فايننشال تايمز: التدخل الخارجي يزيد من أزمات ليبيا ويورط اللاعبين بحروب وكالة طويلة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا لمراسلها أندرو إنغلاند أشار فيه إلى التنافس الإقليمي على ليبيا وأثره في تغذية الحرب الأهلية فيها. وقال إن فصيلين يتقاتلان من أجل السيطرة على البلاد وسط حرب بالوكالة وبمشاركة أوروبية. وبدأ مقالته بالحديث عن سيارات “البكب” التي كانت تسير بسرعة وتعود إلى كتيبة الأخوة وفي طريقها حطام سيارات ومحلات مغلقة وبنايات مدمرة. وعند وصولهم إلى الجبهة وتمركز الرجال في بيوت مهجورة في وقت اندلع فيه صوت إطلاق النار المتفرق في الحي الذي كان مرة صاخبا في الحياة، وحولته الحرب والمناطق المحيطة بالعاصمة إلى منطقة عسكرية.
وأشار قائد الفرقة الكابتن محمد مختار باتجاه المقاتلين الأعداء الموالين للجنرال خليفة حفتر والذي يقود حملة ضد العاصمة طرابلس وعلق في رمالها وقريبا من عين زارة. وقال الكابتن مختار “كانت (الجبهة) هادئة لبعض الوقت ولكننا نخشى مما سيحدث لاحقا” و “سيحاول العدو التقدم نحو طرابلس مرة أخرى”.
ويقول الكاتب إن المقاتلين التابعين لحفتر ليسوا هم ما يقلقه فقط، فمن بين المقاتلين إلى جانب أمير الحرب، مرتزقة من شركة فاغنر” الروسية، ولديهم قناصة. وأضاف الكاتب مختار “لقد أحضروا معهم جنجويد (مرتزقة من السودان) وروسا لقتل إخوانهم الليبيين، ولماذا يفعلون هذا؟”.

التطورات الأخيرة أشعلت التوتر بين أنصار حفتر وتركيا التي ينظر إليها في الرياض وأبو ظبي والقاهرة كقوة عدم استقرار في المنطقة وداعمة للإسلاميين.

ومثل بقية الليبيين يخشى المقاتل البالغ من العمر يخشى من تصاعد عملية “تدويل” للصراع الذي مضى عليه عشرة أعوام تقريبا. فخلف الجنرال حفتر الذي يسيطر على شرقي ليبيا-الإمارات العربية المتحدة، مصر، روسيا وبدعم سياسي من فرنسا. وعلى الجانب الآخر، تقف تركيا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني بطرابلس التي يقاتل الكابتن مختار من أجلها. ويعتقد معظم الليبيين أن هذه هي الدول التي ستقرر مسار النزاع ووقفه، وسط تحذيرات من تورط اللاعبين بحرب بالوكالة مستعصية وطويلة الأمد ويتردد صداها من الساحل إلى شمال إفريقيا والبحر المتوسط. ويقول إنغلاند إن التطورات الأخيرة أشعلت التوتر بين أنصار حفتر وتركيا التي ينظر إليها في الرياض وأبو ظبي والقاهرة كقوة عدم استقرار في المنطقة وداعمة للإسلاميين. وأصبحت ليبيا ساحة صراع بين الدول المتنافسة هذه تاركة وراءها الأثر القاتل. ويقدم الليبيون عددا من الأسباب التي دعت القوى الخارجية التدخل في في بلادهم من رغبتها بتوسيع تأثيرها إلى السيطرة على مراكز النفط والثروة في البلاد. وقال وزير الداخلية الليبي فتحي باشاقة “المشكلة هي ليست ليبيا” و “نسبة 20% يمكن لليبيين حلها ولكن 80% هي من الدول الخارجية المتورطة في لييبا”. ويرى الكاتب أن السنوات التي تبعت الإطاحة بمعمر القذافي، وتحولت البلاد إلى أرضية خصبة للعصابات الإجرامية ومهربي البشر الذين يتصيدون اللاجئين عن فرصة للهجرة. وقتل أكثر من 2.000 ليبي منذ الجولة الأخيرة