لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تحقيقا مطولا أعده ديفيد شيبرد بعنوان “صواريخ، تنمر ووفاة مأساوية: ماذا يجري في داخل أرامكو السعودية؟”، وقال إن الشركة التي كانت تعتبر بطاقة ذهبية للراغبين الأجانب بحياة جيدة رغم القيود التي تفرضها السعودية على من يعيش فيها، أصبحت الآن بلاغات ينقلها عاملون في داخلها حول سوء المعاملة.
وتبدأ الصحيفة بقصة ألوين ويتشر الذي بدأ العمل في شركة أرامكو عام 2017 معتقدا انه يعمل مع شركة ذات تاريخ في تقدير خبرة المهندسين الأجانب الذين ساهموا في بناء الشركة العملاقة للسعودية.
ولكن بعد ثلاثة أعوام من العمل في “البقرة الحلوب” للمملكة أصبح المهندس من جنوب أفريقيا في عداد الأموات، فقد أصيب بكوفيد-19 ودفن في مقبرة بدائية تبدو مثل مكب للنفايات. وبعد وفاته في تموز/ يوليو ودفنه في ضواحي مصفاة جازان بجنوب- غرب السعودية انتظرت عائلته خمسة أشهر لكي تتلقى تعويضات ورواتب متأخرة له من الشركة التي تتنافس مع أبل من ناحية القيمة العالمية.
وتقول أرملته كارين ويتشر إن أرامكو والسلطات المحلية السعودية لم تقدم لزوجها، 46 عاما العناية الصحية الكاملة عندما أصيب بكوفيد في حزيران/يونيو ورغم الفحوص الإيجابية لزملائه في العمل. وقالت “أنا متأكدة من نجاته لو قدموا له العلاج المناسب مبكرا ونقلوه إلى مستشفى مناسب”.
وقالت كارين التي كانت تدير مركزا صحيا في ديربان “لكن كل ما قدم له كان متأخرا”. وتقول السلطات السعودية إنها قدمت لويتشر كل ما يحتاجه من مساعدة وعلاج وتصرفت برحمة وتعاطف طوال الوقت.
وتعتبر قصة عائلة ويتشر واحدة من حالات سوء معاملة تعرضها موظفون أجانب في شركة تنتج 10% من النفط المستهلك في العالم وتقوم عليها ثروة العائلة المالكة والمملكة. وعلى مدى عقود قبل العمال الأجانب من أصحاب الخبرة العمل في الشركة رغم القيود الإجتماعية والعيش في مجمعات خاصة مقابل رواتب جيدة وفي الشركة التي تقول إنها تعمل كأي شركة نفط عملاقة مثل إكسون- موبيل وشل، مع أنها تظل شركة تابعة للدولة.
قصة عائلة ويتشر واحدة من حالات سوء معاملة تعرضها موظفون أجانب في شركة أرامكو
ونقلت الصحيفة عن خمسة “مبلغين” ومنهم موظفون حاليون وسابقون في أرامكو الذي قالوا إن معاملة الأجانب تدهورت في السنوات الأخيرة بشكل هدد سلامة ومعنويات المشاريع.
ويقول هؤلاء المبلغون إن الشركة أصبحت مضغوطة ماليا بسبب انهيار أسعار النفط الذي أثر على كامل الصناعة والضغوط التي مارسها ولي العهد محمد بن سلمان باتجاه سعودة القوة العاملة في المملكة بشكل أدى لدفع موظفين مهمين إلى خارج العمل والتحايل في المشاريع بحثا إن أسهل وأرخص الطرق كما حدث في مشروع تطوير جازان.
وتكشف الشهادات أيضا عن ثقافة في الشركة التي تعاني من سوء معاملة متصورة للأجانب من أصحاب الخبرة وتتراوح من التنمر إلى سوء الإدارة واتهامات بالعنصرية.
