لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقال رأي لجدعون راتشمان حول التأثير الدولي للمنظّر الأيديولوجي الروسي ألكسندر دوغين، الذي اتهمت السلطات الروسية المخابراتِ الأوكرانية باغتيال ابنته داريا دوغين (29 عاما) وهي تقود سيارتها في موسكو نهاية الأسبوع.
وقال الكاتب إن دوغين بلحيته المشذبة وخطابه الناري، وجد سهولة في جذب الانتباه. ووصف البعض المنظّر الأيديولوجي المتطرف بـ”عقل بوتين” و”راسبوتين”. وفي الوقت نفسه، رفض معلقون آخرون فكرة تعامل الكرملين مع دوغين بجدية، مشيرين إلى أنه طُرد من وظيفته في جامعة موسكو عام 2014. ومع ذلك، هناك من تعامل مع دوغين بجدية كبيرة.
ويُعتقد بشكل واسع أن الهجوم الذي استهدف ابنته كانت يستهدف دوغين بالأساس. ومهما كانت علاقته مع بوتين، فقرار الأخير غزو أوكرانيا كان ثمرة لأفكار دوغين التي يدفع بها منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين. ففي كتابه الصادر عام 1997 “أسس الجيوسياسية”، والمقرر على طلاب أكاديمية الأركان المشتركة، ناقش فيه أن “أوكرانيا كدولة، ليس لها معنى جيوسياسي”. وعندما سُئل عن تأثير أقكاره على بوتين، في محاضرة ألقاها عام 2018 بجامعة فودان في شنغهاي، كان رده خجلا، لكنه أشار إلى أنه يدعو لضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا منذ التسعينات من القرن الماضي، و”قبل فترة طويلة من بوتين”.
وتحول دوغين في الصين وتركيا وإيران إلى المتحدث الرسمي باسم من يريد القضاء على الهيمنة الأمريكية. ونسق في أوروبا والولايات المتحدة مع القوى اليمينية المتطرفة، وقدم نفسه كحليف لمن يريدون مواجهة “العولمة”. وفي سلسلة المحاضرات التي ألقاها بجامعة فودان، ناقش ضرورة تعاون الصين وروسيا معا لبناء “نظام عالمي متعدد الأقطاب” والقضاء على الهيمنة الأمريكية.
وفي لقاء بين وزيري خارجية روسيا والصين في نيسان/ أبريل، ظهرت آثار تفكيره. وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف مؤكدا لنظيره الصيني وانغ يي، أن البلدين “سيتحركان معا نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، عادل وديمقراطي”.
وفي رؤية دوغين، تعتبر الدول القارية في أوراسيا والمتركزة في روسيا معارضة وبشكل طبيعي لقوة بحرية تقودها الولايات المتحدة وقبل ذلك البريطانيين. ومدح دوغين المفكر النازي كارل شميدت “نظرا لأنه فهم وبشكل واضح طبيعة “العدو” الذي يواجه أوروبا وروسيا وآسيا، وأنه هوالولايات المتحدة وحليفتها الجزيرة، إنكلترا”.
ووجدت أفكار دوغين اللاليبرالية جمهورا في إيران التي كان زائرا منتظما لها. وكان يحظى بشعبية بين العناصر المتشددة الداعمة للنظام الإيراني. وفي عام 2015، تملق لمضيفيه الإيرانيين عندما قال إن إيران “هي القاعدة الرئيسية في الحرب ضد الحداثة”. وزار دوغين تركيا بشكل مستمر، وأحيانا كضيف على حزب العدالة والتنمية الحاكم. وأقام علاقة مشتركة مع القوى المعادية للغرب في الحكومة التركية.
في أوروبا، أقام دوغين والممول الرئيسي له، المصرفي قنسطنين مالوفيف، علاقات مع الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل حزب الحرية النمساوي، ورابطة الشمال الإيطالية والتجمع الوطني الفرنسي، محافظا على العلاقات من خلال المحاضرات والمؤتمرات واللقاءات في روسيا وأوروبا الغربية. وفي الولايات المتحدة، كان زملاؤه الطبيعيون هم من اليمين المتطرف.
ففي الأيام الأولى لرئاسة دونالد ترامب، أعطى دوغين مقابلة لداعية نظريات المؤامرة أليكس جونز عبّر فيها عن تمنياته “لترامب الذي أدعمه من كل قلبي”. وأخبر جونز أن على أنصار ترامب وأنصار بوتين الاتحاد معا ضد “عدونا المشترك، دعاة العولمة”. وارتبط ريتشارد سبنسر، المتطرف الأمريكي الذي صُوّر بالفيديو وهو يصرخ “يحيا ترامب” ويطلق ذراعه في الهواء على طريقة النازية، بدوغين. وترجمت زوجة سبنسر أعمال دوغين للإنكليزية. وفي ظهور سابق لدوغين مع أكاديميين باكستانيين وصينيين، أكد لهم أن روسيا ستستخدم الأسلحة النووية ولا أن تقبل الهزيمة في أوكرانيا.
والسؤال إن كان الهجوم على ابنته سيقود إلى تصعيد في الحرب والقمع المحلي في روسيا؟
وتقول المخابرات الروسية، إنها توصلت لتحديد الفاعل. واتهمت المخابرات الأوكرانية بالوقوف وراء العملية وتكليف القاتلة التي فرّت من روسيا وقطعت الحدود إلى إستونيا. وربما استُخدمت الاتهامات لتبرير تصعيد روسي على كييف، واستهداف المسؤولين في مباني الحكومة. وربما زادت من الضغوط على إستونيا لترحيل المشتبه بها واستخدام لغة التهديد. مما سيضع روسيا في صدام مع بلد عضو في الناتو.
ونفت أوكرانيا أي علاقة بالهجوم، في وقت ارتفعت الأصوات داخل روسيا الداعية للانتقام من أوكرانيا. وفي العادة ما يقدّم دوغين محاضراته الداعية للعنف وخطبه النارية في قاعات المحاضرات والمؤتمرات واستديوهات التلفزيون البعيدة عن ميادين المعركة. لكن جبهة القتال جاءت إليه نهاية الأسبوع وهو في موسكو.
وبعد المعاناة التي عاشوها، هناك قلة من الأوكرانيين سيذرفون الدموع على دوغين، الرجل الذي دعا في عام 2014 إلى “قتل” الأوكرانيين. وهناك آخرون بعيدون عن جبهات القتال سيجدون أنه من الصعوبة تصديق أن أي شخص يستحق مشاهدة طفله ينفجر أمام ناظريه.