من القتال وشردت أكثر من 150.000 مدني في المناطق القريبة من عين زارة. وتحولت دينامية الحرب منذ كانون الثاني (يناير) ومنذ التدخل العسكري التركي بناء على طلب من حكومة الوفاق الوطني في طرابلس. وفي نفس الوقت لعب المرتزقة الروس التابعين لشركة فاغنر والطائرات بدون طيار المصنعة في الصين والتي قدمتها لحفتر الإمارات العربية المتحدة. ونشرت أنقرة عددا من المستشارين العسكريين والدبابات ومعدات أخرى، حسبما يقول دبلوماسيون ليبيون. وقدمت تركيا نظاما دفاعيا جويا لتغطية منطقة تسيطر عليها الحكومة من الزاوية في غرب البلاد إلى مصراتة، شرقي العاصمة وهو ما حيد التهديد الذي تمثله القوات التابعة لحفتر. وأكدت تركيا على أن قواتها ليست من أجل المشاركة في العمليات القتالية. ولكن أنقرة أرسلت مقاتلين سوريين من التركمان مما أضاف إلى المزيج من القوى الأجنبية التي تساهم في القتال الدائر بالبلاد. وبدأ المقاتلون بالوصول إلى ليبيا في كانون الأول (ديسمبر) حيث وصل ما يقدر عددهم بـ 3.000 مقاتلا. وكانت رسالة أنقرة إلى الجنرال حفتر وداعميه واضحة: لن نسمح بسقوط حكومة طرابلس. وأدى التدخل التركي إلى حراك دبلوماسي. وفي كانون الثاني (يناير) حاولت تركيا وروسيا دفع طرفي النزاع لتوقيع اتفاق وقف إطلاق نار إلا أن المحاولة فشلت بعدما غادر حفتر العاصمة الروسية بدون توقيع الإتفاق. وبعد أيام استضافت ألمانيا مؤتمرا دوليا لحل الأزمة الليبية ودعا المشاركون لوقف إطلاق النار ووقف التدخل الخارجي. وبدلا من ذلك تدفقت أسلحة أكثر إلى ليبيا حيث قامت القوى الخارجية بدعم جماعاتها الوكيلة. ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريش ما يجري في ليبيا بـ “الفضيحة”. وقال المبعوث الدولي لليبيا غسان سلامة إن طرفي النزاع في البلاد استفادا من “وصول الأسلحة الجديدة، أنواع جديدة من الأسلحة والذخائر ووصول أعداد من المقاتلين الأجانب”. وتواصل الأمم المتحدة الدفع نحو الحل الدبلوماسي وإقامة لجنة عسكرية تتكون من أعضاء الجانبين المتحاربين والتقت هذا الشهر، إلا أن فشل المبادرات السابقة وزيادة وصول الأسلحة وعدم الثقة بين الطرفين وتاريخ حفتر في احتقاره للدبلوماسية تعني أن قلة في طرابلس تعول على حل سريع. وأوقفت الحكومة في طرابلس الأسبوع الماضي المحادثات مع حفتر بعدما قصفت قواته المطار الوحيد في العاصمة وقتلت ثلاثة أشخاص. وقال باشاقة، وزير الداخلية “لا يستطيع حفتر التوقف لأن مشروعه قائم على الحكم من خلال الدبابات والمدافع”. وقال “هذا استثمار كبير لحفتر وللإمارات. ولا يمكنهم التوقف عن الحرب”. ويقول الكاتب إن التدخل التركي أدى إلى تشدد فصائل موالية للسراج ولم تعد مستعدة للحوار مع حفتر. وقال خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة الذي يعتبر كهيئة استشارية لإدارة طرابلس ” لم يعد (حفتر) يسيطر على الجو وأعتقد أننا تحركنا من الدفاع إلى الهجوم. ونؤكد في الوقت نفسه على أهمية الحل السياسي الذي لا يشمل حفتر”. وأضاف “بدأ السراج ضعيفا ولكنه في وضع أحسن الآن، وتعلم مع مرور الوقت. ووثق في الماضي بحفتر أما اليوم فلا”.