وتتركز الشكاوى على مشروع تطوير مصفاة النفط في جازان في جنوب البحر الأحمر والقريبة من الحدود مع اليمن التي تشن فيها السعودية حربا منذ خمسة أعوام. ويتم التقليل من شأن الكثير من المشاكل في المشروع بما في ذلك الهجوم الصاروخي الذي تعرض له في تموز/يوليو لهجوم صاروخي من الحوثيين الذين تدعمهم إيران. ووصف موظف حالي الوضع فيه بأنه “قنبلة موقوتة”.
وبسبب انتشار كوفيد-19 الذي أثر على الطلب العالمي للنفط قررت المملكة تخفيض الإنتاج على أمل رفع أسعار النفط. وتم التخلي عن خدمة مئات من العاملين الأجانب في الأشهر الأخيرة، حيث حاولت الشركة التقليل من الكلفة خلال فترة هبوط أسعار النفط. واتبعت الشركة سياسة التخلي عن خدمة الأجانب بدون النظر لأدائهم. وتم تقييد ساعات العمل الإضافي والإجازات حيث أصبح العمال تحت ضغط العمل أكثر بأقل الأجور لأن أسعار النفط أصبحت أقل من 45 دولارا للبرميل.
ورفضت شركة أرامكو الإتهامات و”ما تلمح إليه حول طريقة إدارة وعمل أرامكو”، وقالت إنها فخورة بقوة العمل المتعددة الجنسيات ومعايير السلامة التي تتفوق على المعايير الدولية. ولديها سجل وفيات أقل أو إصابات عمل في 2018 و 2019 مقارنة بمستويات الإصابة لدى الشركات الغربية المنافسة لها.
وأشارت إلى أنها “ستحقق في أي زعم عن خرق لمعاييرنا”. وكان هذا متأخر بالنسبة لألوين الذي وضع قبل نقله إلى المستشفى في الحجر الصحي مدة اسبوع وفي غرفة ومنع من استخدام الحمام مما أدى لتبرزه على نفسه. وكانت نافذته الوحيدة على العالم هي مكالمة عبر الفيديو مع زوجته حيث تدهورت صحته وأصبح تنفسه ثقيلا. ودخل في غيبوبة حيث أصبحت كارين تعتمد في أخباره على الشركة.
ويقول قسم المصادر البشرية في الشركة إن فريقها كان على اتصال مع كارين بشكل يومي ومن خلال الرسائل النصية، مرتين في اليوم. لكن كارين المصممة على أجوبة من الشركة حول وفاة زوجها تقول “لم يكن هناك اتصال معي، لا شيء وقبل أن يدخل ألوين في غيبوبة”. وبعد ذلك تقول إن التواصل لم يكن مستمرا وعبارة عن رسائل قصيرة “لا يزال في غيبوبة ويتنفس عبر الجهاز”. ولم تتصل المستشفى مباشرة مع كارين أو أي من أفراد العائلة.
وبعد اسبوعين على الجهاز مات الوين ولم تعرف زوجته عن وفاته إلا عبر تعزية من صديق له. وقالت إن الشركة انتظرت 14 ساعة لتخبرها بوفاته. وتعتقد الشركة إنها اتصلت أولا بها بعد تلقيها تأكيدات من المستشفى. وتقول أيضا أن ويتشر مرض لمدة 3 أسابيع قبل وفاته، لكن زوجته تقول إن هذا الكلام يتجاوز ثلاثة أسابيع أخرى اشتكى فيها زوجها من الأعراض وطلب المساعدة من السلطات الصحية. وأصيب بأعراض برد بعد إصابة زميل سعودي بالفيروس وطلب منه ان يبقي على القناع والقفازات. و “اتصل بعد ذلك بسيارة الإسعاف بنفسه”.
وتقول كارين إنها ومنذ وفاة زوجها واجهت عقبات بيروقراطية، مثل رفض طلب نقل جثة زوجها إلى جنوب أفريقيا، مما اضطرها للموافقة على دفنه في السعودية. وتقول الشركة إن كوفيد-19 جعل من نقل الموتى إلى بلادهم معقدا، لكن رسائل قنصلية جنوب أفريقيا في جدة تظهر أنها عثرت على شركة مستعدة لنقل جثته إلى بلاده وربطتها مع الشركة. وكشفت رسالة إلكترونية “الأمر يعود إليهم للتفاوض حول المضي في الأمر أم لا”. وقالت كارين إن مسؤولا في المصادر البشرية أخبرها أن جهودها عبثية “ومن الأفضل موافقتك على دفنه هنا لأننا لم نكن لننقل جثة زوجك على أية حال”. وعمل زوجها في السابق بالسعودية وحصل على راتب كبير وعومل بشكل جيد “ولهذا وافق على العودة إلى هناك” كما تقول أرملته.
وتشكل قوة العمل الأجنبية في أرامكو 10% وفي العام الماضي طرحت نسبة من أسهمها في السوق المحلي السعودي وتطمح باكتتاب دولي. وفي الوقت الذي تراجعت فيه أسعار النفط إلا أن أرامكو على خلاف إكسون موبيل التي تراجعت بنسبة 40%، في وضع أحسن ولكنها ظلت تقترض من أسواق الدين العالمية حتى تدفع 75 مليار من الحصص التي تذهب غالبيتها للمساهمين السعوديين والحكومة.
وتتمتع شركة أرامكو السعودية باحترام دولي لكنها ليست شركة عادية، فأكبر مساهم فيها هي العائلة المالكة ولهذا تظل خاضعة لنزوات ولي العهد محمد بن سلمان. وعندما كانت أرامكو تخطط لاكتتاب عام لبعض أسمهما كشفت الصحيفة عن تعرض العائلات الثرية وبعض أفرادها سجن في فندق ريتز كارلتون عام 2017 بتهم الفساد لشراء أسهم ومساعدة ولي العهد الوصول إلى تقييمه الأعلى للشركة.
وعانت سمعة محمد بن سلمان دوليا بعد مقتل صحافي “واشنطن بوست” جمال خاشقجي، لكنه حظي بدعم داخلي لسياساته الإصلاحية خاصة السماح للمرأة بقيادة السيارة، ذلك أن غالبية السعوديين هم تحت سن الثلاثين. ووصلت نسبة البطالة بينهم في العام الماضي إلى 30%. وفي 2016 قال لمجلة “إيكونوميست” “هناك 10 ملايين وظيفة يشغلها غير سعوديين يمكنني اللجوء إليها في أي لحظة”. وتم الضغط على الخبرات الأجنبية في إطار سياسة السعودة والتي تفاقمت بعد انهيار أسعار النفط. وبات العمال الأجانب يشتكون من قلة احترامهم وخبرتهم، في وقت يتردد فيه المدراء السعوديون الجدد من الإلتزام بالمعايير الدولية.
وتقول فاليري مارسل الخبيرة بشركات النفط التي تدعمها الدولة بتشاتام هاوس في لندن “هناك موقف مختلف من الأجانب وعن الوقت الذي كانت خبرتهم تثمن، عندما كانوا ينبون الشركة”. وقالت “هناك مظاهر قلق قديمة حتى داخل الشركة وفيما إن كان هذا الجيل الجديد من المدراء الذين هم على خلاف أسلافهم نشأوا في الثراء ولم يكونوا بحاجة للعمل الشاق، سيكونون في وضع جيد لإدارة واحدة من أهم الشركات في العالم. وواحد من مظاهر ضعف أرامكو أنه لا يوجد لديها ثقافة تحدي”.
ويلخص مشروع جازان المشكلة والذي يعاني من بداية العمل به في 2012 من مشاكل. وفي تقرير من 14 صفحة أرسل في حزيران/يونيو إلى الرئيس التنفيذي لأرامكو أمين الناصر، وتحدث الموظف عن فصله التعسفي والتنمر والمشاكل الإجرائية المتعلقة بعدم فحص الأسس والأجهزة، وأشار إلى تصدعات في بنية المصفاة ومشاكل في الطرق والأساسات التي أنشئت وبدون اعتبار للنصيحة المقدمة من عمال المراقبة الأجانب. ولم يحصل الموظف السابق على جواب.
