لندن – “القدس العربي”:
قال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في حديث خاص مع رجال الأعمال السعوديين إن أحدا لن يستثمر في مشروع مدينة المستقبل “نيوم”. ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن شخص حضر لقاءات عقدها بن سلمان في الأسابيع القليلة الماضية دهشة التجار عندما سمعوا كلاما صريحا من محمد بن سلمان حول مدينة “نيوم” بكلفة 500 مليار دولار. وجاء بمثابة اعتراف بأثر الأزمة التي أعقبت مقتل الصحافي جمال خاشقجي والتي تهدد بتقويض خططه لتحديث المملكة المحافظة بدعم من الرأسمال والخبرات الأجنبية.
ومدينة “نيوم” هي أكبر المشاريع الطموحة التي أعلن عنها الأمير محمد ولكنها كانت منذ البداية مشروعا محفوفا بالمخاطر حيث أراد أن يقيم المدينة لتكون مركز آخر المبتكرات التكنولوجية والروبوتات والذكاء الصناعي.
إلا أن الخطة وضعت على الرف بسبب الأزمة التي تسببت بها جريمة مقتل خاشقجي وأثرت على قدرة المملكة لجذب المستثمرين الخارجيين والخبرات العلمية المطلوبة لتنفيذها وغيرها من المشاريع التي تشمل عليها “رؤية 2030”.
وقال مستشار في القطاع الخاص إن “نيوم مشروع أصبح بالتأكيد محل شك” و “بالتأكيد فعملاء الحكومة لا يتطلعون للأمام في هذه اللحظة”. وبسبب الجريمة قام عدد من المستشارين لمشروع نيوم مثل نورمان فوستر بإبعاد أنفسهم عن الخطة، مما يؤكد الثمن السياسي والخوف على السمعة لدى هؤلاء من الارتباط بولي العهد السعودي.
ووعد الأمير محمد رجال الأعمال الذين التقاهم بالاستثمار في الاقتصاد التقليدي وهو تراجع كبير في رؤية الأمير الذي جعل من تنويع الاقتصاد وإبعاده عن النفط مركز رؤيته لتطوير البلاد.
وبحسب ستيفان هيرتوغ، الخبير في شؤون الخليج بمدرسة لندن للاقتصاد “عادت السعودية لما جربته وتعرفه” و “عادوا للحم والبطاطا” أي الأمور الأساسية والتي يجب عليهم عملها.
ولم يرد المشروع ولا الحكومة السعودية على أسئلة الصحيفة. وتشير الصحيفة أن اقتصاد السعودية كان يترنح قبل مقتل خاشقجي والأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بشأن الجريمة مع الغرب والتي تعد الأكبر منذ هجمات إيلول (سبتمبر) 2001.
واضطر ولي العهد الذي أصبح محل تدقيق ونقد في الخارج للتحول إلى رجال الأعمال المحليين المتعثرين في الوقت الذي تراجعت فيه شهية رجال الأعمال الأجانب لوضع أموالهم لتنفيذ خطط الإصلاح. وفي محاولة لبناء قاعدة دعم محلية دعي رجال الأعمال ومدراء الشركات إلى جلسات خاصة مع ولي العهد لكي يخبرهم عن الوضع الاقتصادي الذي تعيشه المملكة والمشاعر المكتئبة من الوضع الاقتصادي.
وقال أحد المصرفيين الذين حضروا لقاءات عقدت في الأسابيع القليلة الماضية إن “العائلات (السعودية) الكبرى تضررت وأخبرت ولي العهد عن الوضع”.
ويعلق كير إن حوارات كهذه هي شهادة عن تراجع حظوظ ولي العهد. وتقع نيوم على الجانب الشمالي-الغربي من البحر الأحمر وتحتوي على عدد من القصور حيث قضى الملك إجازته الصيفية فيها بدلا من رحلته التقليدية إلى المغرب وأوروبا. وفيه منتجع عقد فيه اجتماع لرجال الأعمال والممولين الذين نقلوا إليه حيث أقيم على جانب الشواطئ المحاطة بالجبال الوعرة والمياه التي يعيش فيها سمك القرش. ولكن الأمير محمد لم يعد قادرا على جذب المستثمرين للمكان.
وكشف عن الخطة في مؤتمر صاخب نظمه العام الماضي وجذب إليه المستثمرين والممولين والمصرفيين من كل أنحاء العالم. وأطلق عليه “دافوس في الصحراء” إلا أن المؤتمر الثاني الذي عقد بعد ثلاثة اسابيع من مقتل خاشقجي قاطعه معظم رجال الأعمال ومدراء الشركات. وقال ماسايوشي سون، مدير “سوفت بانك” الذي يعتمد على تمويل 45 مليار دولار لصندوق “فيشين” للتكنولوجيا للأمير محمد إن مقتل خاشقجي قد وضعه في وضع صعب. وبحسب أشخاص حضروا اللقاء فإن ولي العهد العنيد اعتذر له. وبحسب أشخاص عارفين بخطط وزارة الطاقة السعودية فمشروع لتوليد الطاقة الشمسية بكلفة 200 مليار دولار مع سوفت بانك ينظر إليه غريب ولا يمكن تطبيقه ولهذا قامت الوزارة بتقليصه.
كما وعلق رجل الأعمال البريطاني ريتشارد برانسون مشاريع مشتركة مع الرياض حول استثمارها في شركات الفضاء التي يملكها مما دعا المملكة لوقف الخطط الأخرى مثل “فيرجين هايبرلوب وان” للنقل. وتم تجميد عدد منة الصفقات الداخلية للتصنيع وتجارة الجملة حسب محامين ومصرفيين.
وعانى محمد بن سلمان من نكسة لخططه عندما تم تأجيل وضع أسهم من شركة النفط السعودية/ أرامكو والتي كان يأمل أن تحقق 100 مليار دولار لدعم خططه. وجاء التأجيل بسبب الأمور القانونية وعدم قدرة السعودية الحصول على التقييم الذي تريده. وبدون عوائد بيع الأسهم لا يستطيع الصندوق السيادي هيئة الاستثمار السعودية العامة تنفيذ خطط التطوير التي يريدها ولي العهد بما فيها مشروع نيوم. كما أن خطط شراء أرامكو حصص في شركة البتروكيماويات “سابك” بحوالي 70 مليار دولار تواجه معوقات منها الظروف الصعبة للسوق من أجل إصدار صكوك وقروض. ووصلت المشاعر في القطاع الخاص الذي عانى من سياسات التقشف إلى مرحلة متدنية خاصة بعد سجن الأمير أعمدة التجارة بالمملكة فيما أطلق عليها حملة مكافحة الفساد مما أخاف المستثمرين الأجانب. وكان من بين المعتقلين وزير الاقتصاد السابق عادل الفقيه والذي يعد من جزءا مهما في خطط محمد بن سلمان ورؤيته 2030 وقد أدى سجنه لإبطاء مشروع الإصلاح خاصة أن عددا من الموظفين عزلوا واستبدلوا بجدد.