وتبدو الحياة عادية في العاصمة طرابلس، حيث المحلات حافلة بالمواد والمقاهي مزدحمة بالرواد. فيما يحصل المواطنون على دعم من الحكومة التي تشغل 1.8 مليون نسمة من 6.5 مليون نسمة. لكن عرقلة أنصار حفتر تصدير النفط الذي يعد شريان الحياة للإقتصاد الليبي يعني أن الإقتصاد قد يتدهور بسبب توقف عمليات تصدير النفط. وأدى كل هذا إلى خسارة البلد 2.1 مليار دولار من عوائد النفط. وتبدو حالة الإحباط واضحة بين السكان. وقال مالك، المسؤول الصحي “نريد حكومة قوية ولكنها ضعيفة، وقد تحطم كل شيء ونبدأ مرة أخرى من الصفر” وأضاف “هذه لعبة العروش، فكل واحد في ليبيا يريد كرسيا. المال والسلاح والنفط، وهذا مثل المافيا”. ويعمل مالك في مستشفى ميداني، واحد من عدة في جنوبي العاصمة حيث يعيش السكان تحت تهديد الصواريخ اليومي. وتم ضرب البيوت والمصانع والمحلات إلى جانب المطار. وقال محمد الداس الذي استيقظ هو وعائلته على صوت انفجار بسبب قذيفة صاروخية ضريت بيتهم: “ترى بنفسك هذه سيارات عادية في الشارع، ولماذا يهاجمونا”. وعبر هو وجاره اللذان كانا يتفقدان أثار الضربات من غضبهم على حفتر “الناس الذين يعيشون في هذه الظروف لا يستطيعون عمل أي شيء، ونشعر بالخوف من القنابل” وقال “في برلين، كان بإمكانهم وقف هذا، ولا تريد فرنسا وقف هذا، والإمارات لا تريد وقفها”.

يربط الكثيرون التدخل الخارجي في ليبيا بعملية الناتو التي أنهت حكم القذافي ولكنها تركت الشعب الليبي وحيدا يواجه دولة عاشت 40 عاما من الديكتاتورية.

ويربط الكثيرون التدخل الخارجي في ليبيا بعملية الناتو التي أنهت حكم القذافي ولكنها تركت الشعب الليبي وحيدا يواجه دولة عاشت 40 عاما من الديكتاتورية. وتحاربت الفصائل على النفوذ ورسم كل فصيل، منطقة نفوذه الخاصة، فيما تسابقت دول المنطقة على دعم كل فصيل. وقد زاد التنافس بين الفصائل بعد انتخابات فاشلة عام 2014 والتي عمقت الإنقسام. وأعلن حفتر عن حملة في شرق ليبيا وسيطر على بنغازي. وقدم نفسه في السنوات اللاحقة كمحارب ضد التطرف الإسلامي وهو ما ضرب على وتر حساس لدى داعميه في الإمارات ومصر وفرنسا. ويصفه نقاده بالشرس الذي يتصرف كالقذافي. ويعترف المسؤولون في طرابلس بمظاهر القلق المصري من جارتها غير المستقرة لكنه دعم القاهرة لحفتر يعكس رغبة لدى الأنظمة العربية لدعم الرجل القوي وعادة باسم سحق الحركات الإسلامية وتوفير الأمن والإستقرار. وبالنسبة للإمارات فتدخلها في ليبيا هو تعبير عن سياسة حاسمة تبنتها في مرحلة ما بعد الربيع العربي عام 2011. أما روسيا التي كانت صديقة للقذافي فيعكس دعمها لحفتر رغبة باستعادة التأثير. وقامت بطباعة مليارات الدنانير الليبية لدعم حفتر. ووجد خطابه المعادي للإسلاميين صدى في البيت الأبيض حيث اتصل به الرئيس دونالد ترامب واستقبلته باريس في قصر الإليزيه. ودعمته الحكومة الفرنسية علنا. وبعد أشهر اكتشفت الحكومة في طرابلس وصول صواريخ جافلين، أمريكية الصنع إلى حفتر. وقال دبلوماسي أجنبي ” الفرنسيون يرونه قادما”. وفي الوقت الذي انتقدت فيه واشنطن الدور التركي والروسي في ليبيا إلا أنها التزمت بالصمت حيال تدفق السلاح من الدول العربية خاصة الإمارات ومصر. ويقول مسؤول عربي إن الدعم لحفتر نابع من مخاوف وصول المتطرفين الإسلاميين، خاصة الإخوان المسلمين إلى الثروة النفطية. وقال “لن نسمح لتركيا بأن تنشئ موطئ قدم لها في قضية عربية ولن نقبل بحرف تركيا ميزان القوة في قضية إقليمية”. ويقول المسؤولون في طرابلس إن حكومة الوفاق طلبت دعما من تركيا بعد رفض أوروبا وأمريكا دعمها. ووافقت أنقرة بعد حصولها على حقوق التنقيب في البحر المتوسط. ولكن ثمن التدخل يتزايد لتركيا بعد اعتراف أردوغان بسقوط أول جندي تركي في ليبيا. ويرفض المسؤولون في العاصمة ما يقولون إنها مبالغات حول تحول الغرب الليبي إلى ساحة للمتطرفين. لكن حكومة السراج تعاني من أزمة مصداقية منذ إنشائها عام 2015.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية