الرئيس قيس سعيد
لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا لمراسلتها هبة صالح من تونس وبعنوان “الحياة بعد انقلاب تونس: لحظة الثورة المضادة”. وبدأت استعراضها للوضع التونسي بما قاله الناشط السياسي جوهر بن مبارك الذي كان جالسا في مقهى بالعاصمة تونس عندما خرج رجلان من سيارة وبدآ بكيل الشتائم له وتهديده وعائلته وقالا “نعرف أين تسكن والمدرسة التي يذهب إليها أطفالك”.
وعلق بن مبارك “كانت هذه هي المرة الأولى التي يهددني أحد في الشارع بهذه الطريقة، وفي العادة ما يحدث التهديد على منصات التواصل الاجتماعي”. وبن مبارك هو أستاذ جامعي يساري يدرس القانون ومعارض شديد للرئيس قيس سعيد الذي علق البرلمان في تموز/يوليو وأعلن أنه سيحكم عبر المراسيم في انقلاب حظي بشعبية.
وتعلق صالح أن شعبية سعيد لم تتأثر بعد إلا أن خطابه المثير للفرقة خلق جوا من الترهيب كما يقول نقاده. وعلق مبارك على الاتهامات التي ألقاها سعيد على نقاده ومعارضيه مثل “الخيانة”، ووصفهم “بالشياطين الذين يجب رجمهم”. وتقول إن تونس حتى انقلاب سعيد، ظلت المثال الأنجح عن التحول الديمقراطي في الدول العربية التي انتفضت ضد الديكتاتوريات في 2011، مضيفة أن التونسيين الذين زاد قلقهم من العجز في ظل حكومات الائتلاف الضعيفة والمتغيرة بشكل مستمر، دعموا سعيد، مشيرة إلى استطلاعات الرأي التي تقترح هذا، مع أن النقاد يخشون من تحرك سعيد الذي يقود البلاد إلى مستقبل مجهول وعودة الديكتاتورية.
ونقلت عن رئيس حزب آفاق تونس، ووزير الاستثمار السابق فاضل عبد الكافي قوله إن مراسيم الرئيس ليست عرضة للاستئناف، كما أنه لم يحدد جدولا زمنيا لإلغاء الإجراءات الاستثنائية. وأضاف أن حزبه رحب بإجراءاته في البداية كـ “صدمة ضرورية” و”لكننا انتظرنا الخطوة القادمة، ومهما كانت شعبيته واستقامته فلا يمكنه السيطرة على كل السلطات”. وعلى خلاف الحكام الأقوياء في العالم العربي الذين يخرجون من عباءة الجيش، فسعيد هو أستاذ سابق للقانون الدستوري وبدون انتماء حزبي، بل وعبر عن شكه بالأحزاب ولديه خطة غامضة لإعادة بناء النظام، لكنه يقول إن مهمته هي مكافحة الفساد.
ودافع فوزي داس، 37 عاما، والذي تطوع في حملة سعيد عن الرئيس قائلا إن الوضع لن يكون أسوأ قبل الإجراءات وأن الوضع الحالي مؤقت. وأضاف أن الرئيس ليس ديكتاتورا. وهو ما يقوله سعيد الذي فاز بأغلبية كبيرة في انتخابات 2019، حيث يؤكد أنه ليس مستبدا. ولكنه لم يقدم خطة أو جدولا زمنيا بعد أربعة أشهر على انقلابه لإعادة الدستور وبدء الحوار مع الأحزاب أو الاتحاد العام التونسي للشغل القوي. وكذا لم يقدم خطة اقتصادية لمعالجة الأزمة الاقتصادية المتزايدة في أعقاب فيروس كورونا والتي عمقت من الفقر وزادت من الدين العام.
وبدلا من ذلك يهاجم سعيد معارضيه السياسيين متهما إياهم بالفساد ويترك الجميع يتكهنون بشأن خطوته المقبلة. ووجد عدد من النواب والسياسيين أنفسهم تحت الإقامة الجبرية وممنوعين من السفر، مع أنه جرى إلغاء هذه الإجراءات كما تقول الصحيفة. لكن النواب الناقدين للرئيس وكانت لديهم حصانة أعيد فتح تحقيقات فساد ضدهم. وتم إغلاق قناتين تلفزيونيتين تابعتين لحزبين كبيرين بتهمة العمل بدون رخصة. وأصدرت تونس هذا الشهر بلاغا دوليا للقبض على الرئيس السابق منصف المرزوقي والمعارض الطويل للديكتاتورية وكان أول رئيس انتقالي لتونس بعد ثورة 2011، ودعا فرنسا لوقف دعمها لإدارة سعيد. ووصف البلاغ الدولي بأنه “رسالة تهديد لكل التونسيين”.
وعلق راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة الذي حصل على أكبر المقاعد في البرلمان أن تونس كانت في خضم تحول ديمقراطي صعب وأن حزبه سيقاوم الديكتاتورية. وقال إن النهضة تريد حوارا حول الإصلاحات. وقال “هذه لحظة الثورة المضادة” و”أنا مقتنع أن الثورة لم تنته وستتم هزيمة المزاج الشعبوي الحالي”. وشاركت النهضة في كل الحكومات منذ الثورة، ولكنها أصبحت محل غضب التونسيين الذين حملوها مسؤولية التراجع في الاقتصاد والانسداد في البرلمان قبل انقلاب سعيد. ولا تزال أكبر حزب منظم في تونس، إلا أن تراجع شعبيتها يعيق أي جهد لقيادتها عملا منظما ضد سعيد، الذي ألمح أنه سيستبعدها من أي حوار.
وشهدت تونس يوم الأحد احتجاجات شارك فيها المئات، واشتبك المتظاهرون مع الشرطة لفترة قصيرة. واشتكى بن مبارك أحد المشاركين من أن الشرطة أغلقت الشوارع المؤدية للعاصمة لمنع القادمين من خارجها. ورغم الشعبية التي يتمتع بها سعيد الآن إلا أن الخبراء يرون أن شهر العسل سينتهي نظرا لصعوبة تقديم حلول عاجلة للاقتصاد كما يريد التونسيون.
ويقول الاقتصاديون إن الدين العام للبلد تصل نسبته 90% من الناتج المحلي العام، وهو وضع لا يمكن الحفاظ عليه، وهناك حاجة لتخفيض ميزانية الرواتب للقطاع العام. وراقب التونسيون تراجع القدرة الشرائية بسبب انخفاض قيمة الدينار التونسي للدولار، في وقت انخفض فيه الناتج العام بسبب فيروس كورونا ووصلت نسبة البطالة إلى 17.9% في الربعية الثانية من عام 2021.
ويرى المحلل السياسي طارق الكحلاوي أن سعيد سيقتنع بضرورة الانفتاح على النخب السياسية والاتحاد العام التونسي للشغل، مما قد يقود إلى نظام رئاسي ولكنه بمحددات ورقابة. لكنه وغيره ذكروا أن هناك تطورا سلبيا قد يحدث حالة زاد الغضب على الأوضاع الاقتصادية. وكما يقول يوسف الشريف الذي يترأس مراكز كولومبيا العالمية، فسعيد سيختار بين “القمع أو التفاوض”. وفي حالة تراجعت شعبيته فهناك إمكانية لانقلاب ضده من الجيش أو الأمن. و”الخطأ الأكبر الذي ارتكبه أنه فتح صندوق المتاعب “باندورا” بدون حساب كل المخاطر”، وفشله يعني ظهور أسوأ نظام سياسي.