لندن – “القدس العربي”ـ من إبراهيم درويش:
في غانا تسهم شركة تركية بتوليد جزء من الطاقة الكهربائية وتنهي شركة أخرى المراحل الأخيرة من إنشاء جناح جديد من المطار الدولي. وهناك شركة خدمات فليبينية ستبدأ قريبا بإدارة شركة الطاقة الكهربائية في غانا التي توزع الكهرباء في غرب البلاد. وحتى أهم جسر في غانا الذي يحمل اسم القائد الوطني كوامي نكروما بنته شركة برازيلية.
وتعتبر غانا من أكثر الاقتصاديات النامية في العالم هذا هي صورة مصغرة للقوى التي تحاول وبطريقة جذرية إعادة تشكيل علاقة إفريقيا مع العالم. فهناك مجموعة جديدة من الدول تضم الصين وتركيا والبرازيل وروسيا تحاول الحصول على موطئ قدم لها في القارة الواسعة التي كانت حتى وقت قريب حكرا على القوى الأوروبية والولايات المتحدة.
“فايننشال تايمز”: إن التنافس على القارة بين الدول غير الغربية يمكن وصفه بأنه “تكالب جديد على إفريقيا” تحاول من خلاله هذه القوى استعراض نفسها في أكثر المناطق صعوبة في العالم.
وتقول صحيفة “فايننشال تايمز” إن التنافس على القارة بين الدول غير الغربية يمكن وصفه بأنه “تكالب جديد على إفريقيا” تحاول من خلاله هذه القوى استعراض نفسها في أكثر المناطق صعوبة في العالم.
وفي الوقت الذي تقود فيه الصين المنافسة منذ سنوات إلا أن هناك عدداً من الدول الأخرى تبعت قيادتها. سواء كانت دولا خليجية تتنافس فيما بينها على التأثير في القرن الإفريقي أو الصين الباحثة عن المعادن مثل الكوبلت الذي يستخدم في السيارات الكهربائية والموجود بكثرة في جمهورية أفريقيا الوسطى.
الهند محل أمريكا
الهند حلت محل الولايات المتحدة كمستورد أكبر للنفط النيجيري الخام، ففي كل أنحاء القارة الأفريقية يحاول المشاركون الجدد إظهار وجودهم. طبعا تقول الصحيفة إن الدول الإفريقية تعارض كلمة “تكالب/تزاحم” على القارة، ذلك أن الكلمة تحمل ظلالا استعمارية تعود للقرن التاسع عشر عندما تشاجرت الدول الأوربية للحصول على قطعة من الكعكة التي وصفها ملك بلجيكا ليوبولد الثاني “الجاتوه الإفريقي الرائع”.
وبدلاً من ذلك ينظر الكثيرون للاهتمام الواسع الجديد بدولهم على أنه فرصة لتحفيز مرحلة مختلفة من التنمية والانفصال عن العلاقة التي يراها الكثيرون بالأبوية مع القوى التقليدية.
ويقول الاقتصادي كارلوس لوبيز من غينيا- بيساو إنه لم يلتق بعد بزعيم لا يشعر بالحيوية من الإمكانيات الجديدة التي تفتح في مرحلة يمكن وصفها بأنها “ما بعد ما بعد الاستعمار” والتي تعطي الأفارقة “مساحة كبيرة للمناورة”. وتضيف الصحيفة أن مستوى رد القادة الأفارقة على المحفزات الجديدة له علاقة بالبنى التحتية والتمويل التي تعطيهم القدرة على تحدي الضغط الغربي ويجدونها محلا للإثارة.
وترى الصحيفة أن أشكال التعامل المتغيرة والتي قادت واشنطن وأوروبا لإعادة تقييم علاقتها مع القارة انعكست من خلال التجارة.
فقد حلت الصين محل الولايات المتحدة كشريك تجاري للقارة في عام 2009. وبلغ حجم التداول التجاري العام الماضي بينها وأفريقيا 170 مليار دولارا وهي أقل من فترة الذروة في عام 2014 ولكنها أعلى بعشرين مرة عما كان عليه التبادل مع بداية الألفية. وبالمقارنة فلم يزد التبادل التجاري الأمريكي مع دول الساحل والصحراء عن 39 مليار دولار.
