جون بولتون، مستشار ترامب الجديد للأمن القومي
جون بولتون، مستشار ترامب الجديد للأمن القومي
لندن – “القدس العربي” – إبراهيم درويش
قال ديفيد غاردنر المعلق في صحيفة “فايننشال تايمز” إن فشل كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا في إقناع الإتحاد الاوروبي بفرض عقوبات جديدة على إيران بسبب تصرفها في سوريا يظل فشلاً نسبياً. فالهدف من هذا الأمر كان إقناع الرئيس الامريكي دونالد ترامب الامتناع عن الخروج من الاتفاق النووي في مايو/أيار الذي وقعته هذه الدول الأربع بالإضافة لكل من الصين وروسيا عام 2015. وربما توصل كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل اللذين سيلتقيان الرئيس الامريكي ترامب، نهاية هذا الشهر، إلى نتيجة مفادها أن الرئيس لا يريد الالتزام بالاتفاقية النووية. فلم يكن متوقعاً أو واضحاً من التزام ترامب بالإتفاقية أو كان راغباً بإعادة كتابتها من جديد، خاصة أنه وصفها بالأسوأ في التاريخ.
ومن الواضح أنه لن يلتزم بالصيغة التي وضعها الكونغرس والتي تقتضي من الرئيس إعادة المصادقة على الاتفاقية وخسارة قاعدته الشعبية. وفي الوقت الذي يواصل فيه اللوبي المعادي لإيران بتكرار الأهزوجة المعروفة عن مظاهر قصور الاتفاقية ودعوتهم لإصلاحها أو إلغائها إلا ان نجاحهم سيكون خطراً جدياً على الأمن الدولي. وعرفت الاتفاقية باسم الخطة الشاملة المشتركة للعمل ليست كاملة. لكن الدبلوماسية هي عن التنازل خاصة عندما تحقق نتائج فعلية. وقد نجح الاتفاق في وقف معظم النشاطات النووية الإيرانية أو وضعها تحت رقابة المفتشين الدوليين ولكن على المدى المتوسط.
تمزيق الاتفاقية!
فالبنود التي تتعلق بنهاية مفعول الإتفاقية كافية لأن يقوم معسكر ترامب الرافض بتمزيقها. لكن ليست البنود هي التي تجعلهم غاضبين بل المشروع الباليستي والطريقة التي استخدمت فيها إيران الجماعات الوكيلة لها في العالم العربي لبناء قاعدة تأثير لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وكانت الولايات المتحدة هي التي تركت هذه المواد الخلافية خارج إطار التفاوض خشية أن يستخدمها المفاوضون الإيرانيون المخادعون كورقة ضغط. وهناك إمكانية لأن يقوم الثلاثي الأوروبي بالتفاوض على بعض الضوابط المتعلقة بالصواريخ ودور إيران بالمنطقة وبدعم من روسيا والصين. ولن يكون هذا ممكناً لو خرجت أمريكا من الإتفاقية فعندها لن يتبع الآخرون مسارها.
إلا أن قدرة الولايات المتحدة على عزل إيران عن النظام المصرفي العالمي يعني حرمان إيران من تخفيف الضغوط على الاقتصاد والعقوبات التي وعدت بها وستؤدي في النهاية إلى تدمير الاتفاقية. وسيدفع المتشددون في إيران الذين اعتبروا الاتفاقية غطاء لتغيير النظام إلى الانسحاب منها واستئناف البرنامج النووي.
وفي ظل هذا الوضع الخطير الملتهب يدخل جون بولتون، مستشار الرئيس ترامب الجديد للامن القومي. كما عين الرئيس مدير وكالة الاستخبارات المركزية – سي آي إيه – مايك بومبيو، في منصب وزير الخارجية. وفي هذا السياق لا بد من استعادة تاريخ جون بولتون في التطرف المتهور، فهذا المستشار للأمن القومي لا يؤمن بمعاهدات التحكم بالسلاح. ومن المثير للدهشة أنه عمل نائباً لوزير الخارجية في مجال التحكم بالسلاح والأمن الدولي في إدارة جورج دبليو بوش الأولى (2001- 2005).
ومنح هذا الدور جون بولتون الفرصة لكي يمزق كل المعاهدة المعادية للصواريخ الباليستية، والتي كانت علامة مهمة وتم التفاوض عليها مع الاتحاد السوفييتي السابق في عام 1972 وأثناء فترة ريتشارد نيكسون. كما أقنع بوش لإلغاء اتفاق الإطار الذي تفاوضت عليه إدارة بيل كلينتون مع كوريا الشمالية عام 1994. وفيها تعهدت كوريا الشمالية بالالتزام بمعاهدة عدم نشر السلاح النووي والتي ينظر إليها بولتون نظرة احتقار. ووضعت المنشىآت النووية الكورية تحت رقابة المفتشين مقابل تقديم الوقود النووي.
غش في “اليورانيوم”
وغشت كوريا الشمالية في شأن تخصيب اليورانيوم، والذي سمح فيه لاحقاً لإيران وإن كان بكميات محدودة. ورفض الولايات المتحدة القوي للإطار كان سبباً لعودة كوريا الشمالية لمشروعها النووي. ولا بد من ذكر ان بولتون هو من الدعاة لغزو العراق الذي حوله لحاضنة جهاديين وجعله متحالفا مع إيران كما في لبنان وإن على قاعدة أوسع. ولم يرتدع بهذه “النجاحات” الساحقة ويدفع باتجاه تغيير النظام في إيران وكوريا الشمالية. وكما ورد في تحليل لمجموعة الأزمات الدولية ببروكسل عن نوايا إيران الإقليمية فقد “نجحت المفاوضات التي قادت للاتفاقية ليس بسبب رفع العقوبات التي شلت الاقتصاد ولكن لان الولايات المتحدة نزعت ورقة تغيير النظام عن الطاولة”.
في مارس/آذار نشر تحالف من 100 خبير أمني ودبلوماسيين وسياسيين أمريكيين يمثلون جيلاً من خبرات السياسة الخارجية 10 أسباب للحفاظ على الاتفاقية وأنها تمنع إيران من الحصول على الأسلحة النووية، تعزز الأمن الأمريكي ووضعه وتقلل من التوتر في الشرق الأوسط. ومن بين الموقعين السناتور ريتشارد لوغار وسام نان، اللذان كانت مبادرتهما المعروفة تخفيف التوتر التي أقرها الكونغرس عام 1992 إنجازاً نتيجة موافقة الحزبين وهي محل احتقار من بولتون وكذا إدارة جورج دبليو بوش، ولكنها تذكر بعهد سابق وطريقة حكيمة في التعامل مع العالم.