لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا لمراسليها أندرو إنغلاند وأرشد مسعودي، عن الإسراف السعودي في المشتريات الخارجية وما أنفقته هيئة الاستثمار العامة على استثمارات خارجية في الوقت الذي كان فيه اقتصاد البلاد يعاني من أزمة.
وتحت عنوان “لا تضيع أزمة: في داخل فورة المشتريات السعودية” أشار الصحافيان إلى ما قاله ياسر الرميان، مدير هيئة الاستثمار السعودية، وهي بمثابة الصندوق السيادي للمملكة، في اجتماع افتراضي ضم عددا من المصرفيين والمستثمرين في شهر نيسان/ أبريل: “لا تريد تضييع أزمة وحتى هذا الوقت فنحن ننظر في أية فرصة”، وهي تصريحات ليست مجرد كلام، فلم تتردد الهيئة من أي فرصة استثمارية منذ أن وقعت تحت سيطرة محمد بن سلمان، ولي العهد قبل خمسة أعوام. وتريد أن تكون المستثمر الأكثر تأثيرا وأكبر صندوق سيادي”.
وفي الوقت الذي أضعف فيه فيروس كورونا الاقتصاد حول العالم، زادت هيئة الاستثمار من العجلة كي تصبح أنشط صندوق سيادي، وسط فزع عالمي بسبب الوباء. وبعد ثلاثة أيام من المؤتمر، أعلنت السجلات المنظمة في أمريكا عن أكبر مراهنة سعودية على شركات تأثرت بالأزمة العالمية، حيث استحوذت بسرعة على 5.7% أو 500 مليون دولار من شركة الترفيه الأمريكية “لايف نيشن”.
وقبل ذلك بأسبوع اشترت 7.3 من شركة السياحة البحرية “كارنيفال” بشكل جعلها المساهم الثاني الأكبر شركة النقل البحري الكبرى. واستثمرت الهيئة في حوالي 20 شركة معروفة في الولايات المتحدة وأوروبا مثل بي بي البريطانية ورويال داتش الهولندية وتوتال وبيونغ وسيتي غروب وديزني وفيسبوك حيث استحوذت على حصة صغيرة بلغت قيمتها في الأشهر الثلاث الأولى من العام 7.7 مليار دولار.
وهذه هي فقط الاستثمارات التي تم الإعلان عنها، ففي إطار منفصل قادت الهيئة مجموعة استثمارية لشراء نادي نيوكاسل يونايتد بـ300 مليون جنيه استرليني.
وقال مصرفي بارز يعمل في لندن: “إنهم يتعاملون المستثمرين ويحصلون على فرص واحتياجات رأسمالية كبيرة تعطيهم منفذا إلى الأعمال” وتساءل: “هل هذا تعجل أم امر جيد؟ لن نعرف إلا بعد 3 أعوام”.
وتقول هيئة الاستثمار العامة إنها “تقوم بالبحث عن الفرص للاستثمار في الشركات القوية وبنظرة طويلة الأمد لكي تصبح قائدة في المجال عندما تعود النشاطات الإقتصادية إلى مستواها ما قبل الوباء”. إلا أن هذه الفورة في النشاط أدت إلى مزيد من التدقيق في هذا المستثمر الدولي الناشئ.
وهي الهيئة التي أصبحت في مقدمة جهود محمد بن سلمان لتخفيف اعتماد المملكة على النفط، وأصبحت محلا للخلاف، فعلاقتها بولي العهد يعني أنها ستظل ملطخة بجريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018، ودخل الأزمة بسجل استثماري متباين.
ويقول النقاد إن الهيئة أصبحت أداة شخصية بيد محمد بن سلمان، دولة داخل دولة، والتي تهدد بمزاحمة القطاع الخاص في المملكة -في محاولتها البحث عن مشاريع بمليارات الدولارات والمهددة بالفشل- حتى لو راهنت على استثمارات في الخارج. أما الداعمون للنشاط الاستثماري فيقولون إنها ضرورية لتوفير الحاضنة والتنمية للصناعات الجديدة لتحفيز التنويع الاقتصادي.
هيئة الاستثمار السعودية أصبحت أداة شخصية بيد محمد بن سلمان، دولة داخل دولة وتهدد بمزاحمة القطاع الخاص في المملكة
وتساءل البعض عن جدوى “بعزقة” المال في استثمارات خارجية والبلد يواجه أسوأ أزمة اقتصادية لم تمر عليه منذ عقود، فهل هذه استثمارات انتهازية أم استراتيجية؟ ولماذا الاستثمار في شركات النفط مع أنها مفوضة لتنويع الاقتصاد؟ وهل عليها تقديم الأولوية في الاستثمار بالسوق المحلي الذي يكافح من أجل البقاء.