وقال آخر إن الطريقة التي تدار فيها المصفاة يمكن أن تصبح مثل بابير ألفا، في إشارة للكارثة في 1988 والتي قتلت 167 موظفا في منصة نفط ببحر الشمال.
وأضاف “ترتكب آثام كثيرة ويضغط على الناس للتوقيع على أعمال بدون فحص مناسب. ويتم تجاهل القلق واصبحت متاصلة ويتم لملمتها بطريقة تهدد السلامة”. وقال المهندس المجرب إن نظام أرامكو ليس سيئا لو اتبع على قدمه والمشكلة هي عقم المدراء الذين يكرهون النقد والتحدي ولا يحبون تصويب ما يقولون.
وفي رسالة الموظف السابق لناصر وصف فيها أجواء من الإستفزاز والخوف والضغط على العاملين في مصفاة جازان. ويهدد الموظفون بالفصل لو تحدثوا عن المشاكل. ويقول إن واحدة من المشاكل التي واجهها هي اعتراضه على الاخطاء و “بصدق لم أفكر أبدا أن المجيء إلى السعودية والعمل في أكبر دولة منتجة للنفط والغاز والمساعدة على بناء مصفاة نفط جازان وبهذه الضخامة سينتهي بطريقة سيئة بالنسبة لي. ولأنني تمسكت بما أعتقد أنه الصواب”.
وتدافع الشركة عن عملية الإدارة التي تقول إنها الأفضل في العالم وتطبق على مشاريع ميغا وغيغا ومنها مصفاة جازان. ويرى المحللون أن أرامكو تواجه تحديات مستقبلية، ففي ظل خطط التحول عن عصر النفط وكونها قلب الإقتصاد النابض تحول التركيز الإستراتيجي لمكان آخر، كما يقول بيل فارن برايس المحلل في إنفراس. مضيفا أن المعايير الأساسية التي تمسكت بها الشركة في أيام مجدها لم تعد أولوية.
وقال مايكل ريدنغ، مهندس النفط إنه أجبر على ترك العمل بالسعودية لحماية صحته. ففي 19 آب/ أغسطس كان في طريقه إلى المطار لقضاء عطلة الأسبوع في الظهران عندما ضربت صواريخ مصفاة جازان حيث أصيب كما يقول بكدمات ما بعد الصدمة. ونصحه الطبيب بعدم العودة لكن المسؤولين السعوديين لم يتعاطفوا معه وطلبوا منه العودة وإلا فصل من العمل. وكانت نصيحة الطبيب “لا تذهب إلى العمل في جازان ولكن انصحهم أنك مستعد للعمل في أي مكان آخر”.
ويرى ريدنغ أن جزءا من مشكلته هي أن مشروع جازان ارتبط بعدد من الطلبات التي تقدم فيها عمال بنقلهم منه. ولم يكن امامه أي خيار بل تقديم استقالته التي لم يقبلها مديره واستقبلها بنوع من السخرية والعرقلة. لكنه كان متأكدا أن أيامه في جازان قد انتهت بسبب تحول المنطقة لمحور حرب. وقال موطف سابق في جازان إن مظاهر قلقهم من الهجمات الصاروخية تم تجاهلها. وكان الجواب “هل تشكك في قدرة السلطات العسكرية السعودية؟”.
وتدافع الشركة عن إجراءاتها لحماية الموظفين من الهجمات وأنها نسقت مع القوات السعودية لحماية المصفاة والعاملين فيها. وعاد ريدنغ إلى بريطانيا وحصل على وظيفة أخرى لكنه غضب عندما شاهد سباق فورمويلا وان الذي اصبحت أرامكو راعية له “ترى أنهم يقدمون أنفسهك كشركة دولية عادية” و”أتمنى لو استطعت القول لأمين ناصر: لديك أحسن شركة في العالم تحت تصرفك، لكنك لا تطبق ما تدعو إليه ولا تحترم الحياة الإنسانية والرفاهية كما تقول”.