وفي المناطق التي قادت فيها الصين تبعها الآخرون فقد تضاعفت التجارة الهندية مع القارة عشرة أضعاف من 7.2 مليار دولار عام 2001 إلى 78 مليار في عام 2014 بشكل جعل الهند الشريك التجاري الرابع مع إفريقيا حسب مفوضية الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا. وأحصى معهد بروكينغز زيادة في التبادل التجاري من روسيا وتركيا للقارة في الفترة ما بين 2006-2016 بنسبة 142% و192% على التوالي.
استثمار صيني كبير
واستثمرت الصين 125 مليار دولار في الدول الإفريقية في نفس الفترة وذلك حسب المبادرة البحثية للصين وأفريقيا بجامعة جونز هوبكنز في واشنطن. وسافر في هذا الشهر زعماء 40 دولة إفريقية إلى بكين حيث استمعوا للرئيس شي جينبينغ وهو يتعهد بـ 60 مليار دولار استثمار على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة. وتراقب الولايات المتحدة هذه التطورات بنوع من القلق. وفي العام الماضي افتتحت الصين أول قاعدة عسكرية لها في البلد الصغير جيبوتي حيث زاد حضورها فيه إلى الولايات المتحدة والدول الأخرى. وجيبوتي اليوم مدينة للصين فيما أطلق عليها بعض النقاد “دبلوماسية الدين” حيث يقال إن بكين تحول قروضها إلى تأثير سياسي.
وتتهم الصين بمحاولاتها السيطرة كيانات في زامبيا بما في ذلك مؤسسة عامة للطاقة. وكتب في آب (أغسطس) عدد من السناتورات رسالة إلى وزير الخزانة ستيفن منشين ووزير الخارجية مايك بومبيو اتهموا فيها الصين بـ “عسكرة المال” في إفريقيا وكذا آسيا واستخدام الدين لخلق نظام عالمي على صورة الصين. وكان الشعور بأن الولايات المتحدة تخسر التأثير في القارة وراء قرار دونالد ترامب إنشاء مؤسسة الاستثمار الخاص في الخارج، وهي مؤسسة قطاع خاص بقدرات قروض تصل إلى 60 مليار دولار أمريكي.
وأقر مجلس النواب تشريعاً بموافقة الحزبين ولكنه ينتظر قرار مجلس الشيوخ. ويرى الداعمون لتشريع ” منفعة أفضل من قروض الاستثمارات للتنمية (بيلد) أنه مرتبط بالأمن القومي وزيادة التأثير الصيني في إفريقيا. ويرى كواسي بيرميه، المدير التنفيذي لمركز التنمية الديمقراطية في أكرا أن واشنطن لا تزال تركز على التهديدات في إفريقيا وبدرجة أقل على الفرص. وقال “لا تزال أمريكا لاعبا لكنها عالقة في مرحلة ما بعد غزو العراق” وير النقاد ان أوروبا كانت بطيئة في مشاهدة إمكانيات أفريقيا والرد على توغل الدول الأخرى.
المتبرع الأكبر
وفي الشهر الماضي زارت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا مي ثلاث دول إفريقية بحثا عن فرص في مرحلة ما بعد البريكسيت. ولا تزال بريطانيا ثاني أكبر مستثمر في إفريقيا نظرا للعلاقات التاريخية والشركات البريطانية المسجلة في البورصة والعاملة في مجال النفط والتنقيب عن المعادن. ولا تزال المتبرع الأكبر إلا ان الدرس الذي يمكن تعلمه من جولة مي في أفريقيا بما فيها أول زيارة لرئيسة وزراء بريطانية لكينيا منذ 30 عاما هو أن بريطانيا لم تعد مشاركة دبلوماسيا بالقدر الكافي في القارة. وقال مارك مالوخ، الدبلوماسي البريطاني “مسكينة السيدة مي فلديها الكثير من العمل”.
وأضاف أن الصين خلقت جوا من التنافس في الوقت الذي واصلت فيه بريطانيا والولايات المتحدة بالتذمر. وهناك إشارات عن صحوة أوروبية متأخرة لمواجهة التحديات الدبلوماسية والتجارية. ففي العام الماضي أعلنت ألمانيا عما أسمتها “خطة مارشال مع إفريقيا” وتعهدت بدعم الشركات العامة التي تستثمر في إفريقيا. وكان تحرك المستشارة الألمانية انغيلا ميركل مدفوعا لخلق فرص “وبناء أمن لأنفسنا وسنضع حداً لتهريب البشر”.
ويعلق بريميه على المبادرات الأوروبية قائلاً: “إنهم يخاطبون القطاعات الانتخابية الغاضبة من تدفق المهاجرين”.
و “يفكرون: لو استطعنا جعل هذه الدول منتعشة اقتصاديا إما عبر الاستثمار المباشر أو الدعم فلربما استطعنا الحد من الموجة”. وأشار إلى خطة شركة فولكسفاغن لتجميع 5.000 سيارة في غانا كمثال.
وقدم الرئيس الفرنسي رؤية عن إفريقيا أكد فيها أنه ولد بعد حصول الدول الإفريقية على اقتصادها وأهمية بناء علاقة مجردة من التاريخ الاستعماري وفتح الفرص التجارية للشركات الفرنسية الصغيرة والمتوسطة الحجم في الدول الناطقة بالإنكليزية بالإضافة للعالم الفرانكفوني.
ولكنه مثل ميركل مدفوع للاهتمام بالقارة بسبب القلق، ففي خطاب ألقاه في عاصمة بوركينا فاسو وغادوغو العام الماضي حذر فيه من المخاطر التي قال إنها تقوم بالتأثير على استقرار إفريقيا وكذا استقرار أوروبا.
وسواء كانت الدوافع تجارية أو دبلوماسية فقد منح اللاعبون الكثر قادة أفريقيا بخيارات واسعة. وترى فيرا سنغوي، المديرة لمفوضية الأمم المتحدة الإقتصادية لأفريقيا أن هذا سمح بتنافس لم ير أبدا في القارة. ويرى هاورد فرينتش، استاذ الإعلام في جامعة كولومبيا أن الاهتمام بإفريقيا جزء منه “انتهازي” حيث ترك الغرب إفريقيا في نهاية الحرب الباردة. ولم يملأ الفراغ إلا بعد فترة حيث كانت الصين لاعبا واضحا ولكن هناك ماليزيا وفيتنام وتركيا والبرازيل وروسيا ودول الخليج.
و”قرر الأتراك قبل أعوام التجارة مع إفريقيا” حسب إدوارد إيفا، مدير بنك فيدليتي “وفتحوا سفارات ومنشآت ائتمان للتصدير وسيروا رحلات أكثر، حيث تسير الخطوط الجوية التركية اليوم رحلات إلى 40 مدينة إفريقية. وهناك الكثير من أصحاب الأعمال منظورا تجاريا طويل الأمد في الزيادة السكانية الإفريقية التي تثير قلق الهجرة في العواصم الأوروبية. وتتوقع الأمم المتحدة أن تكون أكبر 10 مدن نموا للسكان في الفترة ما بين 2018 – 2035 في أفريقيا. وبنسبة عمرية 19 سنة فقط فيتوقع أن يصبح تعداد سكان القارة بحلول عام 2050 ملياري نسمة.
وحتى بدون تغير بمستويات الحياة فالنمو السكاني يضمن نموا اقتصاديا قويا في المستقبل. وهناك بعض الدول تظهر زخما، فمن بين 10 دول اعتبرها البنك الدولي الأكثر نموا في العالم 6 دول إفريقية، بمن فيها أثيوبيا التي زاد تعداد سكانها عن 105 مليون نسمة وتنشط فيها الصين وتركيا ودول الخليج.
صفقات مربحة
واكتشفت دول عدة بما فيها تركيا المنطق للمشاركة الكبيرة في إفريقيا. وزار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان 23 دولة أفريقية منذ توليه السلطة عام 2003. وفي حزيران (يونيو) قدمت الإمارات 3 مليارات دولار لأثيوبيا كدعم واستثمار لمنع أزمة عملة في البلاد. وبعد شهر وعدت السعودية رئيس جنوب أفريقيا سيرل رامافوسا 10 مليارات للاستثمار في القطاع الخاص. ولروسيا تأثير كبير في إفريقيا خاصة في موزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وعقدت صفقات أسلحة مع نيجيريا وأنغولا.
ويرى يفجينغي كوريندياسوف الذي عمل سفيرا في عدة دول إفريقية إن بلاده متأخرة عن بقية الدول لكن هذا مؤقت. ويسمح الاهتمام المتزايد بالقارة، سواء كان مدفوعا بالخوف من الهجرة، الإرهاب او التجارة لقادة الدول الأفريقية فرصا للاختيار والتعاون مع من يريدون. والمخاطر هي ما تراه منظمات المجتمع المدني حيث تسمح العلاقات التجارية لقادة الدول عقد صفقات مربحة لهم ولكنها غير جيدة للبلد. فالقروض التي تقدمها الصين تفتقد عادة الشفافية ولا تعود بالنفع المقصود في معظم الأحيان.