ويقول جون سفاكانكس، الخبير بشؤون الخليج بجامعة كامبريدج: “هناك انفصام بين الوضع المالي المحلي المتردي والإستثمارات الخارجية المستمرة” مضيفا أن هذا “يعقد التعافي الاقتصادي بسبب المصادر المالية المحدودة”.
وتواجه المملكة بسبب أزمة فيروس كورونا وانهيار أزمة النفط أزمة مزدوجة، ولهذا قامت بتخفيض رواتب الموظفين وزادت من ضريبة القيمة المضافة إلى ثلاثة أضعاف. ورغم بقاء المملكة أكبر مصدر للنفط في العالم ولديها احتياطي من الأرصدة الأجنبية بـ470 مليار دولار، إلا أنها بحاجة لتوفير الكم الأكبر منها من أجل الحفاظ على قيمة الريال مقابل الدولار.
وتضيف الصحيفة صناديق سيادية أخرى في الخليج تبحث عن فرص استثمارية وبأسعار مخفضة مثل هيئة الإستثمار في أبوظبي (مبادلة) وسلطة الإستثمار القطرية إلا أن أبوظبي وقطر لديهما عدد قليل من السكان وسجل ناشط في الإستثمار، وهما أغنى بالنسبة لمعدل الفرد من السعودية.
وقال مصرفي خليجي بارز: “يجب على الرجل الكبير (محمد بن سلمان) أن يكون حذرا في الإنفاق، فالرجل العام يراقبه” ولن يرضى “دفع رواتب لاعبي الكرة من أصحاب الملايين من أموال ضريبة القيمة المضافة على السلع”. إلا أن الرميان الذي يدير الهيئة من عام 2015 ومن أقرب الأشخاص لمحمد بن سلمان، يرى أن هذه هي لحظة الهيئة كي تتوسع وتبني سمعتها حيث تطمح ببناء أرصدة بتريليوني دولار مع حلول عام 2030. وقال في مؤتمر نيسان/ أبريل: “لو نظرت إلى القطاعات المختلفة مثل الطيران والنفط والغاز والترفيه فهي تنتظر بسبب توقف الاقتصاد” و”نعتقد أن الاقتصاد سيعود وسنرى الكثير من العوائد”.
ويقول بعض المصرفيين والاقتصاديين أن استثمارات كتلك في لايف نيشين وكارنيفال تناسب رؤية محمد بن سلمان لبناء قطاع ترفيهي وسياحي في المملكة. ذلك أن الصناديق السيادية مثل مبادلة استخدمت حصصها في الشركات لكي تجذب المشاريع والمبادلات المشتركة إلى السوق المحلي.
وقال محلل مقرب من البلاط الملكي السعودي، إن هيئة الاستثمار العام لم تنجح بجذب سفن سياحية إلى البحر الأحمر، حيث تقوم الهيئة بتمويل مدينة نيوم بـ500 مليار دولار، وفكرت بإنشاء شركة للنقل السياحي ولكنها تخلت عنها بسبب الكلفة. وبعد هبوط أسهم كارنيفال “يشعرون أنهم اشتروا بتخفيضات كبيرة وسيمنحون كارنيفال فرصا تجارية وسيعود السوق تدريجيا إلى ما كان عليه”.
أما عن الاستثمار في شركات النفط، فيقول هذا الشخص إنه استثمار تكتيكي قصير الأمد. وعبر آخرون عن تذمر ومستقبل غير واضح، وقال مدير تنفيذي مقرب من الحكومة: “سفن كارنيفال محجوزة (لعام 2021) وإذا لم تستطع سفنها حمل إلا 30% أو أننا لم نر عقارا فاعلا ضد فيروس كورونا خلال الأشهر 12 المقبلة، فإنني لا أرى تعافيا في الصناعة”.
وتقول الصحيفة إن هيئة الاستثمار العامة لم تكن معروفة قبل خمسة أعوام إلا للقلة خارج المملكة. وأنشئت عام 1971 لتمويل مشاريع محلية والعمل “كحارس” لحصص الحكومة في الشركات بما فيها شركة “سابك” للبتروكيماويات، ولم يكن يعمل فيها سوى 40 موظفا وكانت خامدة. وبعد أن أصبح مديرا للمنظمة -بعد شهرين من وصول والده الملك سلمان عام 2015- جعلها محمد بن سلمان مركزا لطموحاته ورؤيته 2030، وعيّن فيها المخلصين والمقربين منه، وأصبحت الآن قوة اقتصادية سائدة في المملكة ولديها 700 موظف.
