت إجراءات قامعة وقمعية وجائرة، فهو قد تتلمذ على يد مشرعين يرون أن ما يحق للرئيس الأمريكي لا يحق لغيره.

يوضح ماكي أن السياسة هي فن الخداع الممنهج للرأي العام في الداخل والخارج.

لا يقدم مكاي تسلسلا زمنيا تقليديا للأحداث، بل ينقلنا من الحاضر إلى الماضي، ويرسم لنا علاقة تشيني بزوجته وابنتيه، ويحاول أن ينفذ بنا إلى أعماق هذه الشخصية. قد نظن أن فيلما عن ديك تشيني يجب أن يكون جادا، متجهما، منخفض النبرة، ولكن مكاي يلجأ إلى السخرية لرسم صورة تشيني والمحيطين به، خاصة صورة بوش الابن، ونرى أن مكاي يجد أن السخرية والنقد اللاذع هما خير سبيل لتناول شخصية تشيني وعالم السياسة الأمريكي. الشغب المرح الموجع في سخريته هو الأسلوب الذي اتبعه مكاي في الفيلم، فهناك نهايات نظن أنها نهايات، لنجد أننا خدعنا وأن الفيلم مستمر، وهناك الراوي الذي يسخر من كل ما نراه. ربما وجد مكاي أن الضحك مما يجري هو خير تعامل معه وتمرد عليه. يوضح ماكي أن السياسة هي فن الخداع الممنهج للرأي العام في الداخل والخارج. فمن أجل مصالح شركة هاليبرتون النفطية، التي كان يرأسها تشيني، يجب إيجاد مسوغ لغزو العراق، ويجب أن يكون من يسوق هذا المسوغ ويعلنه على الشاشات هو كولين باول، وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، أكثر من أشارت استطلاعات الرأي إلى ثقة الأمريكيين به. يجمع مكاي الحقائق ويسوقها أمامنا بتهكم لاذع وبقدرة كبيرة على الاحتفاظ باهتمام المشاهد، رغم جدية عالم السياسة ومن جدية الشخصية الرئيسية للفيلم، يقدم مكاي فيلما ممتعا لحد كبير، ويكشف الكثير من مفاتيح شخصية ديك تشيني، أحد أكثر الشخصيات السياسية الأمريكية هدوءا وصمتا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية