لندن – “القدس العربي” :
كتب المعلق في صحيفة “فايننشال تايمز” جدعون راتشمان عن التحالف الأمريكي مع السعودية وان اعتماد دونالد عليه خطير جداً. وجاء فيه أن اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي هو “مأساة ولغز” وهو ضربة خطيرة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. مشيراً إلى أن ترامب لديه استراتيجية في الشرق الأوسط ولكنها تتمحور حول السعودية ورمزها المتقلب الأمير محمد بن سلمان. وكان ولي العهد الشخص الذي يجب أن يقوم بالتعبئة لتحالف ضد إيران وسلام مع إسرائيل ويواجه المؤسسة الدينية في داخل بلده ويساعد في سحق تنظيم الدولة في الخارج. وبناء على رؤيته فهو الرجل الذي سيقوم بتحرير الاقتصاد السعودي ونقله من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع ويعطي عقوداً مربحة للشركات الأمريكية.
ويعلق راتشمان أن مركزية السعودية لعالم ترامب ورأيه توضحا عندما زار الرياض العام الماضي في أول رحلة خارجية له. وأسرع بن سلمان لعقد علاقة مع جارد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره البارز. وكلاهما في الثلاثين من عمره وتآمرا لإعادة تشكيل الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وذهبت حملة بن سلمان ابعد من ترامب وعائلته حيث استقبل الصحافيين الغربيين وأرسل رسائل نصية إلى العاملين في واشنطن. وفي رحلته إلى الولايات المتحدة جلس مع النخبة الأمريكية من بيل غيتس إلى مارك زوكربيرغ وروبرت ميردوخ. ومع ذلك فقد عبر بعض من انضموا إلى نادي المعجبين ببن سلمان عن تحفظات. وكما قال أحد المراقبين الغربيين: “كان سؤالي الدائم هو المكان الذي سأضعه فيه بين منظور لي كوان يو وصدام حسين” وبعبارة أخرى هل يمكن النظر إلى بن سلمان كبانٍ لأمة أو ديكتاتور خارج عن السيطرة.
فمن قالوا إن الزعيم السعودي خطير كان لديهم الكثير من الأدلة غير المريحة مثل الحرب في اليمن التي خلقت كارثة إنسانية وخصام مر مع قطر وصل إلى حالة حصار قادته السعودية واعتقال مؤقت لرئيس الوزراء اللبناني واحتجاز رجال الأعمال والأمراء من النخبة التجارية في المملكة وأجبرهم على التنازل عن أرصدة مالية وعينية من ثرواتهم واعتقل الناشطين والصحافيين بعضهم هربوا مثل خاشقجي إلى الخارج. ومع كل هذا السجل ظل بن سلمان في وزارات الخارجية الغربية رجلاً جيداً-مع أنه متهور.
ويضيف الكاتب أن قرار ولي العهد السماح للنساء بقيادة السيارات كان ضربة معلم في المعركة للتأثير على الرأي العام. وكان التحالف التكتيكي مع إسرائيل ومحاولة الحد من التأثير الإيراني جيداً من أجل أن يحسن علاقته مع البيت الأبيض. إلا أن قتل الصحافي جمال خاشقجي على ما يظهر قد حول الرأي العام الغربي ضد محمد بن سلمان. فرغم كل التقنية والتلاعب في الرأي العام في كل من الولايات المتحدة وأوروبا إلا أن ولي العهد فشل في فهم تداعيات وإمكانيات عمله الذي كان وحشياً ومتهوراً.
وعلى خلاف الضحايا اليمنيين الذين سقطوا بسبب القنابل السعودية فإن مقتل خاشقجي المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” جعل الصحافة الغربية تحفل بكل ألوان الشجب فيما يهدد الكونغرس بفرض عقوبات على السعودية وحتى ترامب نفسه وعد بعقوبات قاسية لو ثبت جرم النظام السعودي. ويعلق الكاتب بأن الولايات المتحدة قد تتخلى عن كل أوهامها عن محمد بن سلمان لكنها قد لا تحرف سياساتها كثيراً. فالمسؤولون الغربيون واعون للأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للسعودية. فالمملكة هي أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم وأكبر مستورد للسلاح. مع ارتفاع أسعار النفط وقرب العقوبات على إيران فإن دور السعودية كمنتج متأرجح مهم جدا. وقد كان ترامب المهووس بتصدير السلاح واضحاً في موقفه وأنه لا يريد ترك الساحة السعودية للصين وروسيا وهو ليس وحيداً في موقفه مع أنه كان صريحاً. فبدون علاقات جيدة مع السعودية فستتراجع أهمية الولايات المتحدة وتأثيرها في المنطقة. فعلى خلاف روسيا التي تقيم علاقات قوية مع كل اللاعبين في المنطقة بما فيها السعودية وإيران ومصر وسوريا وتركيا تراجعت علاقات الولايات المتحدة في المنطقة نفسها. وسمح تدخل روسيا في الحرب الأهلية السورية لعب دور مهم وفاعل أكثر من واشنطن. وكانت هذه المحور الرئيسي في المنطقة ولكنها قطعت كل علاقاتها مع إيران وعلاقتها مع تركيا محفوفة بالمخاطر، رغم الإفراج عن القس الأمريكي أندرو برونسون .
ومن هنا فلو قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات “قاسية” ضد السعودية فإنها ستنفر دول الخليج وقد تتركها بدون علاقات جيدة باستثناء إسرائيل. ولهذا السبب ستحاول إدارة ترامب العمل قدر الإمكان كي تحد من أثر قضية خاشقجي على العلاقات بين البلدين فيما سيتعامل الكونغرس مع المشكلة بطريقة حذرة. ولا أحد يلومهم على هذا في ظل الواقعية السياسية. وفي النهاية فيجب التخلي عن فكرة بناء استراتيجية كبيرة حول شخص مهووس مثل محمد بن سلمان، ونصيحة “لا تثق بالأمراء” صحيحة.