ويقول مستثمر عمل مع الهيئة إن القرارات الاستثمارية “ليست من عمل ياسر، ولكن ولي العهد الذي يبحث عن أي استثمار مهما كانت نوعيته” و”ستنتهي بالدموع مثل أي شيء لمسه” في إشارة للنتائج الفقيرة للاستثمارات الأولى مثل الرهان بـ400 مليون جنيه على الشركة الجديدة ماجيك ليب.
وكان أول استثمار مهم للهيئة في عام 2016 عندما وافقت على استثمار 3.5 مليار دولار في شركة أوبر التي قدرت قيمتها بـ62.5 مليار دولار وهو أكبر استثمار في شركة خاصة. وبعد أشهر قليلة وافقت على أن تكون المستثمر الرئيسي في محفظة استثمارية (فيشين فاند) بقيمة 100 مليار دولار تابعة لسوفت بانك، والتزمت بـ45 مليار دولار. وتم طرح شركة أوبر العام في السوق المالي العام الماضي، إلا أن أسهمها التجارية هي أقل من القيمة الأولى وبتقييم أقل من مستوى الإستثمار السعودي. أما فيشين فاند التي تستثمر في الشركات التكنولوجية قبل اكتتابها فقد أعلنت الأسبوع الماضي عن خسارتها 17.7 مليار دولار في السنة المالية التي انتهت في آذار/ مارس.
وخفضت المحفظة من قيمة 47 من 88 في المئة من أسهمها في كل من وي وورك وأوبر. ووافقت هيئة الاستثمار العام على المساهمة بـ20 مليار دولار في محفظة استثمارية جمعتها وتديرها شركة بلاكستون للاستثمار في مشاريع البنية التحتية. وعندما سئل الرميان في برنامج ديفيد روبنشتاين بآذار/ مارس، إن الصفقة مع أوبر جاءت بعدما استخدم “تطبيق الشركة الرائع” واقترح أن علاقة الأمير مع مؤسس سوفت بانك ماسايوشي صن قوية. وقال إن ما دفع السعوديين للتعاون مع صن هو تقارب التفكير في مجال الاستثمارات المستقبلية مثل الذكاء الصناعي والروبوتات.
وقال موظف سابق في هيئة الاستثمار العامة إن هناك “تفاهما غير مكتوب” من قيام صن بمساعدة هيئة الاستثمار العامة في مشاريعها الكبرى مثل نيوم. وكانت الفكرة هي أن يقوم “فيشين فاند” بجذب التكنولوجيا إلى المملكة.
وتقول الهيئة إنها “صبورة” في استثماراتها وتقوم بمراجعة للجدوى طويلة الأمد. وتخطط بزيادة أرصدتها تحت الإدارة الحالية إلى 400 مليار دولار بنهاية 2020 وتخطط لفتح مكتب لها في نيويورك وآخر في لندن وآسيا. وتزعم الهيئة أنها خلقت 87.000 وظيفة في السنوات الأربع الماضية وأنشأت 20 شركة. وتضيف أن لديها سيولة نقدية كبيرة، إلا أن الأسئلة تظل قائمة حول كيفية تمويل مشاريعها الكبرى والتي تضم تطوير نيوم.
وفي تشرين الاول/ أكتوبر 2018 قال ولي العهد إن هيئة الاستثمار العام ستحصل على 100 مليار من الاكتتاب الأولي لأسهم من شركة أرامكو، إلا أن الاكتتاب تم تخفيضه إلى 1.7% من أسهمها وأدى إلى جمع 29 مليار دولار.
وقبل عملية الاكتتاب، وجهت أرامكو نحو شراء أسهم الهيئة في شركة البتروكيماويات سابك بـ69 مليار دولار. وكان من المتوقع أن يتم العقد في منتصف 2020، ولكن هناك مراجعة لشروطه بعد انخفاض أسهم سابك. وهناك مصادر أخرى للتمويل وهي التحويلات المالية من الحكومة والتي ستكون صعبة في ظل العجز المتزايد بالميزانية.
وقال محلل خليجي: “الحصول على التمويل صعب”، مضيفا: “منحت لهم الكثير من المهام وعددهم قليل وهناك نقص في القدرات البشرية”. ومن بين هؤلاء ياسر الرميان الذي يراه بعض المحللين بأنه واحد من جماعة محمد بن سلمان و”حاضر سيدي” وأضيف لعمله في الهيئة رئاسة شركة أرامكو، وهو عضو في مجالس إدارة سوفت بانك وأوبر ومن المتوقع أن يصبح مدير نيوكاسل يونايتد.
ويقول الموظف السابق وهو واحد من العاملين الدوليين الذين تركوا الهيئة، إنها بحاجة لإدارة قوية. وقال إن “الخبرة التي يملكها المسؤولون الكبار ضيقة” و”معظم الأجانب الذين عينوا من أجل تقديم مظهر الاجتهاد والتحليل”.